
تأتي رواية شيكاجو للأديب علاء الأسواني وما زالت رواية عمارة يعقوبيان ملء السمع والبصر، ولعل الانتشار اللا محدود ليعقوبيان هو ما مثل التحدي الأكبر عند الأسواني وهو في مرحلة الإعداد والتجهيز لرواية شيكاجو التي تناولتها أيدي القراء مع مطلع عام 2007م ودارت المطابع مرات لتقدم أربع طبعات متتالية في شهور قليلة لم تتجاوز أصابع اليد الواحدة.
في نفس الوقت الذي تبدو فيه شيكاجو نجما في سماء المدن الأمريكية تؤكد أن الأسواني روائي امتلك وبجدارة حرفة الرواية ومهاراتها واستطاع أن يجعل من صفحات الرواية التي تقل قليلا عن خمسمائة صفحة محطات من التشويق والإثارة المستمرة فضلاً عن قدرته الهائلة على الإمساك بتلابيب القارئ من بداية الرواية وحتى نهايتها حرص الأسواني في بداية روايته أن يقدم للقارئ لمحة سريعة عن مدنية شيكاجو وعن تاريخها القديم ويضع القارئ في السياق التاريخي والاجتماعي لتلك المدينة التي ستشهد أحداث روايته.، ولاسيما تلك المؤسسة التعليمية الكبرى (جامعة إلينوي) التي ستضم أبطاله وتعد مسرحا لأحداث رواية شيكاجو أما الزمان فكان الوقت الحاضر الذي تعمد الأسواني أن يشير إلى حالة الحراك السياسي التي شهدها المجتمع المصري في الفترة الأخيرة فضلا عن إشارته إلى الحرب الأنجلو أمريكية عانى العراق الأمر الذي يكشف أن الأسواني يقصد زماننا ويمارس عليه كل ألوان التعرية.
عبر مجموعة من المحاور المتوازنة يتابع القارئ شخوص رواية شيكاجو سواء تلك الشخصيات التي أتت من مصر إلى شيكاجو عبر بعثة دراسية لنيل درجة الماجستير أو الدكتوراه وهم (شيماء محمدي - طارق حسيب - ناجي عبد الصمد - أحمد دنانة) أو الأساتذة الذين اتخذوا قرار الهجرة منذ أواخر الخمسينيات من القرن العشرين واستقروا (رأفت ثابت - محمد صلاح) في شيكاجو أو الشخصيات الأمريكية فضلا عن المرأة التي تلعب في شيكاجو دورا مفصليا في أحداث تلك الرواية، فصديقة جراهام السمراء وهي تناضل من أجل حياة بلا إهانة في مجتمع شيكاجو دون ذنب سوى بشرتها السمراء التي تنسج خيوط الدراما في أحداث جراهام فتستطيع أن تصنع نهاية تلك الشخصية عندما تسقط في الخيار المر وتمنح جسدها لرأس المال الفاسد الذي يتعامل مع المرأة كجسد محض.
وتستطيع سارة ثمرة زواج د. رأفت ثابت المصري بزوجته الأمريكية المهاجر والذي يفاخر ليل نهار بالحضارة الأمريكية والمنتجات الأمريكية - أن تصنع نهايته عندما تقرر وبحسم أن تنتقل إلى منزل صديقها وتدمن المخدرات وعندئذ لا يتحمل د. رأفت ثابت ذلك الخروج السافر من ابنته على تقاليده التي طالما دهسها ورفضها ويقرر الانتحار بفعل طلقة من مسدسه فينهي حياته.
حقق علاء الأسواني بعضا من الخطوط المتوازنة بين شخصياته فنجد تماثلا بين ناجي عبد الصمد الطالب الذي عانى كثيرا من المضايقات بسبب مواقفه السياسية وبين د. جراهام الطبيب الأمريكي الذي حارب في فيتنام وناضل من أجل قيم الإنسانية ويعارض السياسات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.
كما أن ناجي عبد الصمد يمثل الشخصية المتناقضة لشخصية أحمد دنانة ذلك الطالب الذي يرأس المبعوثين في الولايات المتحدة الأمريكية وهو ألعوبة الأمن توجهها لمن تشاء ويدها التي تبطش بها حين تشاء أيضا.
كما أن علاقة طارق حسيب بشيماء محمدي التي بدأت في أجواء متوترة ثم غلفها الإعجاب إلى أن سيطرت المشاعر على كليهما ومنح بعضهما الحب مرات متتالية استطاعت تلك العلاقة أن تضع طارق في ممر النهاية إذ ضجر أستاذه من تأخره الدراسي غير المعتاد إلى أن فاجأته شيماء بأنها باتت تحمل طفلا منه مما دفعها إلى طريق الإجهاض وهكذا رسم الحب ملامح النهاية عند طارق حسيب وشيماء محمدي وهكذا نجد أن علاء الأسواني يكتب روايته شيكاجو في صياغة فنية بديعة تبعد عن الخطابة والتلقين والمباشرة السخيفة عبر شخصيات متوازنة وأحداث متدفقة ولغة راقية دون تكلف أو تعمد ورؤية سياسية تتسم بالجرأة الشديدة وإفراط في المشاهد الغرائزية أراه غير مبرر في مناطق عديدة، وحديث عن الدين حتى يكمل الأسواني عقد التوليفة الشعبية التي حرص عليها في يعقوبيان وها هو يثبت انتماؤه إليها في شيكاجو.