وتضحكون وتضحك الأقدار، وتلعب الأيام لعبتها على غرة من أهلها حتى يصدمهم القدر النافذ فيستيقظون من سبات الحياة الى لحظة المواجهة مع مشيئة الله وقدره المحتوم.
كنت أقول هذا لنفسي وأنا أهيل التراب بكفي على قبر الشيخ ناصر المنقور بمقبرة: ريتشموند بلندن.. لم أكن أبداً أتوقع أن هذه الكف التي صافحته في أول يوم من أيام التلاقي العملي وفي مكتبه بالسفارة الملاصق لمكتب الملحقية آنذاك، سوف تهيل عليه التراب في المدينة نفسها وفي ظروف لم تكن هي نفسها!!.
لقد أمضيت مع هذا الرجل الكبير الحكيم مرحلة هي من أهم مراحل حياتي العملية حيث دخلت في مدرسته وتعلمت على يديه الكثير.
كان رجلاً وطنياً بكل المقاييس وكان رجلاً حكيماً بكل المقاييس وكان رجلاً دبلوماسياً حتى ليخيل إليك أنه خرج من بطن أمه دبلوماسياً.
بومضة عينه يشعرك بما يريد.. كان موجزاً في شرحه، لماحاً ذكيا في التقاط ما يدور في نفسك وخلدك فيبادرك بطريقة غير مباشرة ويشعرك بأنه مدرك لما تريد.. كان إذا بدت له ملاحظة وأراد إيصالها لك فإنه لا يصدمك بها مطلقاً وإنما يضعها في سياق قد لا تنتبه إليه إلا بعد حين!!
وعندما التقيت به أول مرة في مكتبه كنت قلقاً بعض الشيء فأنا لا أزال غراً وحديث التجربة وربما كنت أصغر ملحق ثقافي للمملكة وكنت أمام رجل له تاريخه الثقافي والتعليمي والدبلوماسي وله حنكته وسمعته التي تتردد على كل لسان وعندما جلست إليه راح يحدثني حديث من كان يعرفني منذ زمن.. يسأل عن الأحوال والأهل ويتبسط في الحديث إلى درجة أنستني ما أنا فيه..
وحين طلبت إليه التوجيه والنصيحة لم يلق بالاً لطلبي وتجاوزه متحدثاً في شؤون مختلفة. وكأنه يقول لي بذلك انك لست محتاجاً إلى نصيحة أو توجيه وان عليك ان تحزم أمرك بنفسك.. وهذا في تصوري أشد أنواع التوجيه الإداري ذكاء وحنكة.. ومن غرائب الصدف أنه في نهاية الأسبوع الذي باشرت فيه عملي كان يوافق لقاءه السنوي بالطلاب.. فقد عود الطلبة على أن يجمعهم في فندق "الهيلتون". وامتلأت القاعة في ذلك اليوم من طلبة الدكتوراه والماجستير فقد كانوا أكثر من ثمان مئة طالب.. وحشرت نفسي بينهم ساكتاً وهم لا يعرفونني وحين دخل الشيخ ناصر القاعة أخذني بيدي وأجلسني إلى جانبه، وبدأ الحفل وبدأ الحديث وكان رئيس الأندية آنذاك الدكتور إسماعيل البشري مدير جامعة الشارقة الآن.. قمت وتحدثت إليهم بما جادت به ظروف اللحظة.. وحين عدت وجلست إلى جانبه همس في أذني وقال لي من ذا الذي يحتاج إلى التوجيه والنصيحة؟ ومرت الأيام وأنا أستفيد منه في كل لقاء يجمعنا وما أكثر اللقاءات والاجتماعات وكان أريحياً مضيافاً كريماً كثير المناسبات في منزله وكان يتصل بنفسه ليدعوني فأغرق في عرقي خجلاً من نبل هذا الرجل وحرصه.. وعندما وقعت أزمة الكويت شد أبو أحمد المئزر وصار يعمل ليل نهار لمساعدة أبناء الأخوة الكويتيين حيث فتحت أكاديمية الملك فهد أبوابها لهم.. وقد كثر اللغط والهرج والمرج بسبب الأزمة في كل مكان واشتدت الأزمة وألقت بظلالها وبكل ذيولها وعقابيلها على عقول الناس ونفوسهم وتعالت أصوات "الخطابات" المختلفة وراجت الأشرطة والتبس الأمر على الناس.. فكان لزاماً أن اجتمع بالطلاب في مقار أنديتهم للتحدث معهم والاستماع إليهم ومحاولة ضبط التوتر النفسي الذي صاحب الأزمة.. وكان الشيخ ناصر في كل مرة يتصل ويسأل ويناقش.. ولقد رتبنا أكثر من مؤتمر طلابي وأكثر من لقاء كان يشارك فيه بنفسه ويتحدث إليهم بحكمته وعقله الراجح فكان يكسب الود والرضا من الجميع وكان يقبل الحوار والنقاش بروح سمحة وبصدر واسع وعقل ذكي..
