الرئيسية > ثقافة الخميس

ضد القصة

دوار الأبيض والأسود!!


عبدالله باخشوين

حول رواية "الصخب والعنف" التي ترجمها جبرا ابراهيم جبرا ترجمة يصعب التواصل معها بما يليق وسمعة الرواية.. يقول كاتبها وليم فوكلز عن سبب أو سر كتابتها بتلك الطريقة الخلاقة التي قدمت للأدب الانساني شكلاً فنياً جديداً يقوم على تعدد الأصوات.. انه في البدء كتب الرواية.. وعند قراءتها اكتشف انه نسي بعض التفاصيل فكتبها مرة أخرى.. وهكذا.. ثم في النهاية ادرك ان كل صوت يضيف للآخر ويضيئه فما كان منه إلا ان جمعها معاً كعمل روائي واحد.

أي ان التجديد ليس عملاً قصدياً.. كأن تقول: "سوف أجدد... فتجدد"!! لكنه يأتي بالدأب والصبر والعمل الجاد والشجاعة والإقدام.

كما ان العمل الروائي الفذ لا يمكن ان تأتي أحداثه متسلسلة تراتبياً.. لأن مثل التسلسل الذي نعنيه يصلح لكتابة "التقارير" وليس الفن.. وهكذا تجد ان الاعمال الانسانية المميزة تبدأ من نقطة ما.. ثم تمضي لتضيء الماضي فيما هي تستلهم الحدث حاضراً ومستقبلاً. في مثل هذا أذكر رواية "الأبلة" لدستو يفسكي التي تبدأ أحداثها على مقاعد القطار العائد من بازل لروسيا في رحلة تستغرق من الكاتب نحو مائة صفحة قبل ان يصل بطلها الأمير ميشكين الى المسكن الذي سينزل فيه.. وهي مكتوبة بطريقة تعد من أجمل وأمتع ما كتب في الاعمال الروائية.. يتمكن خلالها دستو يفسكي من إحكام لف شباكه حول مخيلة القارئ تمهيداً لالقائه في أتون عالم الواقع الكابوسي الذي يجيد هذا الكاتب الفذ حياكته وهندسته بطريقة قادرة على نقل عدواها للقارئ رغم المسافة الشاسعة بينه وبين لغة النص الأصلي من الروسية للفرنسية ثم العربية.

وفيما يماثل رحلة الأمير ميشكين عبر القطار.. حدثني كاتب زميل عن حيرته في كتابة عمل ما.. رغم معرفته من أين يبدأ.. فهو لا يدري من أين يبدأ..!!

لقد اصطاد حادثته.. خلال رحلة قصيرة تقطعها عربة مطار جدة من مبنى المطار للطائرة.. ففيما جلس وجدها تقف أمامه تحدق فيه.. كأنما تريد ان تلفت انتباهه لحقيبة يدها الكبيرة التي تركتها تسقط قرب قدميها.. نهض من مقعده ودعاها للجلوس.. فشكرته مؤكدة انها تفضل الوقوف.. وسقطت عيناها على الحقيبة.. مضى يتأملها بفضول.. حقيبة جلدية مفصلة بشكل هندسي.. بين الأبيض والأسود.. شعر بأن التحديق فيها أخذ يستغرقه.. فيما شعر بدوار خفيف مضى يلفه كما لو انه يريد ان يدخله لمرحلة ما من مراحل التنويم المغناطيسي.. لكنها حالة لم يجد معها مفراً من العودة بمخيلته الى صورة للحرم النبوي الشريف أهداها له الفنان خالد خضر تمثل القبر الشريف ومحيطه الذي ازدان بزخارف إسلامية بالأبيض والأسود، وكان استغراقه في التحديق في اللونين يموههما فيتداخلا ويحيطاه بحالة تشبه النعاس.

كان يمكن ان يبدأ من هنا.. لولا انه تذكر ان لعبة الابيض والاسود التنويمية ليست مقتصرة على هذه الحالة.. فخلال تسكعه في سوق "حراء الدولي" بانتظار إنتهاء زوجته من التسوق..تلبسته الحالة نفسها من خلال اختلاط حركة الرجال بثيابهم البيض التي تتماوج مع حركة سواد عبي وبراقع النساء.. كاد يستسلم لمغناطيسية الدوار الذي أمسك به لولا انه مضى يقاومه ولم يتخلص من تأثيره إلا بالخروج من السوق.

قال: "من أين أبدأ.. من حقيبة الطائرة.. أم من صورة الحرم النبوي.. أم من حركة السوق التي يستحيل فصل أبيضها عن أسودها"..!!

قلت: "أدخل"!!

قال بدهشة: "أين".

قلت: "ادخل عوالم دوار الأبيض والأسود".

أخذ يضحك وهو يقول: "وبعدين أطلع أغنى: ما هقيت ان البراقع يفتنني".

قلت بنفاد صبر: "يا واد.. لعبة الأبيض والأسود.. تلقاها في كل عين تجي في عينك"!!

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة