• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 703 أيام

في انتظار رفع الحصار السينمائي المصري - الحلقة الأخيرة

حميد تاكني

    لقد قررت أن يكون هذا المقال خاتمة لذلك السجال الذي دار بيني وبين الناقد المصري محمد إبراهيم مطاوع حول حالة السينما في الدول العربية، والعواقب الكثيرة والكبيرة التي تواجهها من طرف حماة الثقافة الوطنية في مصر، وذلك لأنه تأكد لي بالملموس بأن صديقنا محمد مطاوع لا يعدو أن يكون واحداً من المجندين الأوفياء الذين يضعون فوق جباههم عبارة من نوع مصر وبعدها الطوفان، رغم أنني متأكد من أنه يلعن في كل يوم وضع السينما المصرية التي تطل كل يوم على جمهورها المسكين بالكثير من الأفلام التي تزخر بالفضائح الفنية والأدبية.

والحقيقة أن صديقنا محمد مطاوع قد أبان عن كثير من المواهب خلال ردوده على صفحات جريدتنا "الرياض" الغالية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، أنه وكل نفسه وصياً على الذوق المصري، وكتب بيديه الكريمتين وثيقة ضمان عدم تعرض المتلقي المصري لأي استلاب من طرف الرياح القادمة من الخارج، كما أنه اتهم الكثير من الدول العربية بفقدان لغتها ولهجاتها بسبب تدخل المستعمر وتأثيره على أهلها، وكأن اللغة المحكية في شوارع وفي حارات ومدن وقرى مصر تتفوق على شعر المتنبي ومقامات بديع الزمان الهمداني. وصحيح أن من يملك بيتاً من زجاج لا يجب أن يقذف الناس بالحجارة، ولا تتعجب أيها الجمل في والديك، فأنت كذلك تملك سينما.

أخي محمد مطاوع، أنا لم أصرح أبداً أنني لا أشاهد السينما المصرية أو بالأحرى الأفلام المصرية، ولولا مشاهداتي الكثيرة وتتبعي لكل ما يكتب عنها، لما كنت واقفاً أمامك الآن للرد على ما تدعيه. ولكن الفرق بيني وبينك أنني في غالب الأحيان واستثناءً للأفلام التي أعرف مخرجيها المميزين المصريين، لا يمكنني أن أقف في طابور شباك التذاكر لمشاهدة محمد هنيدي، أو هاني رمزي وحتى عادل إمام وغيرهم. بل أنتظر في بيتي حتى تمن علي القنوات الفضائية بمشاهدة هذه الإنتاجات الهزيلة مجاناً. وذلك لإيماني الشديد بأن هذه الأفلام لا تستحق أن يصرف عليها فرنك واحد والسبب الثاني هو أن غالبية ما ينتج في السينما المصرية لا يستحق أن يشاهد على الشاشة الكبيرة، لأن جل الأفلام يتم تصويرها للقنوات التلفزيونية وليس لصالات السينما، كما أنني أرشح بعضاً من الأفلام المصرية لكي تبث على أمواج الإذاعة حتى ينصت إليها المتفرج بدل أن يشاهدها وذلك لأنها تزخر بأطنان من الحوارات المملة.

صرَّح المخرج الكبير نجدة أنزور لجريدة الحياة عدد 16183بتاريخ 26يوليو 2007عندما سئل عن ظاهرة مشاركة الفنان السوري في الدراما المصرية قائلاً: (من حق أي فنان أن يحقق طموحاته الفنية سواء في بلده أو في أي بلد آخر، ولكن ما نلاحظه إلى الآن هو أن الفنان السوري لم يقدم شيئاً مميزاً. حتى ظهور جمال سليمان في (حدائق الشيطان) لم يكن بالمستوى الذي ظهر فيه في أعمال سورية، إذ أعتقد بأنه كان يتسلى) لافتاً إلى أن (لهذه الظاهرة غايات غير بريئة تتمثل في محاولة شركة الإنتاج المصرية إفراغ الساحة الدرامية من الفنانين الموهوبين، ولكن ذلك لن يتحقق).انتهى كلام المخرج الكبير، ويتبين من خلال ما قاله أحد فطاحلة الإخراج الدرامي في العالم العربي أن دور المسؤولين على الثقافة والفنون في مصر، لم يقتصر على منع الأفلام العربية من الدخول إلى قاعات السينما وقنوات التلفزيون في مصر، بل تعداه إلى ضرب واستغواء الفنانين من أجل إفراغ الطاقات الواعدة من بلدانها الأصلية. ولا أظن أن مخرجنا سيقدم اعتذاراً على قنوات التلفزيون، لذلك فلا داعي للتسمر أمامها.

أعترف كل الاعتراف أن ردود السيد محمد مطاوع التي تعتمد على الهجوم أكثر من التريث، والعاطفة أكثر من العقل، قد جعلتني أكتب مقالاتي بغير الطريقة التي اعتدت عليها. وذلك لأن الرجل قد ابتعد عن ما طرحته من إشكاليات في مقالتي الأولى، وهذا يعتبر أمراً عادياً خصوصاً أنه ما زال يكتب بمداد الحركات الأيديولوجية التي سيطرت في مصر في زمن من الأزمنة، ورمت العالم العربي كله في دائرة النسيان وأخرت تقدمه ونموه.

أخي محمد لا يوجد في العالم كله بلد أحسن من بلد، فالكل يمتلك حضارته وتقاليده وإذا كانت هناك أي دوله تدعي الريادة فهي تغالط نفسها. فحتى فرنسا التي اخترعت سحر السينما اتضح أنها تعاني الكثير أثناء مشاركتها في أكبر وأشهر مهرجان ينظم على أرضها، لذلك فالسينما لا يرتبط نموها وتقدمها بحضارة الشعوب، فأمريكا التي تُعدُّ دولة حديثة هي التي تسيطر على صناعة السينما في العالم، وأنا لست واهماً حين أقول أن من حق المتفرج المصري أن يرى سينما مختلفة على قنواته وفي صالاته السينمائية، فهذا من سبيل الاطلاع واكتساب فرجة بديلة ومختلفة ولم يكن قصدي أن السينما ستغير من هوية المتلقي المصرية كما كنت تتوهم. وأدعوك للنزهة بين القنوات الأوروبية لترى السينما كيف أصبحت تتنقل بين كل الدول من غير خوف على هوية أي دولة، فلقد شاهدت أفلاما فرنسية على القنوات الألمانية والسلوفينية وأخرى أسبانية على القنوات النمساوية وغيرها كثير. في حين أننا نحن مازلنا نمارس سياسة الصعود إلى القمم من غير أن يكون لنا فيها مكان، لتجيء المهرجانات العالمية وتفضح تخلفنا السينمائي حينما ترفض مشاركاتنا السينمائية بسبب ضعف الصوت أو الصورة أو الإخراج أو خيوط الحكي. وعلى ذكر المهرجانات المصرية فمن أسباب اعتذار السينمائيين الكبار عن الحضور إليها هو عدم جديتها، ولكي أعطيك مثالاً واحداً على ذلك هو أنه في إحدى الدورات أصر أحد الممثلين المصريين على التواجد في المسابقة الرسمية كممثل والتواجد في لجنة التحكيم، ولك أن تخمن من هو إذا كنت متابعاً جيداً، وحين يشاهد سينمائيو العالم هذا الهذيان فأكيد أنهم سيفكرون ألف مرة قبل قبول دعوة مهرجانات من هذه الطينة، ومع ذلك فإن كتاب "غينيس" سيسجل بفخر هذه الحالة الفريدة من نوعها منذ الإخوان لوميير اللذين ماتا قبل أن يشهدا هذا الإنجاز العظيم!.






التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له

إعلانات