الخميس 19رجب 1428هـ - 2أغسطس 2007م - العدد 14283

"أمريكانلي" بين السيرة والسرد التسجيلي ( 2- 2)

د. عبدالله إبراهيم

    تعرض رواية "أمريكانلي" لصنع الله ابراهيم السيرة الذاتية والاكاديمية للبروفسور "رشدي" على خلفية أرشيف متنوع من الوقائع اليومية الكثيرة الخاصة بالمجتمع الامريكي خلال الأشهر الأخيرة من عام 1998مما تنشره الصحف ووسائل الاعلام عن البطالة، والاستهلاك، والفضائح، والجرائم، والجنس، ومنها علاقة الرئيس الامريكي "كلنتون" بالمتدربة "مونيكا لوينسكي" وتداعياتها، بما في ذلك التحقيقات القضائية، واعتراف الرئيس بتلك العلاقة، وكل ذلك يستأثر باهتمام كبير من الراوي، والحامل لأيديولوجيا المؤلف الى درجة المطابقة الكاملة. وتتوزع المادة الروائية على هذه المحاور المتداخلة فيما بينها على نحو شديد التلازم، فلا ينفرط عقدها الناظم لأن الاطار السردي المحكم يدرجها بالتتابع بحيث تكشف بوضوح عن الرؤية السردية المهيمنة في النص، وهي رؤية نقدية للمجتمع الاميركي، تفضح التمييز العنصري، وتكشف العيوب بلا مواربة بعيني رجل مترحل، وطارئ، مولع بثقافة البورنو، لكن طاقته الجنسية تبقى شبه مشلولة، وحبيسة، ولا تعبر عن نفسها بالأسلوب الصحيح إلا ما تستثيره فيه الافلام الاباحية ليلا. على ان بحث "رشدي" في اعماق المجتمع الاميركي يظهره مجتمعا مأزوما تتناهبه أزمات المال، والنفوذ السياسي، والعنصرية، والجنس، والخوف.

وبالنظر الى ان السيرة الذاتية ل "رشدي" تحتل مكانا بارزا في متن الرواية، فينبغي التريث امام صعاب التجارب العاطفية والبحثية الاولى التي تعثر بها، ليتضح مسار علاقته بالمرأة، ورؤيته التاريخية، فمنذ بداية حياته ارتسم اخفاق شخصي في المسارين الذاتي والاكاديمي له، وسيكون لذلك أهمية بالغة في صوغ رؤيته التاريخية وعلاقته الشخصية بالمرأة، فقد أخفقت علاقته الجسدية بالفتاة الامريكية "برباره" وشابها التوتر لما قرر اختبار رجولته، والتعبير عنها بعلاقة جسدية مع امرأة، فإذا بالفتاة تعزف عنه في اللحظة الحرجة لانها مثلية "لا تحب الرجال وتعيش مع صديقة لها" فأغلق امامه أفق طبيعي حلم بارتياده، وهو في مقتبل العمر، وكان "رشدي" في شبابه ذا ميول مثلية، ولم تستقم علاقته بالمرأة على الاطلاق، على الرغم من كل المحاولات التي قام بها، على ان تعثراته العاطفية والدراسية تكشف شخصا يتحرك ببطء، ولكنه لا يتراجع.

في عام 1960كان "رشدي" أنهى دراسته الجامعية، وسجل لنيل الماجستير في موضوع له صلة ب "التاريخ المقارن" وذلك في أوج حملة تأميم الملكيات الفردية التي قادها جمال عبدالناصر آنذاك، لقد رغب في ان يكتب بحثا تاريخيا مقارنا عن "الملكية الفردية للأرض في مصر" اذ كان بعض المصريين يرى ان التأميم اعتداء على حق الملكية باعتباره حقا تاريخيا ومقدسا. يرى "شكري" ان هذا التصور خاطئ لكل من يتمعن في التاريخ المصري، لأنه "لم تعرف الملكية الفردية للأرض طوال خمسة آلاف سنة. ففي العصر الفرعوني كانت الأرض كلها للفرعون، وصارت بعدها للملوك والسلاطين، واقتصر اقتطاع بعضها على حق الانتفاع . وفي العصر الحديث أعلن "محمد على" نفسه الملك الوحيد لها تاركاً للفلاح حق الانتفاع وحسب. ثم بدأ اقتطاع اجزاء منها لأفراد أسرته الألبانية، ولمن رضي عنهم من المصريين، ولم تتحول الى ملكيات فردية حقيقية الا في عهد حفيده "سعيد". وكانت هذه الملكيات غير الشرعية هي الأساس الذي قامت عليه بعد ذلك بقية اشكال الملكية من تجارية وصناعية، وظلت الأخيرة حكرا لدائرة ضيقة من المتمصرين، واعوان الانجليز، الذين غدروا ب "عرابي" وساعدوا على احتلال البلاد في 1882ووصل الامر قبل ثورة 1952ان كان نصف في المائة من مجموع السكان يملكون نصف الدخل القومي.. التأميم لم يكن تصحيحا لظلم تاريخي بقدر ما كان حلا لمشكلة اقتصادية، فالرأسمالية المصرية كانت ضعيفة، وجردها هذا الضعف من الجرأة والخيال. فبدلا من الاقدام على مشروعات ضخمة تؤتي اكلها بعد عقود، اقتصرت احلامها على الربح السريع الذي يتحقق من المشروعات الخدمية والاستيراد، ولهذا لم يكن أمام الدولة المقبلة على خطة تصنيع وتحديث طويلة الأمد، الا ان تضع يدها على الاصول الضرورية لذلك".

يرفض المشرف فكرة الكتابة عن الملكية الخاصة للأرض؛ لأنها لا توافق المواد الجامعية المقررة التي تعنى بوصف الظواهر الاجتماعية، وليس تفسيرها، ويشم رشدي موقفا سلبيا للمشرف من موضوع التأميم، فينتقل بعد ان رُفض موضوعه الاول الى البحث في الحضارة الفرعونية، لكن الاهتمام بهذا الموضوع يشوبه الحذر ايضا؛ لأنه غير مرغوب فيه مع هيمنة أيدلوجيا القومية العربية في تلك الحقبة، ولهذا يرفض ايضا. وفي وقت متأخر يعرف رشدي ان موضوعاته تلاقي عنتا من المشرف الذي يدفع به للبحث في "تاريخ الشعوبيين في اليمن" ليستفيد من نتائج البحث في إعداد دراسة موسعة عن "الحركات الشعوبية في الوطن العربي" كان وزع اجزاءها على طلاب الدراسات العليا، ليجني هو ثمار نتائجها، ويعيد صوغها في دراسته، إذ راج آنذاك ان كل من يعارض السياسات الناصرية على المستوى العربي يوصم بالشعوبية. لا يشعر "رشدي" بالميل الى هذا الموضوع الذي وجده غريبا عنه، لكنه لاحظ، في الوقت نفسه، ان معاداة أستاذه لن تجلب له غير الضرر، فاختار ما يمكن الاتفاق عليه بينهما، وهو "الفتح العربي ل "مصر" وهو يزمع تفسير الظروف التي جعلت المصريين يغيرون ديانتهم مرتين خلال خمسة قرون، مع ما رافق ذلك من تعاقب الهيمنة الاجنبية على البلاد خلال الحقبة التي سبقت ورافقت الفتوحات العربية.

لكن المشرف الذي تبوأ مكانة وظيفية مهمة في الكلية، كان متخوفا من ان "يحقق احد من زملائه او طلبته اختراقا في البحث" فوقف دون ذلك، ولم يتجاسر "رشدي" على المضي بمطالبه، الامر الذي جعله ينتهي باختيار مخطوط "المردفات من قريش" ل "أبي الحسن علي بن محمد المدائني" ويقوم بتحقيقه على الرغم من وجود تحقيق سابق له. وبصعوبة بالغة ينتهي من دراسته، حالما بالتوظيف في الجامعة، فإذا بنكسة عام 1967تبدد كل احلامه، اذ يجند خلال حرب الاستنزاف حتى حرب اكتوبر عام 1973، وبعدها، وحينما تعصف بمصر سياسات الانفتاح الاقتصادي على الغرب، وبروز الاصولية الدينية، وانهيار المقومات الاجتماعية التي أرستها الحقبة الناصرية، يحاول استئناف دراسته للدكتوراه، وبتأثير من المنهجية النقدية ل "طه حسين" يروم تخصيص بحثه عن حركة القرامطة، وهي حركة محل اختلاف المؤرخين، وتمكن بصعوبة من تمرير بحثه، فانتهي منه في اواخر عهد السادات عام 1981بعد ان تعثر طويلا. وافلح في الالتحاق أستاذاً في الجامعة، لكنه قوبل بصعاب التآلف مع المد الديني الذي اكتسح الجامعة المصرية في العقدين الأخيرين من القرن العشرين، فانتهى به الامر الى نوع من العزلة، وهو يحاول رسم صورة لمجتمع ينزلق الى هاوية مجهولة، فشرع بتأليف كتاب بعنوان "نظرية في الاكتئاب الجمعي" يريد به تشريح حس الانهزامية، والامتثالية للشعب المصري.

ترافق كل ذلك بتعثر متواصل لحياته العاطفية، فآل به الامر ان اصبح وحيدا تلفه نظرة سوداوية لحياة مجتمعه، ف "رشدي" كائن مفارق مشغول بتحليل الظواهر الاجتماعية والتاريخية التي تدفع به الى الهامش، إذ كان شاهدا على صعود كافة مظاهر الرياء، والولاء الأعمى، والنفاق، وتراجع حرية التفكير، وغياب العقلانية، وسيادة التفكير السلفي، وسقوط المجتمع بأكمله في منطقة الحيرة الكاملة. ويمثل كل ذلك رحلة اكتشاف لمجتمعه تمت على أرض غريبة، فقد مكنته ظروف إعارته القصيرة الى اميركا ليس فقط من البوح بسيرته الذاتية الملتبسة، انما حررته من الخوف، فأتاحت له، عبر المقارنة، والحوار، عرض رؤيته للتاريخين المصري والاميركي. ان التعثر العاطفي والبحثي دفعا به الى منطقة التردد والشك، فهو محكوم بقوى أكبر، ورغبات أوسع، وأيدلوجيا شمولية تريد صوغ اختياراته، فيخالجه قلق داخلي، ويعيش حالة متواصلة من الاحساس بالاخفاق، والقهر، والظلم، وبما انه عاجز عن تصحيح الخطأ الخاص برغبات الافراد على المستوى العاطفي او الفكري فتنشط لديه رؤية نقدية لكل ما يحيط به.

www.abdullah-ibrahem.com