الرئيسية > مقالات اليوم

الحرب على لبنان وموقف المملكة


غازي العريضي

المملكة وقفت إلى جانب لبنان في كل محنه . وعملت على حمايته وإنقاذه . ولكن الأهم أن المملكة عادت وأكدت في قمة الرياض الأخيرة على "المبادرة العربية" وبالإجماع وهي المبادرة التي تحمل اسم خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز والتي كانت ولا تزال تشكل حلاً يمكن أن يضع حداً لكل شيء ويريح الجميع ويحرج الذين لا يريدون الحلول.

؟ تأتي الذكرى الأولى للحرب الاسرائيلية على لبنان مع الذكرى الثانية لتسلّم خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز زمام أمور الحكم في المملكة العربية السعودية .

قد يسأل البعض لماذا الربط بين عنصري المصادفة؟؟ بل كيف يمكن الربط بينهما؟؟ أقول بكل بساطة، ثمة حدث هدد لبنان بوجوده ووحدته وكيانه وسيادته واستقلاله وأمنه واستقراره وسلامة ابنائه واقتصاده هو الحرب، وثمة كيان آخر وقيادة أخرى ومرجع آخر وقرار آخر كان حدثاً أيضاً حمى لبنان ووقف إلى جانبه ودعمه سياسياً ودبلوماسياً ومالياً واقتصادياً . إنه القرار السعودي . لكن المسألة تذهب إلى أبعد من ذلك . فالأحداث التي تلت الحرب تربط بين العنصرين المذكورين، وما يجري الآن ويمكن أن يجري في المستقبل يشكل رابطاً مهماً أيضاً . تلك هي العلاقة اللبنانية - السعودية والمسؤولية السعودية في حماية لبنان دائماً .

الذكرى الأولى للحرب مؤلمة لبنانياً للأسف . رغم أننا نتذكر دائماً ونذكّر الجميع أن الحرب شكلت هزيمة كبيرة لاسرائيل وجيشها الاسطوري "الذي لا يقهر" كما كانوا يصرون على وصفه . وأن تداعياتها ونتائجها لم تكن وليست هي محصورة بالساحة اللبنانية، بل دخلت في حسابات الدول من اسرائيل إلى ايران مروراً بسورية ولبنان والعراق وفلسطين ودول الخليج وامتداداً إلى أوروبا وأميركا ...

لبنان المنتصر بالأمس، أو الذي هزم اسرائيل بالأمس مأزوم اليوم . منقسم مفكك مهدد بمسلسل الاغتيال والإرهاب الذي يستهدف قادته ورجال الفكر والسياسة والثقافة والإعلام فيه، وبالانشطار السياسي الداخلي بعد مواقف المعارضة منذ استقالة وزرائها من الحكومة ومنع إقرار المحكمة الدولية في المجلس النيابي، وتفاقم المشكلة بعد إقرارها في مجلس الأمن، وبعد إفشال كل الوساطات العربية والدولية للاتفاق على حكومة وضمان انتخاب رئيس جديد للجمهورية في المهلة الدستورية المحددة، وآخر الوساطات كانت الوساطة العربية التي قادها عمرو موسى بتكليف من مجلس وزراء الخارجية العرب، حاملاً خطة صوّت عليها الجميع بالإجماع، فنسف كل شيء بالتنسيق والتكامل مع سورية . ولبنان مهدد اليوم بالحرب التي تشن ضده من قوى إرهابية يخوض معها الجيش اللبناني مواجهات كبيرة ويلاحق خلاياها في عدد من المدن والبلدات في مختلف المناطق وثمة تهديدات مستمرة بظهور المزيد من هذه الخلايا وإرسال وإدخال "نوعيات" جديدة منها من معابر غير خاضعة لرقابة جدية فاعلة على الحدود اللبنانية - السورية التي رفضت القيادة السورية كل الآليات لمراقبتها خصوصاً بعد قرار الجامعة العربية الأخيرة ووفد لجنة تقصي الحقائق الذي زار الحدود مكلفاً من الأمم المتحدة، أو من معبر المطار . وبالتالي فإن المواجهة مع مثل هذه الحالات ستكون مفتوحة وهذا الأمر يمتد إلى الجنوب حيث برز تهديد حقيقي للقرار 1701ولقوات اليونيفيل العاملة على أرض الجنوب بموجب القرار المذكور . وهو تهديد لكل لبنان وأمنه واستقراره لاسيما بعد إطلاق صواريخ من منطقة عمل القوات على اسرائيل، ثم تنفيذ عملية عسكرية ضد القوات الاسبانية قتلت ستة من جنودها .

واللبنانيون قلقون خائفون يتطلعون إلى الفترة التي تفصلهم عن انتخابات الرئاسة في ظل الحديث عن عدم إجرائها بسبب موقف سوري واضح وموقف المطارنة الموارنة المنسجم معه والمهدد بعدم إجراء الانتخابات إلا إذا كان هناك اتفاق على الرئيس الذي "يلائمهم" كما يقولون .

كل شيء في مهب الريح . كل شيء مهدد . والكل قلق وخائف من استمرار مسلسل الاغتيال وخلق الفتن والانقسام والفلتان والفوضى في حال نجح الذين لا يريدون انتخابات الرئاسة معبراً لاتفاق بل يخططون للفوضى التي تسقط كل المؤسسات أو تعطلها أو تجعلها موضع تشكيك من قبل الجميع فلا يعود ثمة شرعية واضحة وواحدة - هكذا في نظرهم علماً ان العالم كله يتعامل مع الحكومة الحالية بأنها الشرعية الوحيدة باستثناء ايران وسورية وتتناغم معهما قطر في بعض المواقف - ولا يعود ثمة جهة واحدة يمكن التعامل معها فيصبح الخطر داهماً في كل مكان ومحيطاً بكل أمر فلا تعود القرارات الدولية ذات قيمة، ولا تعود المحكمة الدولية - القرار الأهم - موضع متابعة لأن المتضررين من المحكمة والذين حاولوا إسقاطها في لبنان ومنعها وإقرارها قبل انتخابات الرئاسة كي لا تكون ملزمة لاحقاً للرئيس الجديد، وبعد إقرارها في مجلس الأمن يريدون التخلص منها ومن نتائجها بأي ثمن وكأنهم يدلون على أنفسهم .

وكأن كل ذلك لا يكفي ليعيش اللبنانيون حالة قلق وخوف وتساؤلات على المستقبل حتى جاء تقرير رئيس لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري القاضي سيرج براميرتز، حيث قال بأن الأمور الآتية قد تكون متوترة خلال الصيف وفي الفترة التي تفصلنا عن انتخابات الرئاسة بعدما أشار إلى معلومات دقيقة باتت في حوزته حول بعض المتورطين في التنفيذ والتخطيط والتحضير للجريمة ...

الحرب ضد عصابة فتح الاسلام في نهر البارد فتحت شئنا أم أبينا موضوع المخيمات . وثمة محاولات واضحة لاستغلالها بعيداً عن المصلحة الوطنية اللبنانية وتمسّك اللبنانيين بجيشهم وكرامته وهيبته . لقد دخلت العملية في البازار السياسي الداخلي اللبناني، والفلسطيني وفي عملية الاستغلال السورية الواضحة أيضاً . كل يريد لعب الورقة لمصلحته وكأن مصير الفلسطينيين الآمنين ورقة . ومصير لبنان واللبنانيين ورقة .

إذا اقدمت الحكومة على طرح مشروع لإعادة الإعمار . ارتفعت أصوات تقول : هذا مقدمة للتوطين!! وهل الحكومة افتعلت الحرب لتقود مشروع التوطين؟؟ وهل التوطين يتم بمجرد إعادة بناء المنازل المهدمة بسبب افتعال حرب واعتداء على الجيش من قبل عصابة تنكّر لها الفلسطينيون قبل غيرهم وشهدوا على سقوط كل محاولات المعالجة من قبل الجيش اللبناني لتجنب الدخول إلى المخيم وتعريض المدنيين للخطر؟؟ وقد نجح الجيش في حماية المدنيين . لكن الإصرار على الحرب من قبل رموز العصابة ورفضهم كل الوساطات فرض على الجيش هذه المواجهة وهذه الخسائر الكبرى . إذاً ماذا نفعل بالفلسطينيين الذين تم إخلاؤهم؟؟ أنبقيهم حيث هم أم نعيدهم إلى المخيم؟؟

إذا أعدناهم إلى المخيم وهذا ما سنفعله لأنه واجب . يأتيك من يقول : هذا توطين!! ويأتيك آخرون يقولون : دفعتم للفلسطينيين ولا تدفعون للبنانيين للعودة إلى منازلهم ويحركون قضية المهجرين مجدداً فيهزون المصالحة في الجبل وخارجه ويخلقون حالة انقسام وجدل خطيرة . وإذا تركتهم حيث هم - وهذا غير وارد - تراكمت المشاكل الاجتماعية والبيئية والصحية والانسانية والتربوية والاقتصادية وكرست ما كان كثيرون يقولونه من أن المخيمات تحولت إلى محميات لمرتكبي جنايات معينة ومخالفات وجرائم ومراكز لإنتاج خارجين على القانون ببسب الظروف التي تعاني منها فهل يمكن إضافة عوامل جديدة فاعلة ومؤثرة إلى هذه الظروف؟؟

