الاربعاء 18 رجب 1428هـ - 1أغسطس 2007م - العدد 14282

عطر وحبر

لازلنا مع الخدم

هدى السالم

    لازلت أرى أن من أولى قضايانا الاجتماعية والاقتصادية والأمنية التي علينا وحدنا إعادة هيكلتها.. قضية العمالة الوافدة وتحديداً الخادمات.

كنت أتمنى أن أتمكن من الحصول على إحصائية لأعداد الأسر الخالية من الخدم لتقديم الموضوع بصورة أكثر موضوعية رغم أن أبخرة المعاناة المتصاعدة من المنازل تكاد تعطي صورة واضحة عن تلك النسب التي أعتقد أنها أشبه بالعملة النادرة..

من يعتقد أن هذه الفئة تقتصر مسؤولية انتشارها وتزايدها في بلادنا على نساء مجتمعنا باعتبارهن صاحبات القرار في استقدامها..

أقول جازمة إن هذه النظرة قاصرة ظالمة... لأن الحاجة لاستقدامهن نسجتها ظروف المجتمع التي أوقعت المرأة وخاصة العاملة في شباك هذه المعضلة وأقرب دليل على ذلك أن الأسر غير السعودية وأقصد المقيمة على أرضنا منذ سنوات سرعان ما تضطر هي الأخرى الاستعانة بالخدم بينما تعيش في بلادها بهم أو بدونهم.. !!

أعرف صديقة لي عاشت في إحدى الدول الأوروبية أكثر من عشر سنوات أنجبت خلالها سبعة أطفال وكانت هي الأخرى تتابع تحصيلها العلمي مع زوجها ولم تضطر يوماً لمجرد التفكير في خادمة تعينها في حمل أعباء أسرتها.. وما أن عادت إلى وطنها ومجتمعها حتى سمع البعيد قبل القريب بأزمتها النفسية والاجتماعية في حاجتها الماسة لخادمة تساعدها بالعناية بأسرتها فكيف ذلك..؟؟

تقول صديقتي: "كنا نعيش في الغربة مثل خلية النحل لا أحد يوكل على الآخر مسؤولياته ولا فرق في ذلك بين بناتي وأبنائي فالجميع يغسل ملابسه ويشطف أطباقه ويكوي ملابسه وبقية الأعمال من طبخ وكنس وغيرها من أعمال المنزل فهي عامل مشترك لكل شخص داخل البيت حسب دوره ووقته.. كانت الحياة تسير بطريقة رائعة لم أشعر يوماً أنني وحدي المسئولة ولم تقع على عاتقي وحدي يوماً دون غيري أي مهمة منزلية أو أسرية.. وما أن عدنا ديارنا حتى شاهد أبنائي وبناتي ما يصنع الآخرون من أقربائهم داخل وخارج الأسرة من الاتكالية والتكاسل، سرعان ما شعرت بأعباء الدنيا تتكاتف فوق رأسي حتى أن أصبح أحدهم لا يكلف نفسه مشقة ترتيب فراش نومه أو حجرته الخاصة أو حتى رفع طبق أكل فيه" !

انتهى حديث صديقتي التي استقدمت أكثر من خادمة وبدأت تئن من مشاكلهن التي لا حصر لها....

من وجهة نظري ؛ مشكلة تزايد وانتشار الخادمات في مجتمعنا لا تحمل مسؤوليتها المرأة السعودية التي هي من أحرص ما تكون على راحة أسرتها وحماية أبنائها بل إنها مسؤولية مشتركة يحمل وبالها المجتمع كله، وظيفة المرأة دون أن يكون في مقر عملها حضانة خاصة بأطفالها ظلم من صاحب العمل لدورها ودافعاً لها من أجل التوجه للاستقدام..

والأحياء السكنية التي تفتقد وجود دور حضانة أوجهات مختصة لرعاية الصغار في حالة غياب الأم بضع ساعات هي أحياء قصرت كثيراً في مساعدة تلك الأم في حمل رسالتها وهي دافع آخر لجلب المزيد من الخدم .

وذوو الاحتياجات الخاصة على اختلاف إعاقاتهم الذين لا يجدون مأوى حكومياً لهم أو مراكز تأهيلية تناسب احتياجاتهم إنهم مسؤولية مجتمعهم الذي خرجوا منه والذي سيضطرهم بشكل أو بآخر استقدام من يعينهم للتكيف مع حياتهم التي تركوا وحيدين في تجاوزها تحت ظل غياب دور هذا المجتمع ..

وأصحاب المنابر الذين لا يشجعون على أهمية العمل وفضل الاعتماد على النفس وأهمية عمل الرجل في بيته وخدمة أهله أشخاص قصروا في توضيح سنة من سنن الرسول قدوة المسلمين وخيرة الرجال الصالحين عليه أفضل الصلاة والتسليم.

والمناسبات الاجتماعية التي لا تروق لكثيرين إلا أن تقام بعد منتصف الليل هي جهات أجرمت دون قصد في حق المرأة فاضطرتها إما لمقاطعة تلك المناسبات وإما للاعتماد على الخادمة من أجل مرافقة صغارها داخل البيت..

إنها مسؤولية مجتمع يرفض الاعتماد على نفسه ثم يضع المرأة في قفص الاتهام.

وأخيراً ولا أعتقد لهذا الموضوع نهاية.. الرجال الذين يعيشون في عالمهم الخاص شعاره الهروب من المسؤولية ونهجه "ابسط نفسك" تقدير متطرف للذات يقضون جل أوقاتهم إما بالاستراحات أو المقاهي أو دوريات الضيافة لا يعرف هؤلاء الرجال داخل منازلهم الطريق إلى المطبخ.. إلى هؤلاء الرجال أقول: "هل تعتقدون أن المرأة وحدها المسئول عن انتشار الخادمات في بلادنا" ؟!

Huda@alriyadh.com