تعقيباً على الأخ صالح اليوسف حول (تعقيبه) على مقال الكاتبة ناهد باشطح بعنوان (السعوديات ملكات العالم) عن نتائج دراسة مركز (ستارش) البريطاني الذي توصل إلى أن السعوديات أكثر الناس دلالاً على مستوى العالم، فقد أكد اليوسف فرحه بهذه الدراسة وأجرى ظنه بأن تفرح الجميع (حتى المشاعر جريانها يسري حسب ظن الرجال وإن كان الشأن نسائياً)، ثم ذكر أن الدراسة من الغرب وأسماهم الأعداء، وذكر تشكيكهم في امتهان السعوديين المرأة بحجابها وعدم قيادتها السيارة، وهم بذلك يدسون السم في العسل يظهر تأثر الكاتب بنظرية المؤامرة فكيف يتآمر عليك من تفوق عليك، هل هو لإنتاجنا واختراعاتنا وابتكاراتنا، ما الذي يجعلهم يتآمرون علينا ونحن نعيش عصر تباكي الامجاد وهم يتقدمون عنا بملايين السنين يبتعدون بطموحهم عنا بعد الثريا عن الثرى، فليسوا بحاجة لسموم يدسونها في عسلنا (العسل المرموز له وضع المرأة الرائع الذي يتغنى به اليوسف وأثبتته دراسة الأعداء) (العدو وصف يطلق بلا سبب!) ثم حمد الله على تلبية طلبات الفتاة السعودية من دون عناء وأنها ليست بحاجة للعمل، فمصروفها متوافر من أولياء أمورها، وذكر أنهم وصفوها بالملكة والملكة لا تقود السيارة بل الخدم، وأكملت الدراسة معلوماتها بجمال السعوديات واعتنائهن بالرشاقة والمظهر، فهن ملكات جمال على مستوى العالم.
وقد تعجّب من تحليل الكاتبة للدراسة وتمنى لو لم تضف تعليقاً (ليظل حبيس خياله الذي يلح عليه أن المرأة يجب أن ترضى بعصر الجواري والقيود الذي يقلب النقمة نعمة والقهر كرامة والقيد حرية، يريد أن يعيش لذة الاحساس المخادع: أن السعودية راضية بمستوى الخدمة التي يقدمها لها أولياء أمورها) حيث جمع لفظ أولياء وجعل الفتاة مفرداً، صدق ففي البيت لها عدة أولياء وفي الشارع والسوق حتى الحارس والسائق قد يكون ولياً ومسئولاً عنها، إلا هي فقط لا يحق لها ولاية وليس لها سن رشد تصل إليها (فسن الرشد تحدد في كل بقاع الدنيا ما عدا نحن، فلنا خصوصية عظيمة مضرب المثل خاصة مع المرأة؟!). والمعلق طبعاً عندما جعل لفظ الفتاة مفرداً والاولياء جمعاً فليؤكد ايمانه لأقرانه أن التمايز والاختلاف هو حق مصادر للذكور أما المرأة فصورتها واحدة (امرأة حبيسة الدار والعز المخادع بتنوع الأمزجة والسلطات). أنكر اليوسف تبريرات الكاتبة الواقعية كونها عابت على المعهد تلك الدراسة وأسمتها أقاويل متسائلة عن أدوات الدراسة وعينتها، واستخلاص النتائج الغبية وفق معطيات انطباعية وليست علمية، واهتمامها بالشكليات، وإغفالها المهتمات بالعلم والعمل، كما ذكرت بعض العوائق التي تثبت عكس نتيجة الدراسة كإعاقة المحرم لمتطلبات إكمال الدراسة في الخارج وقصص أولياء الأمور في نهب أموال الملكات (بناتهم) وعقد الولي في إخفاءه صورة ابنته أو أخته أو زوجته ليمارس سرقة أموالها. ونقل تساؤل الكاتبة مستهجناً له: أي ملكة تلك التي لاتقود السيارة مرغمة؟ (تساؤل ذكي يجد أفضل مكان لتلك الدراسة صندوق النفايات) فالرافضة لهذا المُلك العظيم المفتوض أن تكون جزءا من عينة الدراسة فهل تستلم المُلك الذي رمته الفتاة بدلاً عنها هي لاتريد نظام (الملك بالإكراه) فتفضله أخي الرجل ان احببت وعليك بالعافية! ذكرني المقال بقصة حدثني بها من أثق به غاية الثقة كونه (رمزاً لايشبه سواه) قائلاً: ان أحد المتطرفين أراد توظيف تطرفه في النظره للمرأة وإسقاطه على امرأة أخرى غير مسلمة بحجة الدعوة للإسلام، وعندما سألته عما سمعته ورأته من حبس النساء والحجاب المشوه بالغلو والمبالغة حتى تكاد ترى أشباحاً لانساءً فتساءلت: لماذا؟ فرد عليها بالتشبيه العقيم المكرر (المرأة كالجوهرة) فهل ترمين الجوهرة في الشارع أم تحفظينها في خزنة؟ فردت باحترام المناقش كعادتهم: طبعاً احفظها، ففرح بذكائه المتوارث كتوارث العادات قائلاً: كذلك المرأة لدينا نعتبرها جوهرة، فردت ببديهية الإنسانية المتوثبة للحرية: ولكنني إنسانة ولست جوهرة أنا روح وجسد ولست مادة، أنا لحم ودم ولست جماداً أنا أغلى من جوهرة سوداء، فأسقط في يده، وأدرك أن صيحته في واد سحيق. انتهى عصر التشبيهات الخرقاء المضادة للحرية والحق، نحن لسنا جواهر فقط نحن نساء نحس بما تحس به ونشعر بما تشعر، يا ترى لماذا لاتنضم أيها الرجل لطائفة الجواهر فتمارس فلسفة القمع والحبس والقيد عملياً عليك؟ ألست تحب لنفسك ما تحبه لغيرك كونك مؤمناً؟ أتراك أيها الرجل صنفاً متناقضاً حتى تتخذ الجواهر تلهو بها في خيالك وتقمعها في تصرفاتك؟ هل تتوقع من تلك السجينة أن تفلح داخل قفص ذهبي أو الماسي مغلق؟ هل يبرر تعطيلك لنصف المجتمع في المشاركة والاستقلالية وهي تمد يدها تستجديك مبلغاً زهيداً أن تصفها - بإهانتها تلك - بكل كنوز الدنيا ومقتنياتها الثمينة؟ هل لقهرها أن يستفيد من بلاغة أوصافك؟ لماذا يصعب ترقيك بمستوى التعامل الجواهر والملكات لتتساوى مع نظرتك لنفسك؟ يا ترى هل الجوهرة الثمينة أغلى من عقلك المميز؟ عندما تخطئ جوهرة ما هل تعاملها كما تخطئ أنت؟ أتحجب نصف المجتمع عن المشاركة في الحراك الاجتماعي لتفوز بإثبات نظرية الجوهرة البالية كما تبلى الأسمال التالفة - إن كان لابد من وصف - فدونك وصف سيد الخلق عندما قال (رفقاً بالقوارير) أمر بلباقة التعامل (الرفق) وثنى بالوصف (القوارير) فالقارورة عندما تخدش قد تنكسر بمرور الزمن فهل تعي ذلك؟ القارورة قد تقع بفعل ظرف أو مرور الهواء فتنكسر فهل ستترفق بكسرها وتجبره؟ أم ستزيده وبالاً؟ القارورة عندما تقع - وغالباً ما تقع بسببك- قد لاينفع جبرها أو مداواتها.. فهل وعيت للوصف العجيب وثمنت النصيحة الغالية.. تلك القارورة تحتاج الرفق والحب والثقة والمشاركة والعمل والتصرف في خاصة نفسها ولاتحتاج لخيال ضبابي يستظهر الخير ويختزل سادية التسلط والتعدي ليمارس الحجر الموروث ويتمنطق بإلباسه ثوب الملوك ويجمله بعقود الجواهر، الملك لا يأتي ياسيدي بالإكراه ولابغلو خيال يقلب العبدات ملكات.
هل تظن أن السيدة عائشة أوصلت نصف العلم واستدركت على أكبر الصحابة وهي حبيسة عقدة الجوهر؟ أم قادت جيشاً وشاركت في الغزوات وهي رهيئة المجوهرات؟ أليست الأجدر بوصف ملكة؟ أم أن القارورة في عرف نبينا تختلف عن الملكة في نظر ذكورنا بعد أكثر من 1420سنة 100%.
لله در السعوديات إن تميزن بشيء فهو الصدع بالحق كما فعلت الكاتبة بمعارضتها الصادقة، لاكما ادعاه ذاك المعهد ووافق عقولاً خاوية متطرفة، تجاه المرأة، التي لاتستحي أن تلبس القهر حلي الجوهر، والأولى في العجب أن نتعجب من تعجب اليوسف على مقال الأخت ناهد التي نقلت الواقع بلا خيال أو رتوش.
دعنا نتبادل الأدوار في هذا المُلك ولترض أن تكون ملكة - آسفة- ملكاً مغلفاً يختبئ تحت فيء الجواهر، لنصنع عقوداً من جواهر كل جوهرة فيها تمثل رجلاً ونغلق عليه في المنزل أو - الأحوط- على رأي القاعدة الفقهية- في الخزائن، عله يعايش قيمة الملوك كما يدعيها، ويحس بعيشة الملكات كما أرادها لنا، ما أغباه من فكر!.. وما (أقعسه) من تبرير! وما أحوجنا لثقافة المساءلة والمواجهة مع النفس وفتح منافذ الحوار الحر حول حقوق المرأة منصولاً عن التقاليد والعادات.. ليبدأ التغيير والتقدم.. فيكشف الزيف عن وجه الحقيقة بلا أقنعة أو حجب، فالمزيد من التفنيد يجلو الصدأ ويبرق باللون ولو كره المعترضون: فكما أن أهل مكة أدرى بشعابها فناهد أدرى بأخواتها. وأن كان عصر الملكات فاجعلوها تمارس ملكها كما تريد هي لاكما تتوهمون.. وتخططون.. رأيي وللجميع مطلق الحرية في الاختلاف.
خاتمة: سررت كِثيراً بفوز الأخت ناهد باشطح بجائزة الإعلامية المتميزة، بالتوفيق والسداد.