الرئيسية > نوافذ على التراث

ظل

متى يكون الأدب غير أليف؟



نايف الرشدان

اتجاه الشاعر إلى الإغراب في ألفاظه ونظمه قد يكون مرده إما إلى حالة من القلق لديه يعبر عنها اضطراب نفسي أو إلى حالة من التوازن يعبر عنها تماسك معنوي أمام ذلك الطارئ، وقد يكون القلق ناجماً عن تردده في قبول المألوف وعدم الثقة في مدلوله وحضوره، على أن التوازن ناجم عن اغترافه من المخزون المليء بما يناسب معناه من ألفاظ العربية، وقد يكون أملأها لهذا الوعاء لفظ غريب يؤدي ما لا تؤديه الكلمة المألوفة.

وإذا كنا مدركين لغاية الشعر والأدب عموماً، فإننا نجد أن راصف الألفاظ في الجملة الشعرية يتوخى التأثير في المتلقي، فالشاعر يبحث عن نعوت الإعجاب وكلمات الثناء من وراء منجزه الشعري وذلك لن يكون إلا بتحقق الفاعلية ووصول اللغة إلى أجمل تراكيبها من خلال مخاطبة العقل والوجدان، لتتحرك بعد ذلك ذائقة المتلقي فيقبل أو يدبر، ويقرب أو ينأى، وميزان ذلك في استيعابه واستيحائه الحوار الداخلي بين ذائقته وثقافته.

والغرابة عكس الألفة، فالغرابة (أن تكون الكلمة وحشية، لا يظهر معناها، فيحتاج في معرفته إلى أن ينقر عنها في كتب اللغة المبسطة).

والإغراب والغرابة تدور حول البعد، وقد تكون الكلمة مألوفة في زمن ثم يقل استعمالها عبر العصور فتصبح غريبة، فاللفظة الغريبة عند البلاغيين هي اللفظة الوحشية التي لا يعرف معناها إلا بالبحث عنها في كتب اللغة والمعاجم، وعلى العكس من ذلك الكلمة الأليفة التي لا تجد عناء في البحث عنها أو فهمها ضمن السياق، والغرابة فيما أرى لا تخرج عند الشاعر عن أحد ملمحمين:

الأول: أنها دلالة على ضخامة المخزون اللغوي عند الشاعر، فتتداعى ألفاظ شعره من مقروءاته ومحفوظاته، وقد لا يمر عليها رقيبه الفني الخاص.

الثاني: أنها دلالة على تصيد الغريب من الألفاظ لعدم وجود لفظة ملائمة تبرز ثقافة الشاعر أو ربما للتعمية على المعنى لتضخيمه أو للخروج من مآزق الضوابط النقدية.

غير أن الغرابة المخلة بالفصاحة معيبة لأنها تبعد الشاعر عن المتلقي، وذلك كما في جواب السيد الحميري حين سئل عن عدم إتيانه في كلامه بالغريب فقال: "... لأن أقول شعراً قريباً من القلوب، يلذ له من يسمعه خير من أن أقول شيئاً متعقداً تضل فيه الأفهام.." ويصبح اللفظ الغريب أكثر عيباً عندما يكون للشاعر مندوحة يجد فيها الكلمة المألوفة المستساغة فيعدل عنها إلى الإغراب وتلك حماقة ناظم لا براعة شاعر.

ولكن الأعجب أن من النقاد من يؤثر الغرابة ويستحسن الكلام بها ويستجيد أن تأتي الكلمة بعد كد وتعمل، بل ويرى من الفصاحة أن يكون اللفظ قاسياً غريباً على أن البلاغيين ينفرون من الكلام الوحشي، ولا يجدون في استعمال الغريب زيادة في بلاغة الكلام.

(أما الشعر الذي يقرأ في هدوء، ويستمتع بقراءته في ريث وأناة، فلا بأس من استعمال الغريب، إذا لم يكن وحشياً ممعناً في الغرابة).

وقد يكون بُعد المعنى وضعفه مرتبطين بكثرة الإغراب في الكلام، والكلام إذا ساد فيه استعمال الغريب أصبح معيباً، لأن المعنى يصبح مبهماً.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة