د. علي بن فايز الجحني الشهري
تلعب مراكز ومعاهد الدراسات والبحوث العلمية في الدول الفاعلة دوراً حضارياً وتنموياً متقدما في تزويد المهتمين بالدراسات العلمية النظرية والتطبيقية والتطويرية وكذلك إمداد صناع القرارات بنتائج تحليل المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية في المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية والأمنية والاجتماعية لمعرفة آثارها ونتائجها على المجتمعات، إضافة إلى عقد المؤتمرات والندوات والحلقات المتخصصة، وتنظيم المحاضرات واللقاءات وإصدار الكتب والمجلات العلمية وتوظيف التقنيات المعاصرة والمعرفة التراكمية في خدمة مصالح الأمة. وهذا للأسف لانجده في واقعنا العربي بشكل متكامل وإيجابي وأقرب الأمثلة على تلك السلبية واللامبالاة أن مؤتمرات علمية وندوات ومعارض فنية متخصصة يشرف عليها نخبة متميزة من كبار الأكاديميين والمتخصصين لايحضرها المعنيون في تلك الجهات الرسمية أو على الأقل ممثلون عنها وإذا ما انتدب من يشارك في تلك الأنشطة واللقاءات العلمية فقد يختار ممن ليس لعمله علاقة بتلك المواضيع، ثم تأتي الطامة الأخرى وهي اقتصار الحضور من قبل هذا المندوب على مراسم الافتتاح أو الاختتام دون معرفة بما دار في تلك الملتقيات، وعند عودة المندوب يقدم تقريره الكسيح، وشهادة الزور على الحضور والمتابعة، والإسهام في محاور الملتقى. وهذا ديدن البعض في العالم العربي إلا من رحم ربي.
ومما يزيد في السلبية أن بعض تلك الجهات تعتمد على بحوث أجنبية ومستشارين أجانب لدرجة تهميش الكفاءات والكوادر المحلية. هذا جانب، والجانب الآخر فإن الأرقام المتاحة عن حجم الإنفاق على البحوث في العالم العربي تشير إلى واقع أليم وحسير، حيث يأتي ترتيب العالم العربي في القوائم المتأخرة عالمياً في مجال البحوث والدراسات. ففي عام 1992م مثلاً كانت نسبة الإنفاق على البحث العلمي لم تتعد 0.5% وفي عام 2004م تقدر إحصاءات (اليونسكو) أن الدول العربية مجتمعة قد خصصت 0.3% من الناتج القومي الإجمالي، في حين أن الإنفاق على البحث العلمي في إسرائيل (ما عدا الإنفاق على الحقل العسكر) حوالي 9.8% مليارات أي ما يوازي 2.6% من حجم إجمالي الناتج القومي.
وفي تقديرات أخرى فإن 95% من علماء العالم ينحصرون في أوروبا وأمريكا واليابان، أي أن نصيب البلاد النامية من البحث العلمي كلها لايتجاوز 5%، بينما 95% من الأبحاث العلمية تقوم بها الدول المتقدمة. وقد أظهرت إحدى الدراسات أن مجموع ما ينشر من البحوث في العالم العربي لايتعدى 15ألف بحث في حين أن عدد أعضاء هيئة التدريس في الجامعات العربية نحو 55ألفاً. وهذه إشكالية تستدعي ودون إبطاء إيجاد الحلول الواقعية، ذلك أن تلك الأرقام لاتتناسب وقدرات وامكانات العالم العربي والإسلامي الذي يملك أكثر من 50% من بترول العالم و40% من المواد الأولية، و40% من سكان العالم، و20% من مساحة قارات العالم الخمس. وفي مجال هجرة العقول فإن أكبر دولة عربية سكاناً ومكانة علمية تمثل مقدمة نزيف العقل العربي حيث إن 75% من علماء الطبيعة فيها و50% من المهندسين قد انضموا إلى قافلة المهاجرين إلى المجتمعات الغربية التي تحتضن العلماء والمبدعين، وتوفر لهم المناخ العلمي المناسب وكل احتياجاتهم، ولذلك لاغرابة أنه في عام 1980م هاجر نصف الحاصلين على الدكتوراه، وفي الوقت نفسه لايعود 70% من المبتعثين إلى بلدانهم بعد انتهاء الدراسة وتلك معضلة أخرى.
وعوداً على بدء فإنه بمقارنة بسيطة بين الدول العربية، وإسرائيل، في ميدان البحث العلمي نجد أن هناك (363) باحثا في العالم العربي تقريباً لكل مليون نسمة، بينما بلغ عدد الباحثين في إسرائيل 25الفاً بمعدل 5آلاف باحث لكل مليون نسمة. وتلك أعلى نسبة في العالم بعد اليابان حيث وصل هذا المعدل إلى (5100) باحث، وفي أمريكا اللاتينية ارتفع المعدل من (242) باحثاً سنة 1980م إلى 364باحثاً سنة 1990م وتتصاعد المعدلات عاماً بعد عام، وهذا يشير إلى التقدم العلمي الذي تخطوه تلك الدول. وتنفق إسرائيل سنوياً أكثر من (581) مليون دولار على البحث والتطوير فقط، وتوفر للباحث أعلى ميزانية فردية تصل إلى أكثر من 63ألف دولار سنوياً، وهذا جزء من استراتيجية زيادة الإنفاق على البحوث، وفي الوقت نفسه فإن الكيان العبري الصهيوني قد عمد إلى إنشاء المعاهد والمراكز البحثية المتخصصة فيها بشكل يغطي مجالات البحث العلمي والتطوير.
إن الناظر إلى العدد الهائل من تلك المؤسسات البحثية ونتائجها فيها يجد الاهتمام الشديد والتركيز الواضح على البحث العلمي وعلى كل المستويات. وعلى سبيل المثال فإن من تلك المعاهد: معهد إسرائيل للتكنولوجيا في حيفا، المعروف باسم تكنيون وقد أفاد من معلومات، وخبرات المهاجرين الروس إلى إسرائيل، وشركة (بيسوم) للبحوث والتطوير، التابعة للجامعة العبرية في القدس، وتركز على ميادين الطب، والصيدلة، والزراعة، والتكنولوجيا الحيوية، ومعهد الدراسات الشرق أوسطية في جامعة حيفا، ومعهد دراسات الحركات السرية في تل أبيب، ومعهد الدراسات الشرق أوسطية في جامعة بن غريون بمنطقة بئر السبع، ومعهد شيلواح للدراسات الشرق أوسطية والإفريقية، ومركز موشي دايان الذي يتناول التاريخ الحديث للشرق الأوسط، وإفريقيا، وهما في جامعة تل أبيب، ومركز جافي للدراسات الاستراتيجية، وهو أهم مركز للمعلومات في إسرائيل، أنشئ بعد حرب أكتوبر (1973م). ومن أهم موضوعاتها ذات الأولوية في البحث العلمي قضايا الأمن والسياسات الدولية والاقتصاد والإعلام والأبحاث القضائية والإلكترونيات، والطب، والتكنولوجيا الحيوية، وأجهزة الكمبيوتر، والمجالات الكهربائية والبصرية والاتصالات، والمعلومات الزراعية، والطاقات البديلة وغيرها. في حين أن مراكز البحوث والدراسات في العالم العربي تئن وتحتضر من سوء أوضاعها على جميع المستويات إلا قليل منها. فكيف يمكن أن تسهم في دعم وتعزيز القرارات السياسية والأمنية والاقتصادية بالدراسات والمعلومات والتخطيط السليم وهي في وضع مأساوي. والسؤال المهم أين يكمن الخلل؟ ولماذا يغيب العرب عن المشاركة الجادة في الأبحاث العلمية وعلوم التقنية؟ ومن المسؤول عن هذا التخلف أو التقهقر في مجال البحث العلمي على أمة كانت ملء السمع والبصر علمياً وحضارياً في عصرها الذهبي.
إن الإجابة على هذه الأسئلة بموضوعية ستكشف حجم أزمة البحث العلمي في العالم العربي، ومدى التخلف الخطير في هذا الجانب المهم وما واكب ذلك من تبديد للطاقات البشرية وإهدار للكوادر وهجرة للعقول وما نجم عن ذلك من تكالب الأعداء على مصالح الأمة وهويتها وأمنها. وأخيراً وباختصار شديد: آلم يحن الوقت بعد للنهوض بالبحث العلمي ومؤسساته في عالمنا العربي لمواجهة التحديات؟
ألم يدرك أصحاب الشأن ويستوعبوا ما يدور حولنا من مخاطر وتهديدات لوجودنا كله؟ وهذا يعيدنا إلى المربع الأول الذي يركز على أهمية بناء استراتيجية شاملة للنهوض بالبحث العلمي لبلوغ المكانة العلمية اللائقة بهذه الأمة بين شعوب العالم.
@ جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية
عميد كلية التدريب