نختزن في عقولنا - الكثير من التجارب الإنسانية - التي اكتسبناها من عوائلنا ونحن صغار.. واستيقناها من أصدقائنا ونحن في سن الدراسة - وعرفناها من معايشتنا للأعمال والصداقات في الكبر.
تجلس مع بعض الأشخاص فيبهرك بأحاديثه وذكرياته ونظراته الثاقبة للحياة وتود أن يستفيد الجميع من تلك الحكم والنظرات؟!
أتردد على مجلس العم عبدالله وهو أحد أصدقاء الوالد - رحمه الله - وهو من الأشخاص الذين عايشوا أحداثاً إدارية كبيرة أثناء القفزات المتلاحقة التي طرأت على الهيكل الإداري الحكومي، واستمتع كثيراً بحديث العم فعلى الرغم من كبر سنه - أطال الله في عمره -، فهو يتحدث ويسرد ذكرياته ويربط الأحداث الجارية بطريقة عفوية وسلسة.
وكثيرا ما أخرج من مجلسه وأنا أحس بان تجربتي في الحياة قد ازدادت وأن هنالك معاني قد لا تدركها في الحياة من مقاعد العلم، وإنما هنالك تجارب وعبر تأخذها من الذين صابروا وكافحوا وثبتوا على مبادئهم.
تجرأت يوماً.. وقلت له: يا عم لماذا لا تكلف أحداً يدون ما تذكر، ونظر لي نظرةً واعدة، وكررت عليه الطلب عدة مرات وهو يعد بذلك، وليته يفعل.
وقل على ذلك الكثير من المديرين والمسؤولين الذين عايشوا الإدارات واستطاعوا انجاز الكثير بالمثابرة الشخصية، ولكن لم يحرصوا على توثيق هذه الانجازات والإبداعات.
إن التجارب الإنسانية إذا لم تجد من يوثقها فستذهب مع أصحابها، أما إذا استودعناها بطون الكتب أو أحد وسائل الحفظ العادية أو الالكترونية، فإنما نتيح للأجيال القادمة أن تستفيد من هذا المخزون.
تقرأ في بعض الكتب التاريخية عن حضارة الخلافة الإسلامية وهي تصف الواقع اليومي في المدن المشهورة مثل بغداد، ودمشق وقرطبة وغيرها من الحواضر الإسلامية.
ذلك لأننا نقرأ من النابهين في تلك الفترات فطنوا لأهمية التدوين وكتبوا وقائع الحياة كما هي وظلت في كتب نتداولها حتى اليوم ولها أثر في ثقافتنا التاريخية.
فكتاب مثل " صيد الخاطر" لابن الجوزي تجد فيه من تجارب حياة الذين امتهنوا مهنة الحرف وطريقة الكتابة وتجهيز الأقلام وجمع الأوراق.
وكتب الجاحظ التي تمتلئ بكثير من دقائق الحياة البشرية، وغيرها كثير.
فالتوثيق المعلوماتي نشره على شبكة الانترنت أصبح اليوم ضرورة وهو متيسر وينبغي أن تنتبه له دور العلم والمكتبات والجامعات لنحرص على تشجيع تدوين وتوثيق التجارب الإنسانية والإبداعات لكي نكثر من سواد الصفحات العربية على الشبكة ليطلع عليها الناطقون بالعربية ولكي تبقى للأجيال القادمة.