الجلسات الفنية تعطي التواصل الحسي للأعمال المميزة!!..
في زمن الأغنية الكلاسيكية الجميل كانت تصنع الأعمال بطريقة البساطة أو بالاحداث المتواصلة مع رواد الأغنية آن ذاك في الستينات والسبعينات الميلادية وحتى الثمانينات، هذه الاحداث والصور كانت تلهب الحديث الغنائي من خلال سرّد القصيدة ومن ثم تلحينها بالاشتراك مع صناع الأعمال الغنائية في وقت حدوثها، حاليا اختلف كل شيء من حيث استغلال أدوات التكنولوجيا بالأسلوب الذي ابعّد التواصل الفني بين أقطاب وصُناَع الأغنية.
هذه التغيرات لم تكن جديدة إنما تتبدل وتتغير حسب الإمكانيات المتاحة لعناصر التواصل، قبل سنوات كان المعظم من الفنانين لا يتواصلون إلا عن طريق الهاتف لسماع الأعمال عبر حرارة الهاتف، يتوالى التطور ويبتعد التواصل حتى أصبحت سمة البعض منهم إيصال الالحان عن طريق الرسائل الصوتية بالشبكة العنكبوتية.
هذه الحالات من فقدان التواصل الحسي بين صناع الأغنية افقدها بريقها ولم تعد كما كانت في السابق.
أغنية "فوق الرمال الحمر طابت لنا السمره" للفنان سعد إبراهيم - رحمه الله -، هذه الأغنية كانت حديث تلك اللحظة المشوقة تخاطب تلك الجلسة، حيث كان الجميع في نزهة خارج الرياض آن ذاك مع مجموعة من رواد الأغنية ابوسعود الحمادي وأبناء السلوم ومجموعة من الشعراء منهم شاعر الأغنية "أحمد السعد".
يقول سعد إبراهيم - رحمه الله -: كنا في رحلة في "بنبان" شمال الرياض وما شّد انتباهنا لون الرمال قبل غروب الشمس، فالجميع أخذ يفرز ما في جعبته من أنغام وتداولنا محاور الكلمات لتظهر لنا أغنية ذاع صيتها قبل أربعين عاماً ومازالت عنوان لسعد إبراهيم، هذه الأغنية كانت مثالا للتعاون الفني في صناعة الأغنية بين مجموعة من الفنانين والشعراء، حتى أن كل واحد منا يطلب من الأخر كتابة الأغنية باسمة ومن حسن الحظ أنها كانت بصوتي بعد أن سجلت اسطوانة وبعد ذلك في الإذاعة في الملز بعد افتتاحها وصورت كذلك في التلفزيون، وأضاف: إن من جماليات هذه الأعمال إنها تستمر طويلاً إذا قدمت بالشكل الجيد.
أيضا هناك أغنية "من فارق الخلان" للفنان حمدي سعد قدمت في العام1388ه في إذاعة الرياض عندما كانت تحت قيادة زهير الأيوبي في الملز، هذا العمل كان تفاعلاً بين الشاعر عبدالله بن محمد البابطين والفنان حمدي سعد وملحنها صالح السَّعد، كان التقاؤهم يستمر طويلاً رغم ولادة القصيدة قبل تعارفهما، إلا أن هناك جلسات تتواصل لصياغة العمل ليظهر للناس بأحلى صورة.
يقول حمدي سعد: ليست هي الأولى ولكن نحن دائما نكون متواصلين مع الشعراء والملحنين وتكون جلساتنا بشكل إما يومي أو أسبوعي وكل منا يعيش في خياله ونلتقي في الإبداع، ويضيف حمدي سعد: أن الساحة الفنية في ذلك الوقت كانت تهتم بالأدب قبل كل شيء وكنا نلتقي في البر دائما وهو مجمعنا في ذلك الوقت وأذكر أننا نخرج إلى "بنبان أو قميلان" لنقدم أحلى الصور الغنائية ويكون التفاعل مشتركاً لنصنع أجمل الأغاني التي مازالت موجودة.
من الأعمال الكلاسيكية القديمة التي كان صنعها الجلسات المشتركة بين الفنانين والشعراء.
أغنية أحلى ليالي المصيف..سفح الهدى ملتقانا حيث اشترك فيها ثلاثة شعراء كان من بينهم الشاعر والمذيع بندر الدوخي وقام بتلحينها "أبوسامي" سليمان الحماد وغناء عبد العزيز عبدالله، هذا العمل يسّرد قصة انطلاق معظم الفنانين من محافضة الطائف في ذلك الوقت حيث كان التقاؤهم هناك بوجود المسارح الغنائية والأدبية والتقاء النجوم من مختلف المناطق.
التواصل الحسي بين الشاعر والملحن والمطرب؟!هو أساس تركيب الأغنية من حيث الكلمة وصياغتها واستخدام الأجراس الموسيقية في الكلمة ومدى تفاعلها لحنياً، لذا لابد وان تكون هناك جلسات منطقية لتوصيل ذلك الإحساس إما للملحن أو المطرب.
هذه الحالة يرفضها الغالب من الفنانين في الوقت الحالي ويستبدلونها بعنصر التكنولوجيا معوضاً لذلك التلاقي فيما بينهم.
أغنية "أسمر عبر" للفنان محمد عبده، لم تولد هذه الأغنية إلا بعد عدة جلسات فنية بين الشاعر محمد فهد العيسى - رحمه الله - والملحن طارق عبد الحكيم، هذا العمل كان نتاج جلسات سمر يتخللها تجمع العديد من الفنانين في ذلك الوقت إلا أن نضج ذلك اللحن مع تبديل بعض المفردات لتظهر بالشكل الذي نسمعه حاليا بعد أكثر من "35" عاماً.
الفنان طارق عبد الحكيم يقول: إن تقديم العمل الفني يجب أن يكون مشتركاً بين الشاعر والملحن والمطرب والا فسيكون نتاجه غالبا الفشل، ويضيف بان هذا الإحساس لابد وان يتواصل بينهما ودائما تجد بعض المفردات اللغوية عند الشاعر قد لا يفهمها الملحن أو المطرب وبالتالي تواجدهما سويا قد يتيح قراءة النص بشكل أفضل والإحساس به، ويقول طارق عبد الحكيم: أن غالب أعمالنا في السابق تطبق على هذا الأساس من الفهم وهو إيصال فهم إحساس الشاعر للملحن وهو كذلك للمطرب وبالتالي تكون هي أسس التعاون الفني لتقديم الأعمال الجيدة.
في العام 1385ه قدم الفنان سلامة العبد الله الأغنية الشعبية أنا تل قلبي تل- هوى البال في المشتل من كلمات الشاعر أحمد الناصر الشايع، هذا العمل كان خلاصة تعاون فني جمع الشاعر مع الفنان سلامة في "مشتل الخرج" ومن خلال الأغنية يتعرف المستمع على حيثيات القصيدة التي ظهرت خلال التقائهما في نفس المكان وبالتالي كان تلحين العمل وتقديمه لم يكن بعيداً خاصة بتواجد الشاعر والفنان سويا في نفس المكان وتصوير هذه الكلمات لحنياً بالشكل الجيد عطفاً على مايقدم في العمل.
زمن الأغنية الكلاسيكية الجميل يبحث عن الالتقاء لتقديم العمل المميز ليكون النجاح بالتواصل الحسي بين صناعها كما كان في السابق، وهو ما يفقد حاليا بعد..!!