سياحتنا الداخلية بين كنوز طبيعتها.. ولهيب أسعارها!
لا يخلو حديث في الأسرة او في موقع عمل الا وتأتي العطلة الصيفية وقضاؤها في بؤرة الاهتمام، وتستعد آلاف الأسر لشد الرحال لقضائها لكن للأسف خارج الوطن.. رغم ان بلادنا تزخر ولله الحمد بالعديد من المقومات السياحية والترفيهية.
واذا كانت حرارة الطقس في بعض المناطق دافعا للسفر، فإن الله سبحانه قد انعم علينا بمناطق ومدن تنافس افضل الدول اعتدالاً في المناخ فضلا عن مناظرها الطبيعية الخلابة، ومن هذه المناطق الطائف وعسير والباحة وهذا التنوع المناخي يعتبر دافعا لنجاح اي نشاط سياحي.
تعالوا بنا نتجول سريعا في هذه المناطق والمدن لنرى كم لدينا من كنوز السياحة وطبيعتها الخلابة في بلادنا.. فالطائف والتي تقع على مسافة 75ميلا فقط جنوب شرق مكة المكرمة تتميز باعتدال مناخها وبرودة مياهها بشكل طبيعي، تزخر بالمتنرهات الطبيعية التي تكسوها الخضرة فتبهج النفس وتسر الخاطر ومنها لقيم والهدى والشفا والحوية وحمى سيسد ووادي لية ووادي جبرة وغيرها، كما يتمتع زائر الطائف بآثارها القديمة ومنها بعض المساجد القديمة التي بنيت في صدر الإسلام والسدود القديمة وسوق عكاظ وقصر شبرا التاريخي.
والباحة حباها الله بالطبيعة الجذابة، وتقع جنوب غرب المملكة، ويوجد بها اكثر من 40غابة كثير منها يطل على جبال تهامة العريقة وتكسوها اشجار العرعر والطلح والفواكه المتنوعة مثل الخوخ والمشمش والرمان والعنب والبرشومي، ومن أشهر هذه الغابات رغدان وشهبة والزرانب والقمع والشكران وماطوة وغيرها، كما يتمتع الزائر والسائح برؤية مجموعة كبيرة من الآثار والاماكن التاريخية الضاربة في القدم منها طريق الفيل وقرية ذي معشوقة وروضة بني سيد ومدينة عشم وقلعة بخروش بالاضافة الى الاسواق القديمة التي يعود بعضها الى ما قبل 350سنة مضت، ولا يفوت الزائر والسائح ان يذهب على بادية الباحة والتي هي مناطق رائعة للجذب السياحي مع السهول المنبسطة والهضاب المرتفعة مما يشعر بالمتعة والبهجة.
اما عسير.. فإن السائح يحتار بين القرى والاماكن السياحية التي تتنافس في جمالها ومنها منتجع الحبلة والذي يقع على ارتفاع ألفي متر فوق سطح البحر ومنتجع القرعا الذي يقع ايضا على ارتفاع ألفي متر من سطح البحر ، ومنتجع السودة الذي يقع على قمم جبال السروات وعلى ارتفاع ثلاثة آلاف متر فوق سطح البحر، ومنتجع ابها الجديدة السياحي على ضفاف مياه بحيرة سد وتحيط به حديقة مساحتها ثلاثمائة ألف متر مربع، وجميع هذه المنتجعات تزدهر بالمتنرهات الطبيعية كما تنتشر بها المتنرهات ذات المساحات الخضراء المتسعة ووسائل الترفيه المتنوعة ومنها العربات المعلقة التلفريك، مع الاماكن المناسبة لممارسة الرياضة والرحلات العائلية، بالإضافة على آثارها القديمة مثل هضبة العروس وجرش وقصر شذا وغيرها.
والمنطقة الشرقية ورغم حرارة الجو الا ان وجودها على كورنيش الخليج العربي وما اقيم بها من اماكن للترفيه والتنزه كفيل بقضاء وقت ولو قصير للاستمتاع والراحة من عناء العمل او الدراسة خلال العام وكذلك مدينة جدة عروس البحر الأحمر بسماتها الحضارية عالية التفوق، وهناك اماكن أخرى لم تلق الاهتمام الكافي الا انها يمكن ان تصبح اماكن سياحية جاذبة وتوجد في جيزان التي تتميز بمرتفعاتها الجبلية مثل جبال فيفا وجبال الريث وجزرها مثل جزر فرسان وعيونها الحارة التي تعد مصدرا علاجيا لكثير من الامراض، وايضا منطقة نجران بلد الأخدود والحضارات القديمة والتي تعد من أعرق المدن التاريخية في الجزيرة العربية وتعتدل الحرارة بها صيفا.
وتتميز مختلف المناطق السياحية والترفيهية بالمملكة بالخصوصية التي تتفق مع الطابع العائلي كما يتوافر بها الامن والامان اللذان قد لا يتوافرا في مدن سياحية أخرى خارج المملكة.
ورغم توافر هذه الكنوز، ورغم الجهود التي تبذلها الجهات المعنية وفي مقدمتها الهيئة العليا للسياحة وامارات المناطق، فإن الكثير من المواطنين قد حزموا حقائبهم للسفر الى الخارج.. ورغم ما قد يصاحب السفر للخارج من مخاطر.. فلماذا لا تلقى السياحة الداخلية الاقبال المناسب وما هو سبب احجام البعض عنها؟.
من شكاوي ذوي التجارب في التعامل مع كل من السياحة الداخلية والسياحة الخارجية يتبين ان اكبر العوائق امام توجه المواطنين الى السياحة داخل المملكة هو أسعار الخدمات السياحية وغلوها رغبة من اصحاب المشاريع والقرى السياحية في تحقيق اكبر ربح ممكن خلال هذه الفترة الوجيزة من العام.
فأسعار الاجنحة الفندقية فضلا عن قلتها باهظة وكذلك الفيلات والشقق المفروشة، يلي ذلك الارتفاع النسبي في اسعار المطاعم والخدمات مرتفعة.. وايضاً الرسوم التي يطلب من المواطن دفعها في المتنرهات واماكن الترفيه والالعاب عن كل فرد من الأسرة وعن كل لعبة.. وايضا النقص في خدمات النظافة والصيانة والتي تحتاج على مجهود مضاعف في هذه الفترة نظرا لتزايد عدد السائحين عن فترات أخرى. ومن الأمور التي يشكو منها السائحون نقص المراكز التجارية وأفرع المطاعم ذات الأسماء الشهيرة ونقص سيارات التأجير وقلة الصرافات الآلية في بعض الأماكن وهذه امور من السهل تلافيها.
وبالمقارنة بما ينفقه المواطن في أيام معدودة في القرى السياحية بالمملكة يجد أنه يمكن ان ينفق أقل منها ربما على النصف في دول أخرى، ناهيك عن جاذبية هذه الدول في التغيير، وانماط الترفيه المتاحة والتي تختلف عن الوسائل التقليدية والمتشابهة بين مختلف القرى السياحية والترفيهية وتكرارها دون تجديد من عام لآخر، والتنافس القائم فقط هو في رفع الاسعار على السائحين.
ومن المأمول تدخل الهيئة العليا للسياحة ووزارة التجارة وبلديات المناطق لوضع تصنيف للفنادق والشقق المفروشة طبقا لتجهيزاتها وخدماتها الفعلية، مع الزامها بأسعار مناسبة بعيدة عن الغلو والجشع، وينطبق الامر كي تكون الاسعار بشكل ملائم للخدمات الأخرى والمتنرهات والحدائق واماكن الترفيه، مع الأخذ في الاعتبار ان هناك فئات كثيرة من المواطنين محدودي الدخل كذلك ان الأسر السعودية تتسم بوجه عام بارتفاع عدد افراد الأسرة.
بالاضافة الى ذلك هناك القصور الإعلامي الذي مازال قائما في اظهار مقومات الجذب السياحي في المناطق الداخلية بما يولد القناعة لدى المواطن بأهمية قضاء وقت العطلة في هذه الاماكن بدلاً من السفر الى الخارج، كما لا تتوافر لدى وكالات السياحة والسفر برامج لتنشيط السياحة الداخلية بقدر الاهتمام الذي توليه هذه الوكالات البرامج السياحية الخارجية.
لقد اصبحت السياحة الداخلية من المصادر الرئيسية بل واحيانا المصدر الاول للدخل الوطني في كثير من الدول، ومن ثم يأتي الاهتمام بها وينعكس ذلك في وضع وتنفيذ كافة الاساليب المغرية من العروض وحسن الترويج والتسويق لجذب السائح وهذا من بين ما تفتقده السياحة الداخلية في المملكة.
ان السياحة الداخلية وتنميتها مطلب وطني لكن توجد معوقات يجب إزالتها حتى لا يهرب المواطن من لهيب اسعارها الى الخارج.