جريدة الرياض

جريدة يومية تصدر عن مؤسسة اليمامة الصحفية

الثلاثاء 17رجب 1428هـ - 31يوليو 2007م - العدد 14281

تعويض أسر أطفال الإيدز في ليبيا:

خواطر وتساؤلات مقلقة!

أ. د. رشود بن محمد الخريف

تناقلت وكالات الأنباء قبل أيام الخبر التالي: "أعلنت مؤسسة القذافي الخيرية أنها قد تمكنت من التوصل الى حل لأزمة الممرضات البلغاريات اللواتي اتهمن بالتعمد بنقل فيروس مرض نقص المناعة المكتب (الايدز) الى اطفال ليبيين. وذكرت المؤسسة ان اتفاقا يتم بموجبه تعويض المتضررين مادياً قد لاقى قبول الاطراف كافة وسيكون من شأنه وضع حد للأزمة الدبلوماسية التي نتجت عن هذه القضية..". وبعد ذلك الخبر بأيام بثت وكالات الأنباء خبراً آخر مفاده (بالنص): "وصل المتهمون الستة في قضية أطفال ليبيا المحقونين بالايدز - خمس ممرضات بلغاريات وطبيب فلسطيني منح الجنسية البلغارية الشهر الماضي - الى العاصمة البلغارية صوفيا، بعد افراج ليبيا عنهم بموجب اتفاق ثنائي لتبادل المجرمين. وكان الرئيس البلغاري جورجي بارفانوف في استقبال الستة الذين وصلوا على متن طائرة رئاسية فرنسية برفقة زوجة الرئيس الفرنسي سيسيليا ساركوزي ومفوضة العلاقات الخارجية في الاتحاد الاوروبي بينيتا فيريرو فالدنر، اللتين زارتا ليبيا أول امس لإقناع طرابلس بالإفراج عنهم. واصدر الرئيس بارفانوف عفوا عن المتهمين بمجرد وصولهم، رغم ان الاتفاق مع ليبيا يقضي بقضائهم محكوميتهم في السجون البلغارية. (انتهى الخبر).

وحول هذه القضية تجول في الذهن الكثير من الخواطر والتساؤلات، التي تختلط بها الآلام الاحزان ومشاعر الاعجاب! لنبدأ بالإعجاب. لابد من تسجيل نقطة ثناء واعجاب بالقضاء الليبي الذي سجل موقفاً مشرفاً حسبما يظهر لنا. فلم يرضخ (كما يبدو!) للضغوط السياسية التي كان آخرها خطاب من الرئيس الامريكي الى القذافي، وقبله الوساطات والضغوط الاوربية المتكررة. وتجدر الاشارة الى ان المحكمة الليبية العليا اصدرت حكمها في الاستئناف النهائي الذي تقدمت به الممرضات البلغاريات الخمس والطبيب الفلسطيني، بتأكيد الحكم السابق القاضي بالإعدام.

ولكن المؤلم حقاً هو اصابة الاطفال الابرياء بداء الايدز الذي لا يوجد له علاج ناجع حتى الآن. وتجدر الاشارة الى ان 56من الاطفال ال 438الذين اصيبوا بالايدز قد انتقلوا الى رحمة الله تعالى. هل تتخيل - ايها القارئ العزيز - معاناة هؤلاء الاطفال ومعاناة أسرهم؟! انها معاناة لا توصف، ولا يمكن تعويض آلامهم بالمادة فقط. ان تعويضهم وتخفيف آلامهم حق مكتسب يتحمله مستشفى بنغازي سواء أدين المتهمون ام لم يدانوا، لأن اصابتهم بمرض الايدز جاءت نتيجة خطأ طبي متعمد او غير متعمد. ثم أليس من المفترض مقاضاة المستشفى مقابل اهماله وعدم متابعته لممارسة الطاقم الطبي الذي يعمل به؟.

وحقاً انه من المحزن في هذه القضية ان تقوم جهات خيرية بالتفاوض مع أسر الضحايا للتنازل عن العقوبات الجنائية نظير تعويضات مالية، على الرغم من رفض بلغاريا دفع أية تعويضات مالية. العديد من التساؤلات تقلق المتابع لهذه القضية المؤلمة. أليس من المفترض احترام احكام القضاء في بلاد الغرب والشرق؟ اليس من ابجديات حقوق الإنسان - في الغرب او الشرق - ان يلقى العابثون بها العقوبة الرادعة؟ هل هناك شك في عدالة القضاء الليبي حتى تتفاوض تلك الجهة لاطلاق سراح المتهمين الذين اصدرت المحكمة بحقهم حكماً - مصدقاً - بالإعدام؟ اليس تعويض المتضررين يعد حقاً مكتسباً لا ينبغي التفاوض بشأنه، حتى مع تنفيذ حكم الاعدام بالجناة؟ أليس المستشفى الذي تسبب في اصابتهم بمرض الايدز مسؤول عن تعويضهم وأسرهم، وملزم بتقديم العلاج والرعاية المناسبة لهم؟ واخيراً، اليس من حقهم على حكومتهم - في كل الاحوال - ان تقدم لهم الدعم المعنوي والمادي المناسبين؟.

لكي نضع الامور في نصابها ونتفهم ابعاد القضية فهماً موضوعياً بعيداً عن العاطفة، لنتخيل - جدلاً - ان هذه القضية وقعت في احد مستشفيات لندن (مدينة الضباب العامرة). لنتخيل ايضاً ان المحكمة المحلية أدانت المتهمين بارتكاب الجريمة، وايدتها في حكمها المحكمة العليا (او محكمة التمييز). ماذا نتوقع ان يحدث في مثل هذه الحالة؟ هل سيتم التفاوض مع أسر المتضررين لتقديم تعويضات من اجل اطلاق سراح الجناة الذين اكدت عديد من المحاكم ارتكابهم الجريمة؟ هل سيقوم الرئيس الامريكي بإجراء مكالمة لرئيس الوزراء البريطاني يطلب منه اطلاق سراحهم؟ هل ستأتي وفود من الاتحاد الاوروبي لاقناع البريطانيين لاطلاق سراح المتهمين؟ هل ستقوم مؤسسة خيرية بالتفاوض مع أسر المتضررين من اجل اطلاق سراح المتهمين (او الجناة حسب حكم القضاء المصدق ممن المحكمة العليا)؟ هل سيترك المستشفى الذي وقعت به الممارسة الخاطئة او بالاصح الجريمة الشنعاء، هل سيترك خارج اطار المسؤولية او المساءلة؟ وهل من الممكن للسلطات البريطانية او الاوروبية ان تتدخل في شؤون القضاء؟ وهل ستقوم مؤسسات خيرية بالواسطة لتعويض المتضررين مقابل اطلاق سراح الجناة؟ هل ستبارك منظمات حقوق الإنسان هذه الممارسات او ستلتزم الصمت بشأنها؟ واهم من ذلك، هل اصبح هؤلاء الاطفال من ضحايا السياسة؟ ثم كيف هذا التناقض بين "الحكم بالإعدام في ليبيا" و"الاستقبال على أعلى المستويات في اوروبا" واخيراً هل وراء الأكمة ما وراءها؟.

أترك القارئ الكريم ليفكر في هذه التساؤلات وربما تساؤلات أخرى، والسلام.

جامعة الملك سعود

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق

عدد التعليقات : 2
(جديد) ترتيب التعليقات : الأحدث أولا , الأقدم أولا , حسب التقييم
عفواً ترتيب التعليقات متاح للأعضاء فقط...
سجل معنا بالضغط هنا
  • 1

    اشكر الاخ الكاتب على هذا الموضوع الذي هو موضوع كل عربي وكل مسلم ياعزيزي القضاء العربي غير معترف فيه باي دوله غربيه والمصيبه اننا نعترف بقضاءهم والله لو القضيه هذي حصلت لاي مواطن اوربي لتجد مطالبات وتهديد ويمكن يرسلون وفد تحقيق للبلد الذي حصلت به المشكله وهذا يدل على ضعف الول العربيه والاسلاميه اللهم انا نشكوا اليك ضعفنا

    أبو حمد (زائر)

    UP 0 DOWN

    01:15 مساءً 2007/07/31

  • 2

    اشكرك على هذه الطرح واذا غاب العدل فأقرء على الناس السلام..

    د.فهد السويدان (زائر)

    UP 0 DOWN

    09:18 مساءً 2007/07/31