غالباً ما تكون قضايا الحكومات التي تُعرض على مجلس الأمن تأتي قراراتها فرضية، وقد كانت دارفور في سلَّم أولويات مجلس الأمن، ومع أن الحكومة السودانية تحفظت وساومت، وجاءت تقديراتها للمواقف بعكس الإرادة الدولية، إلا أن تصويت الأعضاء بالإجماع بإرسال قوات أفريقية ودولية، حكمتها ظروف لم تستطع أن تُجزِّىء الدول رغم تباين المصالح بين أمريكا والصين على هذا الموقع الذي يقال إن ثرواته كبيرة، وخاصة النفط..
من الطبيعي أن تقبل الصين هذا القرار لأن صفقاتها مع أمريكا تجعلها لا تعارض، ولا تأخذ الاتجاه المغاير، وحتى روسيا لها مبرراتها، وإن تقاطعت سياساتها مع أوروبا وأمريكا معاً، لأن ما يربط هذه الدول موازين دقيقة تقيس بها مصالحها، وتعرف متى تقبل، ومتى تعارض، وأسوأ ما في دول العالم الثالث أنها تعيش على أمل هذه التناقضات، وقد شهدنا الصين، وبموقف أكثر خطورة من الوضع السوداني، تجبر كوريا الشمالية بالإذعان لتفكيك مفاعلاتها النووية، لأن عصر التهور السياسي، والاستناد إلى قوة نووية، ورعاية دولة عظمى، لم تعد سلعة ناجحة في السوق السياسي المعاصر، إلا تحت ظروف تفرض ذلك وفق حسابات استراتيجية وأمنية..
مأساة دارفور أنها أكبر من إجراءات الدولة السودانية، لأن المأساة التي جرت على الأرض صارت عنواناً لقضية إنسانية، تشابكت معها النواحي السياسية وربما جاءت تقديرات السودان غير متكافئة مع الإرادة الدولية، ولعل أخطر ما في هذه القضايا أن تتحالف الدولة المركزية مع أحد الأجنحة، ويأتي التعقيد الصعب أن يكون الموالي لها قبيلة ليس ولاؤها للحكومة، وإنما لنظامها وتقاليدها، مما يجعل فسخ عقد الاتفاق مرهوناً بأي سبب، ولعل ما قيل من انحياز الحكومة السودانية "للجنجويد" قد يكون الخطأ الأكبر لأن التفريق بين سكان هذا الإقليم دفع قوى محيطة بدار فور للتدخل في شؤون السودان الداخلية، وحتى القوى الخارجية ربما وجدت فرصتها قائمة في وضع قدم لها..
السؤال الملح لماذا الكثير من الدول في العالم الثالث ترفض في البداية الحلول الداخلية، وأيضاً الإقليمية، أو المساعي التي تأتي من الأصدقاء، ثم يكون الفرض دولياً في الوقت الذي يمكن حل هذه الإشكالات بدون المتاعب والخسائر بإضاعة فرص ظلت بيد الدولة مع خصومها؟..
لقد نجحت الحكومة السودانية بحلِّ معضلة الجنوب، واستطاعت تسوية قضايا حساسة، وكان تطبيق هذا الإجراء على دارفور أكثر حسماً لأنها تواجه قبائل ربما تتصارع عرقياً، ولكن ليس لها خلافات مذهبية، بل لو سعت أن يكون الدين هو القاضي في إنهاء هذه الاشكالات لربما نجحت غير أن الآراء التي غالباً ما توجهها العواطف، أو النظرات القصيرة، كانت سبباً في تصاعد تلك الأزمة وتدويلها وخروجها من نطاقها الخاص، إلى الشأن العالمي..
إزالة هذا الحمل الكبير عن السودان حتى لو لم يتوافق مع إرادة السلطة، هو حل إيجابي ربما تنعكس آثاره على المستقبل البعيد الذي قد لا يخل بالجغرافيا الوطنية لبلد مهم عربياً وافريقياً.