ومن خصال الشيخ ناصر الكريمة في عمله أنه لا يضع بينك وبينه حاجباً ولا وسيطاً في أي موضوع أو مشروع بل يحدثك ويناقشك ويسمع منك ويصغي إليك ولا يقبل أن يسمع من سواك أو عن طريق وسيط.. وبمعنى أوضح لم يكن يقبل هوجاً ولا عوجاً، ولا يبخس الناس أقدارهم في علاقته العملية..!!.
وكان الشيخ ناصر ذا نخوة ومروءة فما أكثر ما وقف مع الطلبة الذين تمر بهم ظروف مالية أو أسرية أو حتى دراسية وكان كثيرا ما يشفع لهم عند مراجعهم لحل هذه الظروف بل ربما دفع لهم من جيبه الخاص..
وهذه سجية عرفها كل من تعامل وعمل معه منذ بداية حياته العملية، يذكر لي الأستاذ صالح القرعاوي - أطال الله عمره - وهو من الذين زاملوا الشيخ في وزارة المعارف أن أحد الموظفين من زملائهم في الوزارة تعرض لظروف قاسية وصعبة وذهب إلى كثير من أصدقائه ومعارفه وممن كان يعول عليهم وقتها، ولكنه لم يجد إلا التسويف والمواعيد التي لا تتحقق.. فاشتدت عليه المشكلة واستحكمت وضاقت حلقاتها قال: الأستاذ القرعاوي، قلت له اذهب إلى أبي أحمد الشيخ المنقور فتردد خوفاً من إراقة دم الوجه.. وقال كيف أذهب إلى رجل لا يعرفني وقد خاب ظني فيمن يعرفني؟ فقلت اذهب فأنت مقدم على رجل يهتز للمروءة لمن يعرف ولمن لا يعرف.! فلما ذهب وقابله ما خرج إلا وقد حلت مشكلته وفرج كربه..!
وعندما عين الدكتور غازي القصيبي سفيراً في لندن قال لي الشيخ ناصر سوف يأتيكم رجل ملهم مغرم بالثقافة والمعرفة فاستفيدوا منه، وما كان الشيخ يجهل أننا نعرف ذلك عن الدكتور غازي، ولكن ليعبر لنا عن غبطته وابتهاجه بالقصيبي سفيراً جديداً.
وغادر الشيخ ناصر لندن وكان مكتبه ملاصقاً لمكتب الملحقية وكلما أوقفت سيارتي ورفعت رأسي تذكرت الشيخ فرددت قول الشاعر:
كأنء لم يكن بين الحجون إلى الصفا
أنيس ولم يسمر بمكة سامرُ
وظلت علاقتي بالشيخ ناصر متصلة متواصلة.. بل والله - وأنا صادق في يميني - أنه كان يبادر بالاتصال حينما تطول غيبتي وغفلتي فأحترق خجلاً من وفاء هذا الرجل الكبير في خلقه وحرصه ومحبته.. ولست أدري هنا كيف أستمر في الحديث عن الرجل فالحقيقة أن الشيخ المنقور كان رواية ضخمة كثيرة الفصول والحديث عنه يحتاج إلى كتاب ضخم بحجم إخلاصه وعمله وحكمته وماضيه الوطني.. ولكن هذا ما تسمح به حدود هذه الزاوية، وسوف أتحدث عنه بمشيئة الله في كتاب عن تجربتي في الغربة سيكون أرحب صدراً وأوسع مجالاً.. أما الآن فأقول:
عليك مني يا شيخ ناصر سلام الله ورحمته وبركاته.
1
رحمه الله رحمةً واسعة، لكن من الغريب أن لا يدفن في وطنه ؟!
عمر الدعجاني - زائر
04:07 صباحاً 2007/08/03
2
نسأل الله رب العرش العظيم أن يرحم الشيخ ناصر المنقور ويدخله فسيح جناته وان يثقل موازين حسناته بأعماله الخيرة، وان يطيل في عمرك يا أبا عبد العزيز.
أبو راكان - زائر
04:59 صباحاً 2007/08/03
3
الله يرحمه ويغفر له ويلهم اهل الصبر والسلون بس حبيت اسئل عن الشيخ ناصر هو ملحق ثقافي في لندن مو السفير صح
عبدالله - زائر
05:12 صباحاً 2007/08/03
4
لم اعي الشيخ ناصر فقد كنت صغيرا ولكن عرفته من كلام الرجال عنه و الحديث عنه لا يكفي...
رحمك الله يا شيخ و جمعنا و اياك في الجنة
وشكرا ابا عبدالعزيز
مساعد الشهيل - زائر
05:46 صباحاً 2007/08/03
5
الله يرحمه ويسكنه فسيح جناته
الودعاني - زائر
06:02 صباحاً 2007/08/03
6
(ومن خصال الشيخ ناصر الكريمة في عمله أنه لا يضع بينك وبينه حاجباً ولا وسيطاً في أي موضوع أو مشروع بل يحدثك ويناقشك ويسمع منك ويصغي إليك ولا يقبل أن يسمع من سواك أو عن طريق وسيط.. وبمعنى أوضح لم يكن يقبل هوجاً ولا عوجاً، ولا يبخس الناس أقدارهم في علاقته العملية..!!.
فقلت اذهب فأنت مقدم على رجل يهتز للمروءة لمن يعرف ولمن لا يعرف.! فلما ذهب وقابله ما خرج إلا وقد حلت مشكلته وفرج كربه..! )
والله انها خصال طيبة ويا زينها من خصال وياليتها تتوفر في مسؤولين هالأيام الذين يقولون ما لا يفعلون
نواف - زائر
06:46 صباحاً 2007/08/03
7
رحم الله الشيخ ناصر الرجل الشهم المعطاء الباذل رحمة واسعة واسكنه فسيح جناته.
المهندس / احمد الضحيان - زائر
09:39 صباحاً 2007/08/03
8
رحمة الله على الشيخ ناصر المنقور واسكنه فسيح جناته،ومن ال منقور الطيبين
كثر واذكر هنا استاذى عبد العزيز المنقور الذى كان المستشار الثقافي فى امريكا
وكان اداريا متميزا وابا لكل طالب اطال الله عمره واسعدنا بطلته النيره ونفسه الحلوه وتواضعه الجم.
وجزاك الله كل الخير اخى عبد الله على هذا التأبين الطيب الذى يدل على طيبك ومعدنك النبيل.
فيصل السعد
فيصل السعد - زائر
10:41 صباحاً 2007/08/03
9
الاخ نادر المليحي
ماذا تعرف عن الكاتب. انه الملحق الثقافي في بريطانيا لمدة 17 سنة ولايزال فهل تريده يكتب عن المجتمع السعودي وهو لم يعايشه بسبب عمله وخدمته لوطنه.
الجاهل عدو نفسه
محمد - زائر
11:00 صباحاً 2007/08/03
10
اخي الكريم نادر المليحى
ما هذا برأي جميل،والاخ عبد الله الناصر الذى لا اعرفه ولايعرفنى،سوى قرآئتى لمقالاته الممتازه،وهويكتب في كل مجال بادب رائع وثقافة عاليه.
جزيت خيرا، ما هكذا يطلق القول ايه النادر.
سيف القحطاني - زائر
11:22 صباحاً 2007/08/03
11
السلام عليكم
ما أجمل الوفاء. نعم الوفاء الحقيقي الذي يشيد ويذكر مأثر الرجال دون أن ينتظر منهم جزاء ولا شكور.
والله أن الطلاب والطالبات المبتعثين في بريطانيا يذكرونك دائماً بالخير ويذكرون مواقفك النبيلة والتي لا تصدر إلا من رجال عملوا وتغربوا لخدمة دينهم و وطنهم
رحم الله الشيخ المنقور عميد السفراء في المملكة المتحدة
وبارك الله في سفراء السعوديين في كل مكان وخصوصاً الذين يحملون هم وطنهم ومواطنيهم. حفظك الله يا أستاذ عبدالله وبارك لك في وقتك وجهدك وقلمك.
ملاحظة الأخ نادر تعليق رقم 6 : الاستاذ عبدالله الناصر هو الملحق الثقافي السعودي في المملكة المتحدة وايرلندا
ودمتم
عدنان العبسي - يورك
عدنان العبسي - زائر
11:30 صباحاً 2007/08/03
12
اول من كتب افتتاحية جريدة الرياض في اول عدد تصدره و بخط يده
وثاني مدير لجامعة الملك سعود
رحمه الله
وصل الحربي (عزف ونزف ) - زائر
02:04 مساءً 2007/08/03
13
رحمه الله رحمة واسعه...لماذا لم نسمع عن تكريم الوطن لهولاء العمالقه؟
ابو احمد - زائر
04:48 مساءً 2007/08/03
14
احسنت صنعا.. وجزاك الله خير.. نريد أن نعرف المزيد عن هذا الرجل.. نريد (عشر) سفرائنا أمثال هذا الرجل.. رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته..
ونحن في الإنتظار يا أبا عبدالعزيز.. لتتحفنا بكتابك عن الغربة.. ونحن من أشد المعجبين بأسلوب طرحك ونقدك وقصصك واعترافاتك والتي سنقرأها إن شاء الله في القريب العاجل.. أسرع في طرح كتابك..
تحياتي لك ,,
خالد التغلبي * الجزائر - زائر
05:06 مساءً 2007/08/03
15
رحم الله الشيخ ناصر وأسكنة فسيح جناتة..
وهذا الوفاء له ليس بمستغرب من الاستاذ عبدالله الرجل المدرسة
التى نتعلم منها الادب والوفاء والاخلاص والتفانى والتعب لراحة الاخرين
وخدمة وحب الوطن ومايقدمة لأبنائة المبتعثين فى بريطانيا من تسهيلات ومساعدة ونصح وحرص الا دليل على حبة لأبنائة ووطنة..ومهما كتبت لن أوفية حقة
أسال الله أن يرعاك بعينة التى لاتنام وأن يسدد خطاك ويجزيك خير الجزاء..
فيصل بن سعد الزهرانى - زائر
05:28 مساءً 2007/08/03
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة