الرئيسية > مقالات اليوم

كلمة في أذن الوزيرة رايس.. احذروا المحرضين ضد السعودية


عادل بن زيد الطريفي

إذا أرادت أمريكا تعاوناً من دول الجوار، فلتبدأ بخطوات جريئة لإقامة حكومة وحدة وطنية تمثل كافة أطياف المشهد العراقي - لاسيما العلمانيين الشيعة والمعتدلين السنة - ، وأن تقضي على استئثار بعض الأحزاب الأصولية بالسلطة.

المتابع للنقاش السياسي الأمريكي الحالي لا تكاد تخطأ عينه مقدار الانقسام حول العراق، ليس هذا فحسب، فالاختلاف الحاد والصاخب حول مسألة حرب تسير في طريق مسدودة أمر طبيعي، ولكن المشكلة هو أنه لا تتوفر لدى السياسيين في كلا الحزبين أية خطة واقعية - أي قابلية للتطبيق - لإصلاح الوضع. صحيح أن هناك عشرات التوصيات التي تقدم بها أعضاء من الكونغرس بشكل فردي وجماعي، ولكن مشكلة هذه التوصيات أنها عادة ما تظهر متأخرة لمرورها بسلسلة من اللجان والمراجعات المهنية (العسكرية)، ثم أنها لا تفكر سوى بتوقيت عودة الجنود الأمريكيين لا غير. ولعل الذين يشاهدون برامج "Talk Shows" الإخبارية كل أحد قد ملوا العدد الهائل من الرؤى والطروحات التي تقدم للحل على برامج مثل "Meet the press"، و"Late Edition"، و"Face the Nation"، أو حتى برنامج "Bill Oreilly" الصاخب على شبكة فوكس.

كل هذا غير مهم، بل المشكلة الأكبر تتعلق بالإدارة الأمريكية ذاتها. ففي الشهور الأخيرة بدءنا نشهد اضطراباً داخلياً، وتصريحات سياسية بأسماء صريحة أو محجوبة لأعضاء بارزين في إدارة بوش تحمل توجهات متناقضة حيال دور دول الجوار فيما يحدث في العراق، مما جعل أصدقاء واشنطن في المنطقة في موقع استياء وغضب حيال الحملة التي تطالهم. ولعلي أحصر الحديث هنا حول نموذج واحد يتعلق بالطريقة التي باتت تتحدث فيها بعض الأطراف في الإدارة عن الدور السعودي داخل العراق، والذي أبعد ما يكون الكثير منه عن الصحة، بل ربما بات يحقق مردوداً سلبياً ضد أهداف الواقفين وراءه.

في الشهور الأولى من هذا العام حينما بدأت الخطة العسكرية الجديدة، كانت الإدارة تسعى للتركيز على دور إيران العسكري والمخابراتي داخل العراق، تلا ذلك تحرك على الأرض باعتقال عناصر من الحرس الثوري الإيراني، ومحاصرة ميليشيات الصدر، وملاحقة حزبيين متورطين بفرق الموت. لكن المشكلة أن الخطة لم تسر بشكل عملي فالقوات الإضافية لم يكتمل إرسالها إلا في وقت متأخر من منتصف العام، مما جعل الجيش الأمريكي في موقف إجهاد كبير. أما في واشنطن فقد غرق السياسيون في جدل غير إيجابي حول مستقبل بقاء الجنود الأمريكيين، وحتى فرصة سبتمبر التي وعدت بها الإدارة تم تفريغها من أهميتها عبر سلسلة مشروعات لوقف تمويل الحرب. الجنرال بترايس أبدى مهارة واضحة في إدارة الخطة، ولكن المشكلة الرئيسية التي واجهته هي التسريبات التي كان يقوم بها حزب الدعوة إلى الصدر وجماعته، وفشل حكومة المالكي الفاضح في التقدم ولو خطوات في طريق المصالحة السياسية، فضلاً عن تحقيق أياً من الأهداف التي فرضتها الإدارة الأمريكية عليه.

في الآونة الأخيرة تغير المستوى التكتيكي في إدارة الصورة الإعلامية للحرب، فقد دفع بعض المسئولين في الإدارة بفكرة مؤداها أن التركيز مجدداً على دول الجوار - السعودية والأردن ودول الخليج - وانتقاد موقفهم ودورهم - إن وجد - في العراق قد يساهم في زحزحة الجمود والعزلة التي تعاني منها حكومة المالكي، ولهذا بدأ الحديث في الإعلام الأمريكي عن دور المقاتلين الأجانب - وبالذات السعوديين - في استمرار العمليات الإرهابية داخل العراق، وامتناع الدول المعنية عن التواصل مع المالكي، أو تقديم مظاهر الاعتراف والمؤازرة بفتح السفارات وتبادل الزيارات. السفير زلماي خليل زاده اتهم في مقالة له الأسبوع الماضي الدول المجاورة للعراق - من أصدقاء أمريكا - بلعب دور سلبي، بل وذهب بعيداً حين كتب أنها تسعى لزعزعة استقرار العراق مادياً وعملياً. صحيح، إن هذه التهم والظنون مروجة منذ بداية الحرب، لكن اللافت فيها الآن هو أنه يتم استثمارها من قبل حكومة المالكي والأحزاب الأصولية الشيعية في العراق للنيل من السعودية، وتحويل الأنظار عن المأزق الطائفي الداخلي. وقد لا تدرك الإدارة أن ترويج بعض الأطراف العراقية لهذه الأفكار الهدف منه هو تشخيص العداوة في الجار السعودي، بحيث يضمنون توحيد الطائفة ضد عدو خارجي بدل الالتزام بشروط الإصلاح السياسي التي تم تكرارها في أكثر من اجتماع إقليمي ودولي. فهناك داخل العراق يتحدثون عن التكفيريين - أي التيار السلفي السني - ويتهمون السعودية بشكل مباشر وغير مباشر بالوقوف وراء دعم الجماعات السنية العراقية وتنظيم القاعدة من الأجانب، ويحاصرون أية محاولة أجنبية لإعادة خلق جبهة سنية معتدلة وموحدة.

صحيح، أن لا أحد يصدق هذا الطرح خارج العراق، ويدرك تهاوي شواهده في وقت تقود السعودية واحدة من أهم الحملات العالمية لمواجهة التنظيمات الإرهابية وتشترك فيه مع كبرى الدول الغربية والإقليمية في محاصرة وتعقب تنظيم القاعدة. إلا أن شرائح شعبية كبيرة داخل العراق ممن كانت مغيبة في زمن صدام حسين الأسود ويتم تغييبها أيضاً تحت وطأة الجماعات الأصولية، باتوا يصدقون هذا النوع من الطرح، وتتعالى أصوات دعاة الشغب والتضليل بالهتافات ضد السعودية وشعبها ليس في العراق بل وفي عواصم عربية وأوروبية أخرى وصلتها هذه العدوى. في وقت تحتفظ إيران بقادة القاعدة في أراضيها، وترسل بعشرات الأطنان من المواد المتفجرة عن طريق حليفتها سوريا لتغذية عناصر الصراع داخل العراق، يقوم وكلاء إيران في العراق بتحريض الشعب العراقي ضد السعودية.

إن على الإدارة الأمريكية أن تحذر من تشجيع - فضلاً عن الترويج - لمثل هذا الأمر، فنتائجه الآنية قد تخدم التهدئة الراهنة بين الأمريكيين والإيرانيين، والميلشيات الأصولية الشيعية، ولكن آثارها المستقبلية ستكون مدمرة بالنسبة للمصالح الأمريكية.

لطالما كان توازن القوى في المنطقة يرتكز على ثلاثة دول كبيرة: العراق، والسعودية، وإيران. التنافس بين هذه الدول، وتساوي مقدار قوتها الاقتصادية والعسكرية كان ضمانة الاستقرار في الماضي ومازال. تفوق أحد هذه الدول، أو سعيه للحصول على مزيد من حصة القيادة الإقليمية كان يدفع بالقوتين الأخريين لمواجهته، وبالتالي اختلال في موازين القوى، وتفجر الصراعات الباردة والمسلحة فيما بينهم.

تأملوا معي، حين نشأت هذه الدول في الثلاثينات من القرن الماضي كانت علاقتها ببعضها البعض متوترة وحساسة. في البداية حاول رضا شاه الاستئثار بالقوة في المنطقة عبر التحالف مع دول المحور أثناء الحرب العالمية الثانية (1945) لضمان تطلعاته التوسعية، والنتيجة كانت احتلال الحلفاء لإيران وعزل الشاه وتنصيب ابنه. في 1951يتمكن مصدق في إيران من حكم إيران وتأميم النفط الإيراني، ثم يحاول تقوية موقف إيران الإقليمي بالتحالف مع الاتحاد السوفييتي، والنتيجة كانت إسقاطه وعودة الشاه بتدبير أمريكي - بريطاني. بعد قيام الثورة في العراق وظهور تيار معادي للملكيات والإمارات المجاورة يتقارب السعوديون والإيرانيون في الستينات ويضمنون تحجيم العراق الثوري الذي بدأ يهدد الأمن الإقليمي، وحين يغرق العراق في حمى الصراع على السلطة بين البعث وخصومه يتحول الشاه نفسه إلى مبشر بالقوة الإيرانية الفارسية، ويتخذ سياسة مستفزة لكل من العراق والسعودية. تقوم الثورة في إيران، ويصعد تيار ديني متشدد معادي للعراق والسعودية. يبدأ العراق حربه الطويلة ضد إيران، ورغم أن السعوديين عارضوا الحرب في البداية إلا أنهم دعموا العراق حينما أصبحت الحرب واقعاً. تنتهي الحرب ويخرج نظام صدام حسين بوهم الانتصار، ثم يبدأ محاولته لفرض قوته على دول المنطقة، فيحتل الكويت ثم يخوض حرباً ضد السعودية والتحالف الدولي الذي جمعته. يخسر نظام صدام حسين ويقبع تحت الحصار لأكثر من عقد، وباختفاء العراق من المعادلة الإقليمية يتصالح الإيرانيون مع السعوديين حتى تحتل أمريكا العراق، عندها يقرر الإيرانيون مجدداً فرض قوتهم على المنطقة.

اليوم، يخدم التحريض ضد السعودية استمرار هذه الأزمة، وبدل أن تحاول الولايات المتحدة الاستفادة من تجربتها القديمة فإنها تقدم بشكل مجاني للجماعات الأصولية الحاكمة في العراق فرصة بناء نظام دولة معتمد على فكرة الصراع مع السعودية لا على التحالف مع أمريكا. ليتذكر الأمريكيون أنهم حينما سمحوا لهذا الصراع بالتضخم فترة الشاه كانوا في الحقيقة يخلقون التصدع بين حلفائهم، ووقتها حول إلى الشاه من رجل حليف إلى شخصية مبتزة لأمريكا والدول الغربية، وهم يكررون ذات الشيء الآن. سيأتي الوقت الذي سيقرر الأمريكيون فيه سحب جنودهم، وأي خلاف سعودي - عراقي مبني على أجندة طائفية سيقضي على مصالحهم في المنطقة، لأن العراق سيصبح حليفاً إيرانياً، ولأن من يمثل العراق اليوم سياسياً يدين بالفضل لإيران قبل أمريكا في بقائه. وبدل أن يشجع بعض أعضاء الإدارة الأمريكية خطاب التحريض ضد السعودية عراقياً، فليلتفتوا لأزمة الثقة الجديدة بين الجنرال بترايس ورئيس الحكومة نوري المالكي، والتي تنقل التقارير أنه يطلب من واشنطن تغيير قائدها العسكري. فبأي الفريقين يثق الرئيس بوش؟