وهل يمكن ترك الأمور في المقابل تأخذ منحى الموقف العنصري من الفلسطينيين لا سمح الله وهو أمر مرفوض بالكامل؟؟

وفي جانب آخر أثيرت مسألة الخلايا الارهابية الموجودة في المخيمات وإمكانية تحريكها وتواجدها في مواقع مختلفة، أو تحريك المخيمات وبعض الفصائل فيها لإشغال الجيش في معارك أخرى . إلى جانب ما يجري في الجنوب والحديث عن احتمال وجود خلايا فلسطينية إسلامية أو غير أصولية تقف وراء تلك الأعمال الإرهابية إذا عاد الموضوع الفلسطيني إلى الواجهة كعنصر من عناصر المشكلة في لبنان وعاد موضوع الجنوب عنصراً أساسياً من عناصر المشكلة لأن ثمة جزءاً من الأرض لا يزال محتلاً وهناك أسرى معتقلون، واسرائيل تستمر في انتهاكاتها اليومية وأخطر من ذلك عاد لبنان ساحة صراع وتصفية حسابات بين كل القوى على أرضه وليس ثمة مناعة كافية في الداخل بل تكاد تكون غير موجودة إلى حدود بعيدة مما يعرض لبنان لكل الأخطار والاحتمالات . يضاف إلى ذلك موضوع مزارع شبعا ورفض سورية التعاون مع لبنان لتأكيد لبنانيتها وتسليمها مؤقتاً إلى القوات الدولية في انتظار الانسحاب الاسرائيلي الشامل فيكون الآن تحديد للحدود وحضور للقوات الدولية على أن يكون الترسيم لاحقاً. لأن سورية لا تريد التحديد ولا الترسيم بل ما تريده بالتحديد هو إبقاء الوضع على حاله لأنها مصرة على أن الحل يأتي بعد الاتفاق مع اسرائيل . وبالتالي على لبنان أن يبقى ينتظر اتفاق الآخرين مع سورية حتى تحل مشاكله وفي هذا الوقت تبقى أرضه أرض تبادل الرسائل حتى الوصول إلى اتفاق فيدفع ثمن سلام الآخرين وهو لا يبحث عن سلام مع اسرائيل بل يتمسك باتفاقية الهدنة فقط كما ورد في اتفاق الطائف وكما هو محدد في عدد من القرارات الدولية .

ليست هذه بالتأكيد نتائج باهرة في إطار تثمير الانتصار على اسرائيل إنما هي مظاهر تدمير الانتصار للأسف وقد أخطأ المنتصرون كثيراً في تصرفهم في الداخل ومع بعض الخارج .

ولماذا أربط بين لبنان والمملكة؟؟

لأن المملكة وقفت إلى جانب لبنان في كل محنه . وعملت على حمايته وإنقاذه . ولكن الأهم أن المملكة عادت وأكدت في قمة الرياض الأخيرة على "المبادرة العربية" وبالإجماع وهي المبادرة التي تحمل اسم خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز والتي كانت ولا تزال تشكل حلاً يمكن أن يضع حداً لكل شيء ويريح الجميع ويحرج الذين لا يريدون الحلول.

المشكلة أن أميركا لا تريد هذا الحل لأن اسرائيل لا تريده . وأميركا تغطي الارهاب الاسرائيلي ضد الفلسطينيين في الداخل وضد اللبنانيين يوم وقعت الحروب . واسرائيل دولة إرهاب منظم لم يعد فيها قادة ورجال كبار يدركون الحقائق والوقائع ويتعلمون من التجارب . بل يستمر قادتها في التجربة فينا وبدمائنا وأمننا واستقرارنا وكل هذا يقتل الأمل في نفوس الفلسطينيين ويغذي التطرف على حساب الاعتدال، ومنطق الحرب على حساب منطق الحل والتسوية . الأمر الذي ينعكس سلباً على لبنان من خلال تأثره بالعنصر الفلسطيني كما ذكرنا. وحل مشكلة الجولان يساهم في الحل مع لبنان؟؟ لكن المسألة صعبة هناك . والمشكلة الأخرى هي أن أميركا تورطت وورطت العالم والمنطقة والشعب العراقي بحرب تقول عنها إدارة بوش اليوم وبعد أحداث 2001/9/11إن "القاعدة عادت أقوى مما كانت"، وأمام فشل كل هذه السياسات من الطبيعي ان يكون ثمة تطرف وأن تفتح الساحات لمثل هذه الحركات .

والمشكلة الأخرى هي أن بعض العرب لا يريدون الحل أيضاً ويلعبون لعبة الارتزاق من الحروب والحركات المتطرفة على حساب فلسطين ولبنان وأمنهما وأمن المنطقة وهي مشكلة بعض غير العرب ايضاً خصوصاً عندما تنظر إلى التمدد الإيراني الكبير في المنطقة والدور المؤثر الذي تلعبه ايران في عدد من الدول ولو سجلنا بعض التمايز عن بعض حلفائها لناحية مقاربة وإدارة بعض الأمور .

إن المبادرة العربية كان يمكن أن تشكل أملاً وحلاً بالنسبة الينا لكن السياسة الأميركية ومواقف بعض الأطراف المذكورة وبالتأكيد سياسة اسرائيل تُدخل المنطقة كل المنطقة في لعبة صراع مفتوح وخطير وهذا ما يخشاه لبنان اليوم . من هنا فإن التلاقي بين المملكة العربية السعودية ولبنان ليس تلاقي الشقيقة الكبرى مع شقيقتها الصغرى فحسب وقد كانت المملكة أمينة ووفية لمبادئها وقيمها . إنما هو تلاقي القراءات والقناعات والأفكار والرأي من أجل سلام واستقرار حقيقيين في كل المنطقة .

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 2

  • 1
    الواقع اللبناني الحالي يامعالي الوزير هو حصيلة كبيرة من التراكمات تجمعت خلال عقود طويلة من الزمن والذي جعل من لبنان بلا منازع أكثر دول العالم صراعا على السلطة.
    وكما نعرف أن لبنان ذو مساحة جغرافية صغيرة، يقع بالقرب من مهد الديانات السماوية الثلاث،لذلك فهو يحوي على أكبر عدد من الطوائف و المذاهب الدينية و كذلك العرقيات والأقليات المختلفة إضافة إلي ذلك الاختلاف الثقافي والاجتماعي و الاقتصادي الناجم بالمقام الأول عن هجرات أهله المتعاقبة منذ أكثر من قرن ونصف من الزمان.
    كل هذه العوامل جعلت من لبنان بيئة خصبة وحتمية لحدوث صراعات و انشقاقات في صفوف مجتمعه، تزداد وتقل هذه الصراعات بحسب تقلبات السياسات العالمية.
    وبعد انحلال و اندثار الاتحاد السوفييتي بمطلع العقد التاسع من القرن الماضي، انكشفت أوراق بعض المراهنين، و أصبحوا هؤلاء بمهب الريح ليس لديهم خيارات سوى الخضوع للشرعية الدولية، وهذا يعني انكشاف أوراقهم التي تحتوي على تاريخ حافل بالتجاوزات الغير شرعية بحق أهلهم و شعبهم.
    لذلك لجأ هؤلاء بأتباع أساليب معقدة و ملتوية بمحاولة منهم لتأخير أو إلغاء المساءلة، فيستخدمون الحس الوطني تارة و المقاومة تارة أخرى و كل هذا على حساب رجل الشارع البسيط الذي هو بلا شك يدفع ثمن أفعال من يقوده نحو الهاوية.. والله أعلم.

    وليد الحسين - زائر

    07:31 صباحاً 2007/07/15


  • 2
    المتابع للوضع اللبناني منذ عقود لا يمكنه ان يغفل ان مشاكل لبنان تاتي من بعض اهله باعتمادهم على فرنسا تارة وسوريا اخرى واميركا ثالثا، وبعد ان تتأزم الامور يستنجدون بالسعودية التي يضعونها في مشاكل عندما تحاول ان تصلح ما افسده ابناء لبنان انفسهم.
    مشكلة بعض اللبنانيين انهم لا يستطيعون ان يميزوا بين الغث والسمين، بين المخلص في النصيحة ومن يصطاد في الماء العكر وبين من يؤلمه الم لبنان ومن يأمل بالم لبنان لان في ذلك مصلحة له خاصة! اعرفوا اين المشكلة والخلل وعالجوه لا تحوموا حوله وتتفادوه!

    ابراهيم اسماعيل - زائر

    01:27 مساءً 2007/07/15



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة