السيناريو.. لمحات سريعة
إن أعجبك فيلم ما لفرادة فكرته أو لجمال قصته أو لغرابة أحداثه أو ربما بالمقابل ساءك التسلسل غير المنطقي لأحداث فيلم آخر أو ضعف في تناول شخصياته فالسبب غالباً لا يعود لما قام به مخرج أو مصور العمل بل يعود لسيناريو ذلك الفيلم الذي صاغه كاتبه. سيناريو الفيلم هو الهيكل الذي تبنى عليه جميع جدران الفيلم الأخرى كالتصوير والإضاءة والموسيقى والإخراج والمكياج والديكور. ولمن لا يعرف السيناريو نعرفه ببساطة ونقول بأنه وصف تفصيلي للفيلم وكتابته كمشاهد بحواره وشخصياته وأحداثه وفق ترتيب وآلية خاصة. عندما نقرأ السيناريو لفيلم ما فإننا نستطيع تخيل الفيلم كاملاً في أذهاننا بشكل واضح، وهذا الوضوح هو الذي يجعل المخرج يحاول نقل ما يريده السيناريو لمشاهد بصرية نشاهدها ويجعل الأحداث حقيقة على الشاشة بعد أن كانت حروفاً على الورق.
في عالم السينما هنالك أشكال أو قوالب معينة يقوم كاتب السيناريو بوضع أفكاره لأي فيلم من خلالها وأشهرها هو الشكل البسيط الذي يبدأ بتحديد ما إذا كان المشهد داخلياً (في منزل، غرفة، سيارة مثلاً) أو خارجياً (حديقة، شارع، صحراء، أمام باب المنزل مثلاً) والوقت الذي يفترض أن المشهد يقع خلاله (نهار، ليل، الساعة 304، عام 2007، قبل أيام و هكذا). بعدها يتم توضيح الحدث الجاري والحوارات مع وصف لكل شخصية إن لزم الأمر. ولنوضح الأمر لنقرأ هذا المثال:
خارجي - شارع العليا العام بالرياض - منتصف الليل
خالد يمشي مسرعاً وهو يحاول اللحاق على أحد المحلات قبل إغلاقه، يصل للباب، البائع يظهر في الداخل وهو يقوم يتنظيف المحل. يطرق خالد الباب ويشير بيده للبائع ليفتح وهو يبتسم. البائع يعتذر بإشارة من يده ثم يشير إلى لوحة معلقه على الباب (مغلق).
خالد: لن أستغرق أكثر من دقيقة.. لو سمحت
يهز البائع رأسه معتذراً، يتجهم وجه خالد و يغادر
@@
أكثر أنواع السيناريوهات للأفلام من حيث البناء الدرامي يسمى (سيناريو المراحل الثلاث) وفيها يتم تجزئة الفيلم لثلاث وحدات (بداية، وسط، نهاية)، المرحلة الأولى والتي غالباً ما تكون بطول 15- 20صفحة وتحوي المقدمة للفيلم والمهيئات للعقدة الرئيسية في النص. المرحلة الثانية وتقارب 70- 80صفحة فهي القصة العامة بعقدها واشتباكاتها وصراعاتها إن وجدت. ويتم ختم الفيلم بالمرحلة الثالثة والتي هي بطول المرحلة الأولى وفيها يتم حل العقد أو اجتيازها ومعرفة نتائج ونهاية الأحداث.
فن كتابة السيناريو لدى الغالبية لا يعتبر فناً أدبياً قائماً بذاته حيث يعتبره البعض كالنوتة الموسيقية التي لا تعني شيئاً إلا عندما يحولها العازف لمقطوعة تسمع ومن ثمَّ يحكم عليها كعمل فني إبداعي، إلا أن السيناريو يتطلب مهارات دقيقة قد لا يمتلكها الأدباء أنفسهم. فالسيناريست لا يهتم فقط بالحدث والحوار وتطور الشخصيات فقط بل يجب أن يخلق منها مشهداً بصرياً يشاهد وليس خواطر ووصف أماكن تأملات وهذا هو الأمر الذي جعل بعضاً من الروائيين المشاهير لا ينجح في تحويل روايته لسيناريو فيلم.
ورغم أن لكتابة السيناريو مهارة لا يتقنها كثير من الناس ورغم قلة كتاب السيناريو المميزين فإن كعكة نجاح الفيلم غالباً ما يلتهمها المخرج والممثلين فهم من يحصل على الثناء بينما ينسى الكاتب وجهده. لم يكن الأمر كذلك في بدايات السينما حيث كان للكاتب حضوره واسمه الذي يسبق أي فيلم ولكن المخرج البريطاني الشهير الفريد هيتشكوك ساهم في سحب البساط من تحت أرجل الكُتَّاب عندما بدأ يستخدم عبارة (فيلم لألفريد هيتشكوك) في بداية تتر (عناوين وأسماء شارة البداية) أفلامه بدلاً من اسم الكاتب كما كان سائداً وقد سوغ ذلك في البداية بأنه كان يقوم بكتابة أفلامه بنفسه. هذه الأيام تحاول جمعية الكتاب السينمائيين الأمريكية أن تقلل من استخدام هذه العبارة في عالم صناعة الأفلام وتبذل جهودها لتعزيز سمعة الكتاب لدى الجمهور. إذا كان هذا حال كتاب هوليوود وهي التي تعتبر المكان الأفضل لصناعة السينما في العالم، فهل نحن بحاجة للتذكير بالتجاهل الذي يواجه السيناريست العربي في إعلامنا؟