أمريكا مستاءة من عدم قيام الدول المجاورة بأي مبادرات إيجابية. حسنا، ولكن أليس من الخطأ أن يضيع الأمريكيون الوقت منذ ديسمبر 2005- الانتخابات العراقية - في حماية ممثلي الجماعات الأصولية في المنطقة الخضراء، بينما لم يتحقق أي تقدم سياسي يذكر. هناك مشكلة حقيقية تتعلق بالإرهاب، ولا أحد ينكر مشاركة سعوديين وسوريين وإيرانيين وأردنيين ومغاربة في عمليات القاعدة في العراق، ويجب العمل إقليمياً على وقف تدفقهم عبر سوريا وإيران، ولكن ألسنا ننسى بأن جل عمليات القتل الطائفي يقوم بها العراقيون أنفسهم - سنة وشيعة - ، وأن العراقي بات يهجر ويمارس التطهير الطائفي ضد أبناء وطنه.

لمصلحة من يتم تضخيم أرقام السعوديين في العراق، وربطهم بالسعودية بدل رؤيتهم كجنود للقاعدة من مختلف الدول العربية؟ وأين هم من مئات الأصوليين الذين ينشطون في فرق الموت ويقتلون المسيحيين واليزيديين - قبل السنة - ، أو آلاف المتعصبين الذين يهتفون للصدر والحكيم، وينفذون عمليات تدمير للآليات الأمريكية والبريطانية في البصرة، وبقية مدن الجنوب.

إن العراق يحتاج اليوم لتضافر كل الجهود الدولية والإقليمية لمساعدته على وقف نزيف الحرب، ومد يد العون إلى آلاف المهجرين واللاجئين الذي يعيشون أوضاعاً إنسانية رهيبة. الأمم المتحدة قبل الجامعة العربية أهملت الأزمة العراقية، والمجتمع الدولي - والعربي على وجه الخصوص - يقرع أمريكا كل يوم على خوض الحرب، ولكنه لم يقدم شيئاً يذكر لمساعدة العراقيين أمام هذا الاحتراب الطائفي الدامي.

إذا أرادت أمريكا تعاوناً من دول الجوار، فلتبدأ بخطوات جريئة لإقامة حكومة وحدة وطنية تمثل كافة أطياف المشهد العراقي - لاسيما العلمانيين الشيعة والمعتدلين السنة - ، وأن تقضي على استئثار بعض الأحزاب الأصولية بالسلطة. لو نجحت أمريكا في فرض حكومة وحدة وطنية الآن، فستبادر دول عديدة للمساعدة. أما أمام الوضع الراهن فلا أحد يثق بالحكومة الحالية، أو يشعر بأنها مؤهلة للاستمرار ليس لأن الدول المجاورة تعمل ضد العراق - كما يقول السفير خليل زاده - بل لأن أعضاء هذه الحكومة - مثل التيار الصدري - يعلقون عملها ويعطلونه كل ما كان هناك ضغط أمريكي باتجاه المصالحة الوطنية مع السنة.

الرئيس بوش معروف بتقديره لأولئك الذين يعملون له والوقف إلى جانبهم حتى في أصعب الظروف السياسية، وهو أمر إيجابي في شخصية القائد السياسي. الوزيرة رايس تبدو أقرب أصدقاء الرئيس ومساعديه، وأظن أن من واجبها أن تنبه الرئيس إذا كانت الخطة لا تعمل، وهنا أظنني لا أكون مخطئاً حين أقول أنه ورغم كل الاختلاف مع سياسة الإدارة الحالية - وأخطائها الكبيرة - فإنه مازال بالإمكان تحسين الأوضاع في العراق قبل الرحيل والحصول على دعم الجيران، ولكن ذلك يتطلب مواقف جريئة.

الوزيرة رايس:

حان وقت هزّ المنظومة السياسية في العراق، وإعادة تركيبها من جديد، فالأمور لا يمكن أن تسوء أكثر من ذلك.. غيروهم قبل أن يقلبوا أسلحتهم ضدكم بأوامر إيرانية.

altoraifi@alriyadh.com

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة