يقول أحد كبار السن الذي يعيش في الغرب "لقد راحت عليّ في المرتين. عندما كنت طفلاً لم يكن هناك اهتمام بالأطفال، وكان الاهتمام بكبار السن أكثر. وعندما أصبحت شيخاً أصبح الاهتمام بالأطفال أكثر، وهكذا لم أجد ما استحقه من عناية ورعاية وأنا طفل، كذلك لم أجدها وأنا كبير في السن" .
إن هذه المقولة تذكرني فعلاً بحال كبار السن الذين اعتبرهم فئة ضائعة في كل المجتمعات بدرجات مختلفة، والغريب أنه حتى في تطور علم نفس النمو كان الاهتمام في البداية بمرحلة الطفولة والمراهقة على أساس أن التغيرات في هذه المراحل ملاحظة وواضحة بينما أهملت المراحل المتقدمة من العمر (الرشد، والكهولة، والشيخوخة)، ورغم أننا تغيرنا في نظرتا العلمية لهذه المراحل إلا أننا ما زلنا مقصرين جداً في الاهتمام بمرحلة الشيخوخة. لا أقصد ذلك الاهتمام من حيث توفير السكن الجيد، أو الغذاء الصحي، بل الاهتمام والفهم لهذه المرحلة. حيث إن كبير السن يمتاز بسمات نفسية تجعل له عالمه الخاص ومشاعره وآلامه التي قد لا نفهمها.
إن المشكلة التي نقع فيها لا شعورياً هو اعتقادنا بأن كبير السن، غير الطفل فهو ناضج ولا يحتاج منا ذلك الفهم والمراعاة النفسية، بينما الطفل ضعيف وعاجز. والغريب أننا ننسى الآية القرآنية التي ربطت الشيخوخة بالضعف في دورة الحياة التي نمر بها في قوله تعالى: (الله الذي خلقكم من ضعف، ثم جعل من بعد ضعف قوة، ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبة، يخلق ما يشاء وهو العليم القدير). ولاثبات اهمالنا لهذه المرحلة من العمر شاهدوا كم مرة نحتج ونكتب ونحذر من ترك أطفالنا مع العاملة المنزلية. ولكن بربكم كم مرة كتبنا وحذرنا من ترك كبار السن لدينا مع العمالة الوافدة؟. وهذه حقيقة رأيتها وسمعتها من كبار السن بأنه لولا الشغالة بعد لطف الله سبحانه وتعالى لما وجدوا من يهتم بهم. كذلك من الناحية النفسية كبير السن يميل إلى الحديث عن الماضي، عن الذكريات التي تقاسمها مع أسرته. وبالتالي ماذا سيتقاسم هي أو هو مع عاملة لا تتحدث لغته ولا تفهم مشاعره وثقافته؟ إن هناك نوعاً من العلاج النفسي الناجح بالذات مع كبار السن ويسمى "قصة الحياة" حيث يسرد الشخص قصة حياته وما فيها من ذكريات ما استطاع تحقيقه من رغبات، وما تمنى أن يحقق وهكذا عملية مراجعة لتاريخه. هذه العملية تحتاج لمستمع جيد. ولن يكون هناك ما هو أحسن من شخص عاش معك هذا التاريخ.
إن الاهتمام بكبار السن يأتي في الغالب عندما نكون نحن الأبناء في مرحلة الرشد وبالتالي يكون لدينا من المشاغل والأعباء اليومية ما قد يجعلنا مقصرين تجاه والدينا فعلى سبيل المثال كثيراً ما يجد الأبناء والبنات أنفسهم في موقف حرج في الاهتمام بأطفالهم الذين قد يكونون في مرحلة الطفولة والمراهقة والاهتمام بوالديهم الذين يكونون في مرحلة الشيخوخة لأن ذلك قد يحتم التعامل مع فئتين مختلفتين تماماً من حيث النشاط والمتطلبات وكلا الفئتين لا نستطيع حتى الجمع بينهما ولكن هذا لا يمنع من تخصيص بعض الوقت لكبار السن خاصة أنه من واجبنا الإسلامي والأدبي أن نعطي بعض الوقت لهم، أن نجلس معهم. نستمع لأحاديثهم، أن لا نشعرهم بأنهم أصبحوا نسياً منسياً وأننا رمينا بهم في مخزن الحياة وأن لا نتركهم للأيدي العاملة والغرباء. ولنتذكر دائماً أننا في قائمة الانتظار.
وقفة:
قال تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً، اما يبلغن عندك الكبر احدهما أو كلاهما. فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما. وقل لهما قولاً كريماً، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة. وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيراً) صدق الله العظيم.
1
شكرآ على الموضوع المتميز ومقالك في الصميم
وفاء - زائر
05:41 صباحاً 2007/07/19
2
مقال علمي شيّق بنكهة شعبية كالعادة..
وبأسلوب بسيط ومحبب ؟!ربما كشخصيتك يادكتورة حنان.. كما حللتها أذني..
كلماتٌ متعوبٌ عليها.. وبأسلوب ٍ نخبوي/شعبي.. معجونٌ بتجارب إنسانية ثرّة !
نسمعك دوما ً في برنامجك مع الرائعة " نوال بخش " دردشات نسائية جميلة.. رغم صوتك المتهدج القادم من منابع النيل الأبيض.. الموحي بالأصالة والانتماء لكل ماهو عربي ومسلم.. المتناغم مع حيوية وجرأة صوت وأسلوب السيدة الفاضلة نوال.. رغم مقاطعاتها ودعمها المعلوماتي والمعرفي لما يطرح من مواضيع.. ورغم تغيّر موعده إلى بعد ظهر الخميس !! لكن يالله لأجل عين... مشوّقةٌ تلك المداخلات رغم خلوّها من الموسيقى التصويريةالباذخةالمدعمة بالديكور المبتذل.. والزيف الفضائي.. والحكي المغناج !؟
حفظكما المولى ورعاكما..
shajan96@hotmail.com
أبو جو د انه - الرياض - زائر
05:44 صباحاً 2007/07/19
3
مقال حقيقة أكثر من رائع لانه من الواقع
نحن تناسينا مراعاة كبار السن والعطف عليهم بحجة انهم "مهرفين" ان صح التعبير
وكأننا تناسينا ايضا اننا في يوم من الايام سنرد الى ارذل العمر ونحتاج ممن يلقي علينا بكلمه اوحتى بنظره حنان
وقفة مع هذا الحديث*عن انس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ماأكرم شاب شيخا لسنه الا قيض الله له من يكرمه عند سنه
حصه - زائر
06:25 صباحاً 2007/07/19
4
لديّ نصيحة لكل من عنده والدان أو أحدهما , أن لا يبخل بالحديث معهما والتفاعل مع قصصهم وذكرياتهم القديمة , وأن يحاول قدر الإمكان أن يجعل النصيب الأكبر من الوقت لهما ,,
كنت مسافراً مع والدي (رحمه الله) لأداء العمرة وعند رجوعنا , والوقت ضحى , إلتفت والدي ينظر يمنة ويسرة ويتأمل في تلك الهضاب والصحاري ويتذكر مساكنهم وحياتهم الغابرة..ثم قال بصوت حزين : ( وا شيب عيني شيباه راحت السنين ما كأنها يوم وليلة) ثم أخذت دموعه تتساقط وأنفاسه تتعثر , ولم أتمالك نفسي حتى بكيت من بكائه ووجده على ماضيه.
ستأتي ساعة - عند وفاتهما - تندم على التفريط في تلك السويعات التي أشغلتك الحياة لأن تقضيها بينهم , ولو فكرت ورتبت لوجدت أنها أعذار واهية... تلك الساعة تجر معها آلام أيام وشهور وحتى سنين...لا أشبه هذه المصيبة إلا بالكيّة لن يزول أثرها من الجلد ,, وقد كنت سابقا تظن أنها ستمحى مع الأيام..ولكن خاب الظن ,, ولا ينقذك من هذه الكارثة إلا التسلي مع العالم من حولك , فإذا خلوت بنفسك تجدد همك وحزنك والناس عنك غافلون.
thamer490s1_@hotmail.com
ثامر - زائر
10:01 صباحاً 2007/07/19
5
مشكورة د. حنان
والله يجزاك خير
وكلامك صح 100%
لازم يكون هناك اهتمام بكبار السن وعدم تركهم عند العاملات
بشرى - زائر
11:25 صباحاً 2007/07/19
6
كبار السن منجم للحسنات والثواب واستثمار مضمون ورابح دنيا وآخرة بنسب خيالية لا تخطر على قلب بشر لكل رشيد.
عبدالعزيز عبدالله سالم - زائر
01:27 مساءً 2007/07/19
7
شكرا لك يادكتورة
كنت في مهمة عمل وانتداب لأحد مناطق المملكة وكانت زيارة طويلة لأحد دور المسنين، حقيقة لم امكث في المركز اكثر من نصف ساعة من الحزن والأسى عليهم، كيف استطاع ابناء هؤلاء المسنين ترك أبائهم في المركز. اذا كان القبر عضة لنا من الموت، فمركز المسنين ايضا عضة لنا لأبائنا وامهاتنا.
فهد التميمي - زائر
02:17 مساءً 2007/07/19
8
جزاك الله خير فعلاً نحتاج لوقفة مع انفسنا إتجاه كبار السن اليس ان لهم الفضل بعد الله في سبب وجودنا في هذة الحياة التي نستهم وانستنا حسن التعامل معهم.
عايشة عبدالله - زائر
05:01 مساءً 2007/07/19
9
بعد التحية :
مقالة رائعة جزاك الله خيرا
وكم هي الخاتمة رائعة ((ولنتّّّذكر دائما أننادائما في قائمة الانتظار))
ديمة - زائر
08:33 مساءً 2007/07/19
10
سلمت يداكِ.
سليمان - زائر
09:39 مساءً 2007/07/19
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة