الأربعاء 4رجب 1428هـ - 18يوليو 2007م - العدد 14268

السليم يستغرب طرح المقحم ووقوعه في أخطاء شرعية فادحة

الاختلاط فيه خروج عن الشريعة ومخالفة لدستور البلاد!

ياسر بن عبدالله السليم

    اطلعت على ما كتبه الأخ سعود بن عبدالرحمن المقحم بعنوان: "الخلوة والاختلاط بين التفريط والإفراط!" في جريدة "الرياض" العدد رقم "14261" الصادر يوم الأربعاء 1428/6/26ه، والحقيقة ان الأخ سعود المقحم قد أقحم نفسه في موضوع ليس من اختصاصه، ومن تكلم في غير فنه أتى بالعجائب، وقد قال الأخ سعود عن نفسه في المقالة المشار إليها انه: "يعي ما يكتب ويراعي أحوال المجتمع ويوازن مطالبه ما بين الشرع والعرف، وبين الحاجة والضرورة والعادات والتقاليد" وكأن من قد سبقه في الحديث عن الاختلاط من العلماء وغيرهم لم يكونوا يعون ما يكتبون، ولا يراعون أحوال المجتمع، ولا يوازنون بين الشرع والعرف والحاجة والضرورة والعادات والتقاليد!!.

ليس هذا ما اجريت قلمي لأجله، ولكن ما اريد قوله من هذه الأسطر بيان بعض من الأخطاء التي لاحظتها واضحة في مقال أخي سعود سائلاً الله تعالى أن يوفقنا جميعاً لمعرفة الحق والعمل به.

لقد دعا الأخ سعود في مقالته إلى الاختلاط دعوة صريحة، فقال: "أرجو من أصحاب القرار فتح أبواب المراكز التجارية ومدن الألعاب الترفيهية وما هي على شاكلتها للجميع دون تمييز"، وسمى منح اختلاط الرجال بالنساء مجرد "فصلاً تعسفياً قهرياً"، ونسبه إلى "الأهواء والغلو" وقال أيضاً في عجيبة من عجائبه: "وها نحن ندفع ثمن هذا الغلو المسكوت عنها حتى أصبح التكفير والتخوين أسهل من شرب الماء...!" وما علم الأخ سعود أن من يحذر من الاختلاط ويمنع منه إنما يستدل بنصوص كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويحذو حذو الراسخين من علماء السلف قديماً وحديثاً، الذين كانوا ولا زالوا يحذرون من الاختلاط، ويستنكرون أي حالات اختلاط ظاهرة من شأنها جلب المصائب والبلايا على المجتمع، واضرب لك مثالاً وقع قريباً يدل على حرص العلماء على إنكار الاختلاط والمنع منه اقتداء بحال النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ذاك البيان الذي أصدره سماحة مفتي عام بلادنا المباركة ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والافتاء سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ - حفظه الله ووفقه - وكان مما جاء في البيان: "وقد تابعنا في الأيام الماضية ما جرى في منتدى جدة الاقتصادي من أمور توجب علينا الإنكار والبيان وتوجب على الناس السمع والطاعة لشرع الله والخضوع له، ومما تابعناه في هذا المنتدى اختلاط الرجال والنساء...".

إن الاختلاط خروج عن شريعة الله تعالى، وهو أيضاً خروج عن دستور هذه البلاد المباركة، وعن نظام الحكم فيها، لا سيما ما جاء في الباب الثالث منه، ابتداء من المادة التاسعة إلى المادة الثالثة عشرة. ونصت المادة السابعة على ما يلي: "يستمد حكم المملكة العربية السعودية سلطته من كتاب الله تعالى وسنة رسوله، وهما الحاكمان على هذا النظام وجميع أنظمة الدولة".

وأي خروج عن شرع الله أو عن دستور هذه البلاد هو إخلال بالنظام وخروج لا ينبغي السكوت عليه، وقد حذرت من ذلك المادة الثانية والثمانون من نظام الحكم، وفيها: "لا يجوز بأي حال من الأحوال تعطيل حكم من أحكام هذا النظام".

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله ت 751ه "لا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال، أصل كل بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما انه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا، وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة"، (الطرق الحكمية ص 326).

ولقد علم حكامنا - وفقهم الله - ان الاختلاط أمر نهى عنه الشارع الحكيم، وهذا أمر سار عليه ولاة أمرنا منذ عهد المؤسس - طيب الله ثراه - الذي قال قولة يعجز أن يسطرها إلا من امتلأ قلبه رضاِ وتسليماً بأمر الله عز وجل، وذلك في بيان وجهه - رحمه الله - إلى الشعب عام "1356ه" فقال: "وأقبح من ذلك في الأخلاق: ما حصل من الفساد في أمر اختلاط النساء، بدعوى تهذيبهن وترقيتهن وفتح المجال لهن في أعمال لم يخلقن لها حتى نبذوا وظائفهن الأساسية من تدبير المنزل وتربية الطفل وتوجيه الناشئة إلى ما فيه حب الدين والوطن ومكارم الأخلاق ونسوا واجباتهن الخلقية من حب العائلة التي عليها قوام الأمم وإبدال ذلك بالتبرج والخلاعة ودخولهن في بؤر الفساد والرذائل وادعاء ان ذلك من عمل التقدم والتمدن فلا والله ليس هذا التمدن في شرعنا وعرفنا وعادتنا.. إني لأعجب كل العجب ممن يدعي النور والعلم وحب الرقي من هذه الشبيبة التي ترى بأعينها وتلمس بأيديها ما نوّهنا به من الخطر الخلقي الحائق بغيرنا من الأمم ثم لا تر عوي عن ذلك وتتبارى في طغيانها وتستمر في عمل كل أمر يخالف تقاليدنا وعاداتنا الإسلامية العربية ولا ترجع إلى تعاليم الدين الحنفي الذي جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم رحمة وهدى لنا ولسائر البشر". أ. ه من الدرر السنية "397/14-408".

وفي سياق استدلال الكاتب بأدلة ظن انها تدل على جواز الاختلاط، ذكر حديثاً رواه مسلم في صحيحه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة "من غاب عنها زوجها" إلا معه رجل او اثنان".

والاستدلال بهذا الحديث على جواز الاختلاط استدلال باطل، اذ ليس فيه ما يدل على جواز الاختلاط، وغاية ما يدل عليه الحديث هو النهي عن ان يأتي رجل الى امرأة غاب عنها زوجها فيطلب امراً ما إلا اذا كان بصحبته رجل او رجلان، ولا يمكن لعاقل ان يتصور بأن في هذا فتح لباب الاختلاط.

وقد قال الامام النووي رحمه الله في شرح الحديث: (ان ظاهر هذا الحديث جواز خلوة الرجلين او الثلاثة بالاجنبية، والمشهور عند اصحابنا تحريمه فيتأول الحديث على جماعة يبعد وقوع المواطأة منهم على الفاحشة لصلاحهم او مروءتهم او غير ذلك، وقد اشار القاضي الى نحو هذا التأويل) قلت: ويستحيل ان تضمن المرأة سلامة قلبها وقلوب من تخالطهم من الرجال، او ان تتأكد من عدم تواطئهم على ما يسوؤها!.

ثم هل يتصور ان يمنع النبي صلى الله عليه وسلم من الاختلاط في المسجد وفي الطريق بعد الخروج من المسجد (بوضع باب خاص بالنساء وأمر الرجال ألا يخرجوا حتى تخرج النساء)، ويبيحه في البيوت؟!.

وقال الاخ الكاتب: (واضحى هذا الفصل أحد اسباب الطلاق والعنوسة والشذوذ الجنسي والانحرافات السلوكية) وهذه عجيبة اخرى من عجائبه، اذ ان الشريعة الصحيحة والعقول السليمة والواقع المشاهد، كلها تدل على بطلان هذا الكلام، ومنذ متى كان فصل الرجال عن الاختلاط بالنساء سبباً في العنوسة والطلاق والشذوذ الجنسي والانحرافات السلوكية؟! بل ان الواقع يدل على خلاف ذلك، فالاختلاط هو بعينه سبب رئيس في تزايد حالات الطلاق، وفشو العنوسة، وحدوث انفلات خلقي ينجم عنه انتشار الشذوذ الجنسي والاغتصاب والتحرش وغيرها، ونظرة سريعة في واقع تلك الديار التي تسمح بالاختلاط تبين لك بجلاء مدى بطلان كلامك، ونظرة اخرى في مجتمعنا المحافظ المتقيد بأحكام الشريعة تبين لك بجلاء - ايضاً - مدى التكافل الاسري، والاستقرار الاجتماعي الذي نعيشه في ظل تمتع المرأة بحريتها التي كفلها لها الشرع، بخلاف ما تعيشه المرأة الغربية التي تعيش في بحر من الاختلاط جرها الى ما يسوؤها ويدنس كرامتها، ونساء الغرب انفسهن اعترفن بذلك، واليك مثالاً: (هيليان ستانبري) صحفية أمريكية متجولة، تراسل اكثر من 250صحيفة أمريكية، لها مقال يومي يقرؤه الملايين، عملت في الاذاعة والتلفزيون والصحافة اكثر من عشرين سنة، اعترفت في زيارة لها لاحدى المجتمعات الاسلامية بأضرار الاختلاط، فكان مما قالت: (امنعوا الاختلاط، فقد عانينا منه في أمريكا الكثير، لقد اصبح المجتمع الأمريكي مجتمعاً مليئاً بكل صور الاباحية والخلاعة، ان ضحايا الاختلاط يملؤون السجون، ان الاختلاط في المجتمع الأمريكي والاوروبي قد هدد الاسرة وزلزل القيم والاخلاق).

وقد جاء في هذه الجريدة العامرة (جريدة الرياض) العدد (13689) ان (الصين) بدأت في تطبيق تجربة الفصل بين الرجال والنساء داخل القطارات وذلك بمقاطعة جيانغسو شرق الصين تمهيداً لتعميمها تباعاً على كافة المقاطعات الصينية الاحدى والثلاثين في حال نجاحها، ويأتي ذلك الاجراء - كما جاء في الخبر - على خلفية تقارير تناقلتها وسائل الإعلام المحلية بشكل مكثف في الآونة الاخيرة حول تزايد عدد قضايا (التحرش الجنسي) التي تنظرها اروقة القضاء بمعدل الثلثين على نحو باتت معه النسوة يخشين على سلامتهن حال الركوب مع الرجال في كابينة واحدة.

ختاماً: فإني اتعجب من وصف الكاتب لكل من يمنع الاختلاط ب "الغلو والافراط" "التعسف" "الاهواء" الى غير ذلك من النعوت التي وصف بها من يمنع الاختلاط، ومثل هذا الاسلوب لا يحتاج اليه من كانت لديه حجة قوية ورأي سديد، بل يلجأ اليه من لا حجة له، ومثله الاسلوب العاطفي الذي لجأ اليه الكاتب في ختام مقالته، فقال: "إلى متى هذا الغلو؟! متى نفيق من سباتنا؟!" وكأننا في مصيبة عظمى بسبب منع الاختلاط!!.

هذا ما تيسر ايراده، اسأل الله ان يوفقنا لمعرفة الحق والرضا به والاستسلام له.