على مر التاريخ توالت الحركات السياسية، تقودها قوميات وأديان، وعرقيات، بعضها يموت سريعاً وبعضها يدوم ولكنه ينقسم إلى شعب وفروع، ومنطقتنا كانت المستودع الأكبر ليس لحركات كبرى قبل الشيوعية، والنازية، والفاشية، وإن تأثرت بها وجلبتها ضمن صراعاتها وقتالها الداخلي، حتى إن عصر التخوين والتآمر، والذبح وفق شريعة الغرب والشرق كان جزءاً من محنة لا تزال تسكن في داخلنا، وتتوالد الأجيال قادمة، ولكن ميلاد جبهات جديدة هو الأكثر خطورة.
في الوقت الراهن يحتل الشارع العربي والإسلامي حركات جاءت كلها من تنظيم الإخوان المسلمين الذي بدأ نضالياً ضد الإنجليز، وانتهى إلى انتزاع السلطة باسم الحاكمية الإسلامية لتدخل طرفاً في علاقة متوترة مع دول ومنظمات، لكن هذا الانكسار والمتواري إلى حد ما بعث من المراقد حركات جديدة أخذت أسماء كثيرة مثل حزب التحرير، والتكفير والهجرة، وجند الإسلام، ثم طالبان، والقاعدة، والمحاكم الإسلامية، وتشمل هذه التنظيمات جبهة الإسلام السني، ليأتي لبنان والعراق وأفغانستان لتأخذ نفس الاتجاه لكن من خلال مركزية أكثر انضباطاً وإن رشحت إلى التنافر على المصالح والأهداف شأن أي حركات كونية أو محلية أخرى ليدخل الشيعة نفس النفق، وربما في العراق تنفتح جبهات صراع قبلي مذهبي..
نعيش الآن طفرة هذه الحركات بعنفها وحالات استقطابها محلياً ودولياً، وهي جزء من تاريخ يعود بنقائضه إلى الوجود الذي هيأته ظروف متداخلة، ولعل هذه الرحلة البائسة كشفت المكنون الخاص بأن التناقض الحاد بالتفكير والسلوك، هو من جعل الوطن مجرد وعاء لهذه الاشكالات والانقسامات، عكس ما توفره أدبيات العالم كله وتواريخها بأن الوطن هو المصهر الذي يوحد كل الحركات، وإلا كيف تجاوزت الهند، والبرازيل، ودول داخل منظومة العالم الثالث، حقل وحدة الوطن فوق جميع التناقضات في الوقت الذي نشهد من سعى إلى توزيع الرقعة اللبنانية الصغيرة إلى كانتونات لحكومات بحجم قرى صغيرة، والدرب مفتوح على العراق، وربما باكستان وأفغانستان والسودان، وقد يطال دولاً تتحرك داخلها دواليب صناعة دولة المنظمة بدلاً من دولة الوطن الأشمل وبضغط القوة والتبشير حتى إن بعض تلك التنظيمات تطرح فكرة إبادة الشعب القائم لصالح أعضاء المنظمة وأصحاب الانتماء الحقيقي لها ليتم الاحلال بشكل تعسفي لا يخطر على بال أي إنسان..
عصر الحركات الإسلامية يتجاوز المألوف، وحتى الطروحات التي تأسست على ضبابية الفكر والمشروع المستحيل تطبيقه، هما من فجر ما يشبه الحروب الأهلية في العديد من الدول، وظاهرة دولة المنظمة قد تتحول إلى حالات من التفكيك يصعب لاحقاً تجميع شتات الأوطان..
عموماً ما نشهده الآن يُعد إحدى الظواهر التاريخية الخطرة، وهناك من يراه آخر الرحلات في التأزيم، لكنها لا تنتهي بثمن سهل، إلا إذا خرج علماء هذه الأمة وحكماؤها بصياغة مشروع تاريخي ينقذ هذا العالم من اتساع التطرف، والتحول إلى دول مايكروسكوبية تُرى بالعين المجردة، لكنها فاقدة الهوية..