
عشرة أشهر تمكن خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز خلالها من حلحلة أربع عقد تمخض من خلالها أربع اتفاقيات مصالحة في قضايا هي الأعقد حول العالم. لم ترتبط تلك المصالحات بأي بعد جغرافي أو مصلحة مهما كان نوعها بل كانت ذات بُعد إنساني ديني سياسي وإحساس بالمسؤولية الملقاة على عاتقه - حفظه الله - وعلى المملكة كوجهة للمسلمين ودولة تحظى باحترام عالمي.
وقد شهد شهر رمضان المبارك وعلى أرض مكة مهبط الوحي عقد لقاء ضم كبار القيادات الدينية السنية والشيعية في العراق اللقاء الذي تمخضت عنه "وثيقة مكة المكرمة" والتي جاءت لتؤكد على حرمة أموال المسلمين ودمائهم وأعراضهم، وجاءت لتذكر الحكومة العراقية بواجباتها تجاه حفظ الأمن وضمان الحياة الكريمة. وقد جاء هذا اللقاء بمبادرة من منظمة المؤتمر الإسلامي وترحيب ودعم من خادم الحرمين الشريفين.
وقد أشاد سياسيو العراق وعلى رأسهم رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بهذه الوثيقة ووجه شكره بمناسبتها إلى المملكة ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ولا تزال المملكة الداعم الرئيسي لوحدة وسلامة العراق.
مرة أخرى يحتضن البيت الحرام وقبلة المسلمين وحاضنهم الفرقاء الفلسطينيين ليئد فتنة أذكاها التنافس السياسي على السلطة بين حماس وفتح بعد أن وصلت الأمور بينهما إلى طريق مسدود، الاتفاق أعطى أبعاداً سياسية واضحة بأن ثقل المملكة الإقليمي لا يمكن الاستهانة به وأن الدور المناط بها كقائد للعالم الإسلامي لا يمكن لأحد أن يتسلمه نيابة عنها أو يأخذ مكانها، لا سيما أن القضية الفلسطينية كانت ولا تزال أولوية من أولويات المملكة على مر الزمن ولم تسهم تغيراته في تغير توجهات وسياسات المملكة تجاه القضية الفلسطينية، لقد شدد اتفاق مكة على حرمة الدم الفلسطيني واعتماد الحوار كأساس لحل الخلافات السياسية في الساحة الفلسطينية، لقد أسس الاتفاق لإمكانية إقرار الحلول والتوصل إليها حتى وإن بلغ الخلاف أقصاه لن يكون هذا الاتفاق آخر جهود المملكة في حل الخلافات الفلسطينية. إن الجهود ستبقى متواصلة إحساس منها بمسؤوليتها تجاه العالم العربي والإسلامي.
فصل آخر من فصول المصالحة التي رعاها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز وهذه المرة في قضية كان لها تأثير سياسي وإنساني كبير وهي قضية "دارفور" الإقليم الغربي في السودان والذي عانى من الصراعات بين الجماعات المسلحة والقوات الحكومية مما استدعى تدخل الأمم المتحدة والدول الغربية في هذه الإشكالية التي تسببت في تهجير وقتل الآلاف، ولحل هذا الصراع عقدت العديد من الاتفاقيات واللقاءات في القارة الافريقية، وقد تسبب هذا الصراع في إحداث توتر في العلاقات بين السودان والدول الغربية لأسباب عديدة مما ولَّد صعوبة في عقد لقاءات ذات طابع دولي بين الطرفين إلا أن مساعي خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز أسهمت في عقد لقاء ذي طابع دولي وعلى مستوى رفيع ضم الرئيس السوداني عمر البشير والأمين العام للأمم المتحدة "بان كي مون" والأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى ورئيس مفوضية الاتحاد الافريقي البروفيسور "ألفا عمر كوناري" على هامش القمة العربية التي عقدت في الرياض وبرعاية منه - حفظه الله - وقد خلص هذا الاجتماع إلى الاتفاق على عدد من الإجراءات العملية لتذليل العقبات التي تحولت دون الإسراع في تنفيذ اتفاقية السلام في أبوجا والتفاهمات التي تم التوصل إليها بعد ذلك في كل من أديس أبابا وأبوجا. لقد تسببت قضية "دارفور" في توتر العلاقات بين السودان وجارتها تشاد بسبب البعد القبلي للقضية ونزوح اللاجئين إلى تشاد وحدوث مناوشات بين البلدين إلا أن تدخل بعض الأطراف العربية أسهم في عقد اتفاق مصالحة بين البلدين إلا أنها لم تنفذ بنوده، وجاءت مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله لجمع رئيسي الدولتين وعقد صلح بينهما سمي "صلح الجنادرية" نسبة إلى المكان الذي عُقد فيه وهو مزرعة خادم الحرمين الشريفين. وقد جاء هذا الاتفاق ليؤكد الطرفان من خلاله على عدد من المواد أبرزها تأكيدهما على الاتفاقيات الموقعة بينهما الثنائية والمتعددة الأطراف خاصة إعلان واتفاقية طرابلس، كذلك تعهد الطرفان بالعمل المخلص والجاد من أجل تطوير وتعزيز العلاقات بين البلدين في كافة الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية إضافة إلى عدد من من المواد. اتفاقيات ومصالحات رعاها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله إحساساً منه بأهمية السلام وضرورة أن يعم العالم العربي والإسلامي والعالم أجمع إنه فعلاً رجل السلام.