قليل من الإنصاف.. يا صاحب الفضيلة
اطلعت على رد صاحب الفضيلة الشيخ (محمد بن سعود الجذلاني) القاضي بديوان المظالم في صحيفة "الرياض" يوم الأربعاء 1428/7/4ه، ورغم عدد صفحاته الضخم.. رأيت ان افضل مناقشة لرأي فضيلته.. إنما يكون على هيئة عصف ذهني للنقاط الأساسية:
أولاً: يبدو لي يا صاحب الفضيلة انك متابع جيد للمقالات على مدى عامين بدأتُ خلالها مشوار الكتابة الصحفية المتخصصة.. ولكن مع الأسف البالغ.. لم يكن ذلك حافزاً لك على الإنصاف في القول كما سيرد لاحقاً.. ولأكون منصفاً في الرد على الجزئية المهمة جداً من حديثك..! عندما بدأت ردك ساخراً بقولك: "إشارة إلى ما كتبه الأخ عثمان بن سليمان العيسى والمشار إليه بالباحث في أنظمة العقار وسابقاً يذكر بأنه معاون قضائي.." فإن هذه المراحل التي ذكرت يا سيدي.. إنما هي سنين عمري أقطعها بالمتغيرات..!
ثانياً: يا ترى.. هل خفي على فضيلتك وأنت تشير بقولك: "ونظراً لما انطوى عليه هذا المقال في جانب العقيدة وما يحمله من مساس بذات الله عز وجل.." قول ابن القيم: (الكلمة الواحدة يقولها اثنان، يريد بها احدهما اعظم الباطل، ويريد بها الآخر محض الحق.. والاعتبار بطريقة القائل وسيرته ومذهبه وما يدعو اليه ويناظر عنه).. وهل غاب عنك قبل ذلك وأنت طالب العلم!.. الأصل الشرعي الصريح لهذه العبارة الصحيحة في معناها.. من قول الرسول صلى الله عليه وسلم "لولا انكم تذنبون لخلق الله عز وجل قوماً يذنبون فيغفر لهم".. هذا من جهة.. ومن جهة اخرى فإن العقل السليم المصحوب بسلامة نية وحسن طوية.. إنما يفسر المقولات الإنسانية على افضل المحملين.. كما ارشدنا الى ذلك سيد البرية عليه الصلاة والسلام.. ولكن يبدو انك احد المؤمنين بفقه المؤامرة!.. المؤامرة التي لو اردت ان اعاملك بمثلها.. لما كنت نظرت بغاية البراءة.. إلى قصيدتك الغارقة في بحار التصوف (تسابيح مفتون)..!
أما قولك بأن المواضيع لا قيمة لها ولا وزناً.. فإن هذا الأسلوب الإنشائي الخطابي لفضيلتك لا يصلح عزيز لصحيفة وقراء بحجم "الرياض".. فقط "أنر الزاوية التي انت فيها" كما تقول الحكمة الروسية.. ودع الحكم للقارئ المنصف!
ثالثاً: يقال بأن إبراهيم النظّام - شيخ المعتزلة الشهير - قال ذات مرة لأحد أصحابه: أتعرف فلاناً المجوسي؟، قال: أجل أعرفه، ذاك الذي يحلق وسط رأسه مثل اليهود، فقال النظّام: يا بني.. لا مجوسياً عرفت ولا يهودياً وصفت!.. أنا أشكر لفضيلتك الجزم الذي لا أعرف لم أتيت به في قولك: "وأنا أعلم يقيناً أن الكاتب حين كتب هذه العبارة لم يكن ليريد بها معناها إلا أنه حمله على ذلك المبالغة في التعبير والتفيهق في الكلام.." لأنك إن كنت متأكداً من سلامة نيتي وصدق عبارتي.. فمقالك حينئذ لا فائدة منه!.. فالموقف قد تحدد قبل الكتابة أصلاً!.. وإن كان غير ذلك فكيف تجزم وترد في اللحظة ذاتها.. أليس هذا من التناقض العجيب؟!
وإني اذكرك يا صاحب الفضيلة بأن السب والشتم حيلة الكسالى والعاجزين.. الذين أربأ ان تكون منهم.. فمن السهل جداً.. ان ترميني بقائمة طويلة عريضة من الشتائم.. ومن الأسهل ان تدعي امتلاك الحقيقة عندما تطلق على كلماتي عبارات من وزن (سقطات لا تغتفر) واعلم حينئذ.. ان سيصفق لك الجمهور بحرارة.. لكن.. سيكون من الصعب عليك ان تزرع في ذهني موقفاً تجعلني أراجع به أفكاري.. أليس كذلك؟!
رابعاً: حديث فضيلته في قوله: "وأما في جانب ما حمله مقال الكاتب من افكار فإنه جاء بصورة التهكم على عمل جليل لرجال فضلاء.. ولا أعلم ما يقصد هل هو مدح هذا الانتقاء أم ذمه..".. خير مثال على التطبيق العملي للحوار القمعي المنفتح!: اذ يجيب عليك ان تتهم ثم تبحث عن الدليل - وفيما بعد - قل على لسان من تنتقده ما شئت.. فإذا سئلت عن البرهان على نقلك.. فقل انا متأكد ولكن لا ادري أين!!
خامساً: لا يوجد اثقل على نفس الكاتب من ان يعيد تحليل وتفسير كلماته.. كما فهمها فضيلتك: "للاطلاع على منجزات السلطة القضائية.. فصيغة هذه العبارة ثم ختمها بعلامة التعجب غاية في الحط من قدر المنجزات والغاية من الزيارة".. ان هذا يشبه ان تطلق نكتة لا يفهمها الجالس فتلجأ الى تفسيرها.. لتصبح انت وهو والنكتة في موقف لا تحسدون عليه..!
يا سيدي هناك ارضية مفقودة بيننا تماماً في بنية التصور.. والتفكير.. والمنطلقات الذهنية.. تجعل الحوار مدعاة للرثاء.. ان هذه القرائن التي تذكرها هي قرائن واهية غير موصلة بالتعبير القضائي.. ولا يقوم بها عماد قضية.. صدق جلال الدين الرومي عندما قال: المرء مع من لا يفهمه مثل السجين..!.
سادساً: تذكرت وأنت تقول: "ثم انتقل الكاتب للتعليق على كلام الشيخ الهزاع.. وجعل كلام الشيخ حول تأخر القضايا.. وسيلة لإلغاء ونسف ما تقوم به وزارة العدل ممثلة بوزيرها المتوثب الطموح..).. مقالاً لخالص جلبي ذكر فيه بأن لا شيء اضر على قضية من معالجتها بالحماس مع الجهل!.. يا صاحب الفضيلة انه متى وصلنا في تفكيرنا الى مرحلة من (الإنصاف) في ان اعظم النقد.. هو نقد الذات.. لأنها لحظة مواجهة الحقيقة.. فلقد انتهينا الى ما افنى به الفلاسفة اعمارهم..! هذا من جانب.. ومن جانب آخر.. هل يلامس فضيلتك واقعنا (المر) فعلاً.. أم ترتشف من (مديحك النخبوي) رشفات هن احلى في فمك من (الحق)..!.
وإذا كانت مشاعرك تتكئ على آرائك الشخصية.. وآرائك ترتكز على اوهامك.. فعلى اي اساس نصبت نفسك متحدثاً باسم جهاز عريق بأكمله.. وذلك عندما تحدثت باسم (ديوان المظالم).. مخالفاً بذلك واحداً من ابسط اجراءات القانون الإداري الذي تحكم بموجبه..!.
سابعاً: سمعت احدهم ذات مرة يقول بأنك اذا احتفظت برباطة جأشك بينما الجميع حولك يفقدها.. فربما لم تفهم بعد ما الذي يجري..!.
ان النهوض والتصحيح الذي يطمح إليه فضيلتك بقولك: "ان انكار مثل هذه الجهود العظيمة والسعي لإلغائها.. لا يتفق مع العدل في القول والحكم.. وإن طريقة بعض الناس في المبالغة بجلد الذات لا تعد وسيلة للنهوض والتصحيح" لا تنشق له السماء.. بمجرد الأمنيات وكيل المديح..! بل لابد ان تقوم بواجبك ليأتيك حقك الذي تطالب به.. ألا تعلم بأن الحقوق لا تؤخذ ولا تعطى.. بل هي ثمرة طبيعية للقيام بالحق.. الذي هو سلطان من لا سلطان له..؟!.
ثامناً: من السهل ان يختلق احدنا الأعذار.. ليبدو كأنه يتحمل الآلام من اجلنا.. فتلك وصفة لا تحتاج سوى الى واد من الدموع.. وقدرة معقولة على إلقاء العبء على الظروف!.. خصوصاً عندما يتشبع قائله بكلام على شاكلة: "أذكّر الكاتب والقارئ ان مسألة تأخر القضايا في المحاكم مشكلة تؤرق اغلب او جميع دول العالم.. والتي تصل الى عشرات السنين في اكثر الدول تقدماً".
ربما لا يعلم فضيلتك بأن هذا التبرير هو الذي انتهى المفكر العبقري "مالك بن نبي" رحمه الله الى انه اعظم داء اصاب الأمة بمقتل في هذا العصر اعني "مرض السهولة".. ومن يصاب به.. يطمح ان يكون مناضلاً لكن بأخف التكاليف.. ويرغب ان يصبح منصفاً لكن بأبخس الأثمان.
إن العقلاء فقط يا صاحب الفضيلة.. هم القادرون على النظر للمشكلات دون تشنج.. لا يتبرأون منها.. لكنهم ايضاً.. لا ينسجون على منوالها.. متعذرين بأن هذا حال الجميع.. لو رجع فضيلتك للماضي قليلاً.. وقرأت مقالي الذي عنونته ب(المركز الثالث).. لعلمت يقيناً بأنا رغم كوننا من دول العالم الثالث.. فلقد حققنا (المركز الثالث) عالمياً في تسهيل اجراءات انتقال العقار.. حسب تصنيف مشروع منظمة الأمم المتحدة الإنمائي.. متفوقين بذلك على اكثر دول العالم تقدماً حسب تعبيرك.. أليس المستعد للشيء يكفيه اضعف اسبابه..!.
إن الكتابة يا (صاحب الفضيلة) نوع تفريغ وأداة ترميم ومشرط جراح.. ولذا.. لا أكتب لأمدح!.. بل لأصلح.. اكتب.. ليغبَّر قلمي في سبيل تجلية الحقيقة.. لا شيء سوى الحقيقة.. هل تعرف الحقيقة؟!!