لله درها كم احتملت من جحود بعض أبنائها.. وكم ذرفت من دموع على رحيلهم عبر سمائها لغيرها وقت الرخاء.. ربتهم وضمتهم لصدرها صغارا.. وقدمت لهم الكساء والغذاء والدفء..
وعندما كبروا جمعوا المال هربوا به هدية يقدم لغيرها.. ظلموها عندما انتقصوا من جمالها وفتنتها وحيويتها وهي بعنفوان الشباب والفتوة.. وعلى جبالها الشم تتحطم السحب لتنثر الغيث بلا موعد كل يوم وكل ساعة..ويبتسم محياها المتورد خجلا من مداعبة النسيم وتغزله بجمالها الأزلي وشبابها المتجدد على مر السنين.. فيطلق ثغرها الباسم بدلال الرذاذ المعطر برائحة الورد وهمسات النسيم العليل.. لتصفع به برقة وجنة كل عاشق شد إليها الرحال..
واستكان بأحضانها طفلا يطلب الدلال.. وفي وديانها وعلى مرتفعاتها يخطو مطاردا السحب.. فيمسك بها بين يديه ويبلل بها حلقه كحلم جميل ويفتح صدره ليمتص المزيد.. من الهواء المشبع برذاذ المطر..بين صناديق الرمان والمشمش والتين..
ويتأمل من أعالي جبالها زخات المطر بالمنحدر وبعض حبات البرد.. فينسى حرارة الأجواء التي فر منها منذ أيام.. ويقبل على طعامه بشهية..وفي المساء ينام مرتاح البال وسط الهدوء والأغطية بعيدا عن المكيفات والملطفات..ليصحو مع صوت الديك وانبثاق الفجر الذي يشهد به مولد يوم جديد.. ورحلة جديدة..
نعم أقولها بلا تردد بلادنا جميلة ومصايفنا رائعة ولا يحط من قدرها ومكانتها نقص بعض الخدمات الموفرة مع حرصنا على أن تكون الأجمل دوما بتلمس الجهات المسؤولة لحاجات المواطنين وسد النقص بمراقبة الأسعار وتشديد العقوبة الرادعة لمنع تحليق الأسعار أثناء الموسم وزيادة أماكن الترفيه وتنوعها وتوفير الفرص لرجال الأعمال للاستثمار هناك كي لا تتسرب خيرات البلد لخارجه نهاية كل عام..
نعم جميلة ذات أجواء خيالية استمتعت بها أياما أزاحت عن كاهلي مجهود عام بأكمله من تعب وإرهاق وأجمل ما بالأمر اختتام الرحلة بأيام على أطهر بقاع الأرض والاستمتاع بلذة العبادة ببيت الله الحرام..
تأملت الطرق الوعرة كيف شقت بين الجبال والمدن والقرى العائمة وسط السحب والأجواء الربيعية الدائمة التي تنعش الروح وتبث الحياة بالجسد المنهك كأبها والنماص وغيرها..بلاد كثيرة فاقت بلادي بالطبيعة والسحر الحلال ولكن طبيعة وهواء بلادي لها مذاق خاص ونكهة مميزة تطرب لها نفسي تناسبني وتراعي خصوصيتي كمسلمة محافظة..
هي الأَولَى بما انفق من مال مادامت تعطيني بلا حدود..وتوفر لي الأمن والاطمئنان..
كثيرون يهربون كل عام عن تلك المصايف متذرعين بحجج واهية كالغلاء بينما ينفقون هناك أضعاف أضعاف ما ينفقه المصطاف هنا مابين تذاكر واستغلال وسهر على المسكرات والمحرمات فيعود أحدهم لبلده محملا بالذنوب أسير الندم وهم المعصية ينغص عيشه فلا بركة بماله ولا بعمره.. بل وينسبون الفشل للسياحة الداخلية وهم بالحقيقة يبحثون عن أشياء أخرى لن تتوفر لهم ببلاد تطبق أحكام الشريعة دون تهاون.. أو ليقال ذهب فلان للبلد الفلاني..
ما أروع التمام العائلات بالمتنزهات هناك والألفة تربطهم وأعمدة الدخان فوق قدورهم.. وأطفالهم يمرحون حولهم هذا ما تحتاج إليه الأسرة بعد مجهود الدراسة وكدح الحياة بعيدا عن الأنانية التي تجعل البعض يحزم حقائبه ويطير بخفيه لوحده للخارج دون مراعاة لمن حوله حيث تبقى الزوجة والأبناء لحراسة الدار أو يصطحبهم معه ويتركهم يسرحون ويمرحون دون توجيه فالأبناء يجوبون الشوارع والأسواق والدهشة تعلو وجوههم بعد مجتمع مغلق لا يرى به سوى أمه وأخته أمامه الآن أكوام من الأجساد البشرية شبه العارية وبالنهاية تعلق أمامه لافتة: إياك أن تخطئ وعند العودة الزوجة تبحث عن حجابها داخل الطائرة والزوج يتفقد أبناءه..
الرحلة العائلية هي متنفس الأسرة التي تكسب الأبناء الترابط والخبرات والألفة بينهم وبين والديهم الذين قد لا يرونهم إلا نادرا بسبب مشاغل الحياة..
وعندما تكون بالداخل فهي تغرس القيم بنفوسهم عندما تنظم بخطة مدروسة وبرنامج مفيد من أول النهار لآخره ينعمون باللهو البريء بينما قد تتفتق أذهانهم الفتية بالبلاد الأخرى على مشاهد مخلة بالأدب فيعتادون عليها.
خلاصة القول ان الإجازة إذا لم تعد بالفائدة على الأسرة فهي معول هدم لا بناء ولمن أدمن السفر للخارج أقول لا شك أن النفس تعشق كل جديد وجميل والتنويع مطلب للنفوس المتعبة لاكتساب فائدة وترويح ولكن تذكر دوما أن بلادك قد حباها الله بحلة جمال بكر عليك اكتشافها والتمتع بمباهجها حفظ الله بلادنا وولاة أمرنا بظل شريعة الإسلام.