السبت 14 رجب 1428هـ - 28 يوليو 2007م - العدد 14278

التأثير العالمي على المجتمعات النامية

عبدالله الجعيثن

    ولا يوجد مجتمع أو دولة على وجه الأرض كل البيئات فيها صالحة على ما يرام .. لا بُدَّ من نقص هنا.. أو هناك.. وضعف في بيئة مقارنة بأخرى.. وظهور مشكلات مختلفة بعضها خفيف وبعضها خطير..

الإنسان ابن بيئته إلى حد كبير جداً، بيئته الجغرافية بطقسها وتضاريسها وظروفها المختلفة..

وبيئته السياسية بصلاحها أو فسادها، بديمقراطيتها أو استبدادها، وبالمفاهيم السائدة لدى الناس عنها سواء أكانت دقيقة أم مبالغاً فيها، والغالب على الناس المبالغة والتهويل، فإذا عاشوا في بيئة سياسية فيها بعض الاستبداد فإنهم يبالغون في تصور ذلك الاستبداد وتصويره للآخرين، وإذا كان يسودها بعض الفساد فإنهم يغالون في تضخيم ذلك الفساد ونسج القصص حوله، ويجعلون من الحبة قبة.. وتؤثر تلك المغالاة والمبالغات في سلوك الناس ونفسياتهم تأثيراً سيئاً وتساعد - بدون قصد - على تفاقم الفساد..

والإنسان ابن بيئته الاجتماعية أيضاً، بقدر ما فيها من انفتاح أو انغلاق، وعي أو جهل، تطرُّف أو اعتدال، وبقدر ما يغلب عليها من قيم جميلة كالصدق والشرف والالتزام بالوعد واحترام قيمة العمل والإحساس بأهمية الوقت والرشد في الاستهلاك والرشاد في استثمار الأموال، أو بقدر ما يغلب عليها من أخلاق رديئة كالكذب والنصب والاستغلال والغيبة والنميمة، وما تتسم به من مفاهيم متخلفة كعدم احترام العمل ومحاولة التملص من مسؤولياته والتخلص من واجباته بكل الوسائل، وكعادة هدر الوقت والاستخفاف بالمواعيد والاستهانة بالمال والإسراف في الاستهلاك وقلة الادخار والجهل بأصول استثمار المال.. ونحو ذلك..

والبيئة أو الجو الاقتصادي الذي يحيط بالفرد والمجتمع له تأثير أساسي في سلوكه ومفاهيمه، في تطوره أو تأخره، ولو نظرنا إلى التاريخ البعيد والقريب لرأينا كم من الأنظمة الاقتصادية المختلفة سادت في بعض المجتمعات وكيف كانت نتائجها على حياة الناس المادية والمعنوية.. فالدول التي كانت تطبق النظام الشيوعي في الاقتصاد، كانت مجتمعاتها تعاني من التخلف الاقتصادي والاجتماعي والسياسي فضلاً عن تهميش الأسرة أو إلغائها في كثير من الأحيان، وكانت تعاني من مشكلات فادحة ولكنها لا تتحدث عنها أبداً وتدعي أنها مثالية ولا يوجد لديها مشكلات مع أن أمراضها ومشكلاتها منتشرة في كل بيئاتها كالأوبئة، كانت كالمريض الذي يدعي أنه سليم ويرفض العلاج حتى يتفاقم المرض ويموت، وهذا ما حدث لها بالفعل، سقطت سقطة واحدة، وتفتتت وزالت أنظمتها الشيوعية التي كانت تحيط كل بيئاتها بسجن كريه..

@@@

ومن باب أولى أن الإنسان ابن بيئته الصغيرة، وهي أسرته، بما تتصف به من وعي وحسن تربية، وتكوين للعادات الحسنة منذ الصغر، أو العكس بأن تكون الأسرة جاهلة أو مهملة أو تترك صغارها يتربون كيفما اتفق أو تزرع فيهم العادات القبيحة من كذب وجبن واستخفاف بالعمل والمسؤولية وهدر للوقت والمال، والأسرة الجاهلة المهملة لا تفعل هذا عن قصد، ولكن بما أن حالها على تلك الشاكلة السيئة فإن صغارها يتعودون على ما تعودت عليه، ويقتدون بها بلسان الحال..

كذلك فإن للموروث الثقافي من الآداب والفنون والحكم والأمثال آثاراً في نفس الإنسان وسلوكه ساربة في الأعماق.. ومن البدهي أن لبيئة المدرسة، ومناهج التعليم، ونوعية المدرسين، تأثيراً عظيماً في تكوين شخصية الناشئة وتلقينهم مفاهيم جيدة أو خاطئة، وتعويدهم على الجد والاجتهاد، وعشق الطموح والتفوق، وحب الاتقان، أو دفعهم إلى الخمول والاستخفاف، وتعويدهم على المراوغة والتهرب والغش..

@@@

وتلك البيئة المختلفة تتشابك مع بعضها كأنها نسيج القماش، وتترابط كالسلسلة الواحدة، في أغلب الأحوال، ويؤثر بعضها على بعض، فالتخلف الاجتماعي يجبر ساسة المجتمع على مسايرته ولا يمكن مواجهته بقرارات حادة تغير اتجاهه بسرعة، فإن المجتمع يرفض التغير السريع بعنف، ويقابله بسلبية، فلا بد من التدرج في نقله من حالة التخلف الاجتماعي إلى آفاق التقدم والرحابة وسعة الأفق والاستفادة من كل ما هو صالح في الدنيا بمبدأ (الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أولى بها)، والسياسة هي (فن الممكن) ولا يمكن تغيير مفاهيم اجتماعية راسخة بسرعة.. كما أن التخلف السياسي ينعكس على الحياة الاجتماعية، ويخذل الواعين فيها، وينحدر بالمجتمع، والمفارقة أن المطلوب منه هو رفع المجتمع ونهضته..

وقس على ذلك حال البيئات الأخرى فهي سلسلة واحدة لا بد أن تقوى جميع حلقاتها بالتدريج والصبر، حتى لا تنقطع منها حلقة أثناء الإصلاح والنمو والنهضة، وبما أن السلسلة تقاس بأضعف حلقاتها فإن تلك الحلقة الضعيفة هي التي ينبغي التركيز على تقويتها أولاً، حتى لا تنقطع فتنبتر سلسلة الجهود، ويصبح ما يبذل من جهود عظيمة للإصلاح يذهب معظمه هدراً لضعف حلقة أو أكثر من تلك السلسلة المترابطة التي يؤثر بعضها في بعض.

@@@

ولا يوجد مجتمع أو دولة على وجه الأرض كل البيئات فيها صالحة على ما يرام .. لا بُدَّ من نقص هنا.. أو هناك.. وضعف في بيئة مقارنة بأخرى.. وظهور مشكلات مختلفة بعضها خفيف وبعضها خطير.. وتفشي ظواهر اجتماعية غير طيبة تزيد أو تنقص حسب المتابعة والمبادرة بالعلاج.. خاصة أن العصر الحديث قد تلاحم مع بعضه، وزحفت المجتمعات على المجتمعات، وكادت وسائل الإعلام والاتصال وثورة التغذية تمزج العالم ببعضه وتغزو صالحه بطالحه، وطالحه بصالحه، بحيث صنعت ثورة التقنية (بيئة عالمية كبرى) تدخلت في كل شيء، ودخلت كل البيوت، ونافست البيئات الصغيرة التأثير على إنسانها ومجتمعها، وقد تُعوِّق ما يراد له من صلاح، وقد تساعد على تحسين بعض المفاهيم، ولكنها في كل الأحوال تشكل تحدياً حقيقياً لمختلف البيئات المحلية من أسرة ومدرسة وسياسة محلية وثقافة قومية بل وتؤثر في القيم الدينية والأخلاق والمفاهيم..

والمشكلة أن الذين يتحكمون في ثورة الاتصالات - صناعة ومحتوى - هم الدول الغالبة في عالم اليوم.. وينشرون عبرها مفاهيمهم في الحياة، ونماذجهم في السلوك، وقيمهم المختلفة، وقد يؤدي هذا عبر السنين إلى مسخ كثير من المجتمعات وطمس هويتها الحقيقية خضوعاً لقاعدة (تقليد المغلوب للغالب) وهو ما حدث لتركيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، فقد تخلت عن هويتها الإسلامية وعن تراثها التاريخي والاجتماعي ولم تَقُمء بالحفاظ على تلك الهوية وذلك التراث مع الاجتهاد في النهضة المرتكزة على جذور الأمة، والمقبولة من عقولها وضمائرها، بل سعت إلى التغريب بشكل سريع، وتنازلت عن الكثير، فلم تفز بما تريد.. على العكس حدث لها تأخر اقتصادي واجتماعي وحيرة ملموسة أو غير ملموسة بين الدول فلم تسلك الدرب الصحيح وهو الاحتفاظ بدينها القويم كأساس، وبتراثها البعيد كأعماق، مع التحديث الذي لا يعارض ذلك، وها هي الآن تتقرب إلى أوروبا بشتى الوسائل، وتنازلت كثيراً بهدف الانضمام للوحدة الأوروبية، وتحملت نظرة الدونية والتشكيك دون أي مكاسب..

وفي النموذج المقابل نجد أن اليابان خرجت من تلك الحرب بوضع أسوأ من وضع تركيا، ولكنها حافظت على شخصيتها ولغتها وتراثها وأضافت له كل مفيد من مكتسبات التحديث، في عمل عصامي جاد لا ينتظر مساعدة أو توجيهاً من أحد، فلن يصلح أي أمة سوى أبناؤها.. وهو ما عملته اليابان.. وألمانيا .. بعد الحرب.. وقد نهضتا نهضة كبرى بعد كفاح أصيل جاد، لم تتخل فيه اليابان عن هويتها أو أصولها وتراثها، وها هي ذي تفرض احترامها على العالم كله، ويشكل اقتصادها ما يقارب خمس اقتصاد العالم كله، ولم تقم ببناء مجتمعها واقتصادها وإنسانها فقط، بل ساهمت بشكل ملحوظ ورائع في بناء اقتصاد العالم كله..

@@@

إن قاعدة ابن خلدون في تقليد المغلوب للغالب هي أخطر ما تكون في عالم اليوم.. لأنها تجعل البيئات المحلية أضعف حلقة في السلسلة العالمية.. فبمجرد انقطاعها تذوب في الغالب، وهذا أخطر منه حين كان الاستعمار مباشراً والغزو ملموساً ظاهراً.. فإن ثورة الاتصال جعلت المفاهيم المختلفة للأمم الغالبة تغزو الكبير والصغير، الشوارع والبيوت، أساليب العمل ونماذج الاقتصاد ومفاهيم الأخلاق وحرية الانحلال..

إن البيئة العالمية أقوى من أي بيئة محلية في التأثير والتغيير على المدى الطويل.. بسبب جاذبية القوالب والأشكال التي تنشر تلك المفاهيم.. وما يستخدم فيها من أنواع الإغراء المشروع وغير المشروع.. إن مجرد الانفتاح الكامل أو شبه الكامل الذي يناقش مختلف الأمور والمفاهيم بشكل مفتوح وبحرية تامة أو شبه تامة هو بحد ذاته إغراء لا يقاوم.. يضاف إلى هذا أن كل مظاهر الجمال الفني والإعلامي والأدبي بل والجسدي مسخرة للتأثير.. وأنها لا تفصح عن أهدافها بشكل مباشر حتى لا تجد أي محاكمة أو تصادم.. بل تقدم مفاهيمها وأهدافها في قوالب جمالية وإبداع فني وذكاء إعلامي يجعل الرسالة تصل وتُقءبَل بل وتدخل لعقل المشاهد والقارئ والمتابع بدون شعور.. في أكثر الأحيان بعكس الأهداف المخطط لها في البيئات المحلية فإنها تقدم على شكل نصائح أو أوامر أو ما يشبه الأمر، ووسائل الإعلام في معظم البيئات النامية تحاول تحقيق أهدافها بما يشبه الإعلان المكشوف لا الإعلام الراقي المدروس، وعند مقارنة المتلقي بين الأمرين - وكلاهما متاح له - يحس بشغف في متابعة البيئة العالمية والزهد فيما يُقَدَّم محلياً..

ثم إن منابع الخبر في العالم - وأولها الخبر السياسي، تسيطر عليها وكالات الأنباء العالمية سيطرة مطلقة تقريباً، وكلها وكالات أنباء غربية، فهي التي تصنع الرأي العام..

فإذا دمجنا ذلك كله بقاعدة ابن خلدون في أن المغلوب يقلد الغالب أدركنا جسامة التحديات التي تواجه مجتمعنا، والمجتمعات العربية والإسلامية، في الحفاظ على هويتها مع تحقيق التحديث المفيد الذي لا يمسخ الهوية ولا ينال من قيمنا الإسلامية، خاصة أنه سيكون كتقليد القرود.. ضياعاً.. يقول العلامة العربي المسلم عبدالرحمن بن خلدون ( 732- 808) تحت عنوان: "المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب" (والسبب في ذلك أن النفس أبداً تعتقد الكمال في مَنء غلبها وانقادت إليه، إما لأنها تنظر له بعين الكمال لما وَقَرَ عندها من تعظيمه، أو لما تُغالط به من أن انقيادها ليس لغلءب طبيعي وإنما هو لكمال الغالب، فإذا غالطت بذلك واتصل لها اعتقاداً فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به وذلك هو الاقتداء.. أو لما تراه من أن غلب الغالب لها ليس من قوة وبأس وإنما هو بما سلك من مذاهب وعوائد وأساليب، وبما سبب عاداتها هي ومذاهبها وأساليبها كانت هزيمتها، فإذا اعتقدت ذلك تخلت عنها، ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبداً بالغالب في ملبسه ومركبه وسائر أحواله.. وانظر إلى تقليد الأولاد الصغار وتشبههم بآبائهم دائماً وما ذلك إلا لاعتقادهم الكمال فيهم..

وانظر إلى كل قطر من الأقطار كيف يغلب على أهله تقليد الأمة التي غلبتها وطال عهدها بذلك".

مقدمة ابن خلدون ص 147باختصار وتصرف يسير.