الرئيسية > ثقافة الخميس

فضاءات

التلقي البصري


د. محمد الصفراني

تطرح نظرية التلقي ضمن مصطلحاتها المركزية مصطلح (القارئ الضمني) وتعول عليه كثيراً في مسألة تحديد شريحة المتلقين التي يستحضرها المبدع في اثناء ابداعه النص، وبما ان التشكيل البصري يعتمد على التلقي البصري على مستوى العين المجردة فإن مصطلح القارئ الضمني يصبح مصطلحاً غير دقيق في الدلالة على آلية القراءة التي ينتهجها متلقي النص المتشكل بصرياً. ولذا فقط اصبح من الضروري ادخال تغيير جذري على المصطلح ينقله من مجال التلقي السمعي الى مجال التلقي البصري وهذا يقتضي قلب المصطلح الى (الباصر الضمني) ونعني بالباصر الضمني: الباصر الافتراضي الذي ينشأ في ذهن المبدع في اثناء تشكيله النص بصرياً ويتوقع منه ان يفهم التشكيل البصري الممارس في النص.

إن التحول الذي فرز وجود الباصر الضمني لم يبرز من فراغ، بل هو مبني على تحول سابق جرت تفاصيله على مستوى آلية الذات المبدعة التي تحولت بدورها من الابداع الشفاهي/ الصوتي (الالقاء) الى الابداع الكتابي/ البصري (التشكيل). فالشاعر تحول في حقل التشكيل البصري من الابداع الشفهي الى الابداع الكتابي بمعنى انه يرسم الكتابة ويكتب الرسم آخذاً في حسابه المظهر البصري للنص وما يعنيه ذلك المظهر للمتلقي. وهذا التحول الخارجي فرض على الذات اجراء تحول داخلي تمثل في الباصر الضمني الذي يقوم بالدور الذي يقوم به القارئ الضمني ولكن على صعيد قناة تلقي مختلفة هي العين وليست الاذن فيحدد مستوى المتلقي الذي سيتوجه اليه النص. وفي خضم التحول من التلقي السمعي الى التلقي البصري كان لابد للمتلقي ان يتعلم فن التلقي بعينيه/ الابصار، عوضاً عن فن التلقي بأذنيه/ الانصات من خلال التفاعل مع المعطيات البصرية للنص وتدريب باصرته على هذا النوع من التلقي، وهذا يعني ان سلطة انتاج الدلالة ذهبت من المبدع الى المتلقي، وتحول المتلقي/ الباصر الى مبدع وتحول النص المتشكل بصرياً من حقيقة قائمة بذاتها الى حقيقة تنشأ وتتكون من اللحظة التي تقع فيها عين المشاهد على النص. فالتشكيل البصري لا يتألف إلا من مجموعة مشاهدات واستنتاجات في اثناء تلك المشاهدات من شأنها ان تعطي النص ما يستحقه من دلالات. وقد حاول آيزر ان يمنح القارئ/ الباصر القدرة على منح النص سمة التوافق او التلاؤم فوجد ان التوافق ليس معطى نصياً وانما هو بنية من بنيات الفهم التي يمتلكها القارئ ويبنيها بنفسه لانه مقصود لذاته بقصد تحقيق الاستجابة والتفاعل النصي الجمالي. ومن هنا افترض آيزر ان في النص فجوات تتطلب من القارئ ملأها بالقيام بالعديد من الاجراءات التي لا تستند الى مرجعيات خارجية وانما الى مقاربة التفاعل بين بنية النص وبنية الفهم عند القارئ.

إن تلقي التشكيل البصري خارجي في المقام الاول ويتأثر بأفق توقعات المتلقي وافق التوقعات مفهوم ذو اصل ظاهراتي يفترض ان القارئ ذو حظ من المعرفة المكتسبة من جراء معاشرته للنصوص وتبنيه للسنن الفنية التي تميز جنساً أدبياً عن الآخر، وبالتالي فهو يدرك توالي النصوص في الزمان ويدرك الفروق والبذور الجديدة. فهو بنية تصورية اجتماعية لا تشتمل على المعايير والقيم الادبية فحسب بل على الرغبات والمطالب والطموحات كذلك ومن ثم فإن التشكيل البصري يستقبل ويقوم في ضوء خلفية من التشكيلات الاخرى، وفي ضوء خلفية من تجربة الحياة اليومية كذلك، وتتحدد التوقعات بتوقعات القارئ لحظة استقباله التشكيل البصري وهي التوقعات الثقافية والفنية والاخلاقية التي تتكون لدى القارئ/ الباصر في ظروف تاريخية محددة فإذا كان القارئ معايشاً لظروف التشكيل البصري اقترب افق التوقعات من هذا التشكيل. أما عندما يكون التشكيل قديماً فإن القارئ يخلق لنفسه افقاً لتوقعات تتفق مع الزمن التاريخي للنص فإذا لم يتح التشكيل القديم هذا للقارئ فإنه لن تكون له فعالية في القارئ المعاصر ويصبح عندئذ من قبيل الاشياء التي عفا عليها الزمن، وتكمن مهمة التشكيل البصري الابداعي في كسر افق التوقعات البصرية للمتلقي والغاء الطبقية بين المتلقين. ويكون التشكيل البصري فضاء مفتوحاً يفهمه غير الناطقين بلغته اذا نظرنا اليه نظرة مجردة باعتباره مجموعة مظاهر خارجية يرتبها المبدع على نحو يجعلها تفي بشروط معينة من خلال بنيات تركيبية من مظاهر خارجية حسية تفي بشروط الشكل الظاهر او الهيئة الخارجية، فيصبح التشكيل هو المظهر الخارجي المعروض على الحس والمرسلة البصرية التي تعتمد على التلقي البصري. أما مادة النص اللغوي الخالية من التشكيل البصري فإنها نص مقيد يقتصر على الناطقين بلغته. وكلما كان التشكيل البصري انعكاساً مباشراً للدلالات (أي بنية تشكيلية سطحية) كلما زادت مقدرة المتلقي على فهمه، وكلما كان التشكيل البصري يقول ما لا يقدر النص على قوله (أي بنية تشكيلية عميقة) كلما قلت فرص التلقي البصري واحتاجت عملية التلقي البصري الى ربط الظاهر/ التشكيل، بالباطن/ الدلالة.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة