الرئيسية > الرأي

"العطارون" ما بين التخلّف الحضاري والتخلّف العقلي


د. عبدالعزيز بن زيد الشعلان

أن يقذف إنسان بلعبة فارغة من نافذة سيارته في الطريق.. فذاك تخلف حضاري.. أما أن يستسلم لأعمى يقوده فذاك تخلف عقلي.. ولعل الشاعر بشار بن برد لم يذهب بعيداً حين قال:

أأعمى يقود بصيراً لا أبا لكم؟

قد ضل من كانت العميان تهديه

رماني القضاء في أحد أسواق العطارة بالرياض.. فدخلت أحد الدكاكين بها.. فضولاً لا حاجة.. وقد أذهلني كثرة ما يغشى ذلك المكان من "المرضى" الباحثين عن الشفاء بين رفوفه المبعثرة. لقد كان المنظر يثير الشفقة والإعجاب معاً.. الشفقة على أولئك "المرضى" الذين يبحثون عن العلاج لدى أمي لا يقرأ ولا يكتب ولا حتى يتكلم العربية.. والإعجاب بهذا العطار الذي استطاع إقناع هؤلاء "المرضى" بجدوى ما يلف لهم من أعشاب في وريقات صغيرة.. وكان يجيب على أسئلتهم بثقة يغبط عليها كما لو كان أحد جهابذة الطب في العالم. وإمعاناً في الإقناع والثقة بالنفس فقد طبع برشوراً يوضح قدراته العلاجية وما لديه من أدوية عجيبة، يوزع مجاناً على زبائنه موضحاً به العنوان والتلفون وفوائد وصفاته. وإليك أيها القارئ الكريم بعض ما جاء فيه، ولا تسلني يا صاحبي عن عنوانه فهو منافس خطير لي:

تحت عنوان فوائد وصفة (فلان) الذهبية ما يلي:

- شفاء من كل داء (لاحظ أيها القارئ أنه ليس هناك استثناء حتى الموت إن جاز تسميته داء).

- شفاء من الأمراض المزمنة.

- شفاء من العين والسحر والنفس.

- شفاء من القلق والاكتئاب والإرهاق (ولعله يقصد الإرهاق من مراجعة الدوائر الحكومية إذ أنه أكبر إرهاق يلقاه الإنسان في حياته هذه الأيام).

- شفاء من العقم والبهاق وكثيراً من الأمراض (هكذا وردت كثير منصوبة).

- حماية لكل من العين والسحر (أي كالتطعيم لدى الأطفال يحميهم من الأمراض).

- وذكر استعمال الشب.. وهو مادة ثبت علمياً أنها مسرطنة وبالذات عند النساء.

وقد ندهش لماذا سرد هذه الأمراض بعد أن ذكر في البند الأول أن وصفته شفاء لكل داء.. فهذا تكرار لا معنى له.. ولكن لعله أراد تأكيد فوائد وصفته!.

ولاكتمال معالم الصورة المأساوية لما انحدرت إليه بعض العقول وفتك داء الجهل والشعوذة بها.. إليك شروط استعمال هذه الوصفة العجيبة كما جاءت في البرشور:

1) تطحن الخلطة وتوزع في 7أكياس بالتساوي.

2) يغتسل بها الشخص لمدة سبعة أيام، كيس كل يوم بماء 5لترات.

3) يكون وقت الاغتسال من بعد صلاة العصر في دورة المياه!. (هكذا جاء تحديد دورة المياه ولا أعلم إذا كان هناك مكان آخر للاغتسال).

4) يشترط عدم وجود الصور المعلقة والدش (ولم يوضح المقصود بالدش هل هو دش الماء أم دش الاستقبال؟).

5) يشترط عدم وجود الخادمة الكافرة (وكذلك لم يوضح هل وجودها في البيت أم في دورة المياه مع المغتسل!).

6) عدم وجود السائق الكافر (لم يوضح عدم وجوده في المنزل أم في الحمام لتدليك المغتسل).

إنها مأساة مضحكة مبكية.. ففي القرن الحادي والعشرين توجد مثل هذه الممارسات جهاراً نهاراً بين ظهرانينا.

ومع الشفقة على أولئك "المرضى" والإعجاب بذلك "الطبيب" الوافد، فالحقيقة أني شعرت بالخجل.. فأنا في عيادتي الصغيرة لا أستطيع علاج كل داء في الأنف والأذن والحنجرة.. بينما هذا العطار يستطيع علاج كل أمراض الجسد. ولعله ليس خجلاً فقط. وإنما شعور بالغيرة والحسد. فلو استطاع هذا العطار شفاء جميع الأمراض.. فماذا عساي فاعل..؟، فأنا لا أتقن صنعة سوى الطب.. إلا أن أتجه إلى سوق الأسهم وما أدراك ما الأسهم.. فهي لواحة للبشر عليها تسعة عشر لا يستفيد سواهم. لكن خطر ببالي سبب آخر.. إذ كيف للدولة أن تنخدع بترهات الطب الحديث.. فتنشئ المستشفيات وتستقدم الأطباء والفنيين وتبعث البعثات وقبل هذا تنشئ وزارة للصحة تكتظ بالموظفين الذين يترقبون بلهفة شديدة رواتبهم كل شهر.. أقول كيف للدولة أن تفعل هذا ولديها مثل هذا العطار الذي يشفي جميع الأمراض؟ فلو استعانت بمثله لأراحت وارتاحت من عتب الناس عند تسولهم أمام أبواب المستشفيات، في زحام شديد، لطلب العلاج، ناهيك عن الانتظار سنوات طويلة للفوز بعملية هنا أو هناك. وفضلاً عن هذا فسوف توفر الدولة أموالاً طائلة تنفقها على متضرري "إعصار" الأسهم.. وإيجاد مواصلات كريمة وشق طرق وأنفاق تخفف معاناة الناس كل يوم، ولوجدت وزارة التربية ما تشتري به مقاعد ومباني لجميع مدارسها.

ولكن إذا ما أبت وزارة الصحة نصيحتي في الاستعانة بهؤلاء المشعوذين فلماذا تتركهم يعبثون بصحة الناس ويعيثون في الأرض فساداً دون رادع أو حسيب. هل تعجز أجهزة الدولة عن ردع هؤلاء؟ فكثير ما نرى - كأطباء - الفشل الكلوي وأضرار الكبد وفقدان السمع والشلل نعم الشلل وغير ذلك نتيجة هذه الممارسات. وأحسب أن في وزارة الصحة من قد يقول إن الإشراف على الأعشاب والطب الشعبي ليس من اختصاص الوزارة.. وهذا كلام مغلوط ومردود على صاحبه. فمهمة وزارة الصحة الإشراف على صحة الناس وطرق علاجهم.. وإذا كان هناك فجوات في النظام لم تكتمل بعد لتتيح لوزارة الصحة الإشراف على هذه الشعوذات.. فعليها استكمالها.

إن المجتمع ممثلاً في مؤسساته الرسمية وأفراده مدعوون بل مطالبون بالوقوف بحزم أمام هذا المد المنحرف الذي لا يبحث إلا عن المتاجرة بعقول الجهلة ومعاناة الناس دون رادع من دين أو أخلاق.. أن هذا الموضوع بدأ بالتفشي في المجتمع.. من ضعاف نفوس في الداخل والخارج.. وما تبثه قنوات فضائية عن هذه الشعوذات خير دليل على ما نعيشه من مأزق أخلاقي.. إن الإعلام ورجال الدين والمربين والمفكرين مسؤولون أمام الله وأمام ضمائرهم في إنقاذ هذه الأمة من مأزقها الحضاري والأخلاقي. إن وقوفنا متفرجين على مآسي أمتنا سنُسأل عنه يوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 6

  • 1
    اشكرك دكتور على طرحك هذا الموضوع الذي يدمي القلب حقيقة
    ولكن كيف لك ان تقنع كبار السن بعدم استخدام الوصفات التي جربوها؟؟
    وجابت نتيجة حسب قولهم وخاصة تلك التي تكون بالعسل وتعالج القولون
    وشكرا لك..

    د/نوف - زائر

    07:07 صباحاً 2007/07/20


  • 2
    ألف شكر لدكتورنا الفاضل وأعجبني الإسلوب النقّاد البنّاء الشّامل الممتع. لكم مني أجمل التحية والتقدير،،، وبالتوفيق لمقالات هادفه.

    Eng.Ali - زائر

    08:43 صباحاً 2007/07/20


  • 3
    يعطيك العافيه يادكتور
    والله اني فطست ضحك ؟ (ولم يوضح الخادمه في البيت او في الحمام)
    الف شكر

    fahad - زائر

    10:26 صباحاً 2007/07/20


  • 4
    لا وابن أمك تسأل عن أية تفاصيل...
    والله كنت زائر لأحد هؤلاء ابشوف وش عنده من علاج.. المهم كان أحد "المرضى" يسأل عن كيفية دواء وعن سعره الباهض.. قال له: أنت موسوس والموسس ما ينفع معه علاج و... و.. والمسكين صاحبنا يقول انه أتى من مكان بعيد وعلى ما يبدوا أن المبلغ المطلوب سيكهله كثيرا... صدقني بالالاف!
    أخذت بعضي ومشيت..
    لكن يبقى السؤال هو لماذا يردي هؤلاء البشر الى هذه النوعية من الأطباء؟
    هل هي توهمات أصبحت حقائق؟ أم هناك فائدة مجنية من بعض هذه الوصفات؟
    من دون أية حصائيات، قد تكون الإجابة 90\10.. لأني قابلت أناس بالفعل كان يشكون من مرض معين وشفيوا بإذن الله بعد زيارتهم للمعيقلية لكن لم يكن مرضهم الموت. :)

    عبدالكريم - زائر

    10:49 صباحاً 2007/07/20


  • 5
    لماذا لا يكون هناك ناس متخصصين لأن هذه الخلطات خطيره مثل الإدويه أو أشد خطوره..
    احد قريباتي أصيبت بتشنج في الإعصاب بسبب خلطه تأخر حملها لفتره طويله وأخذة هذه الخلطه وتعاني من هذه المشكله من 7 سنوات وبدأت تتحسن ولله الحمد.

    محمد ناصر - زائر

    01:11 مساءً 2007/07/20


  • 6
    أحسنت يادكتور : بصراحة افضل موضوع قراته حتى الآن هذا اليوم وانا قد تصفحت عدة صحف ؛ مابين محلية ودولية إلى الآن
    شكرا جزيلا لك وإلى الأمام
    أخوك : أحمد.قطر

    أحمد - زائر

    04:38 مساءً 2007/07/20



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة