جريدة الرياض

جريدة يومية تصدر عن مؤسسة اليمامة الصحفية

السبت 22 جمادى الآخرة 1428هـ - 7 يوليو 2007م - العدد 14257

خطوات جريئة.. لإصلاح رشيد (2-2)

د. عبدالعزيز عبدالله الأحمد

إن حديث ولاة الامر في هذه البلاد بصراحة واضحة حيال السلبيات التي تمارس في حياتنا لهو امر يشكرون عليه ويحمد له، فهم القدوة في البناء والتصحيح والتطوير، ولقد تطرقت في مقال سابق الى بعض ما ابانه خادم الحرمين الشريفين - وفقه الله - بأسلوب واقعي حول الشعور بالخطأ والاعتراف به علانية والحث على التصحيح والتغيير الى الاحسن خلال خطابه الشهير امام قادة الدولة العربية.

وقد اكد حفظه الله - في ذلك الخطاب - ان الاصلاح ينطلق من ارادة الامة ذاتها وينبع من الشعب الذي يعيش هموم البلاد وآماله، لا ان يكون التغيير مجرد ردود فعل لضغوط خارجية وذريعة للتدخل الخارجي، ومن ثم يغير طلاء الحقائق ليس إلا.. اذ يجب ان يكون الاصلاح تقوية للبناء الداخلي، ولذلك لا بد من معرفة دواعيه ومراحله وشروطه لنصلح الى وضعه الامثل وليؤتى اكله.

اما دواعي الاصلاح والتغيير فكثيرة منها:

مراعاة المجتمعات العربية والإسلامية بمرحلة متسمة بالاضطراب وعدم الاستقرار على الاقل في الواقع المنظور - نظراً لوجود فراغ سياسي وغياب بدائل وطنية، وتعدد الازمات الاجتماعية والاقتصادية، وهذه الاوضاع كلما زادت تفاقماً تعمقت الفرقة بين الدول بل وبين فئات المجتمع الواحد أكثر فأكثر!

التغير المتسارع في الظروف الخارجية وصعوبة ضبط ايقاع الاحداث من قبلنا، ولد خلخلة في العلاقات واضطراباً في المواقف - احياناً - وهذا ادى بدوره لبلبلة الأمن في معظم الدول حتى ولو كانت بمنأى من اصل النار، اذ يصيبها شررها، ويقود تسميم هذه الاجواء "طبعاً" الدول الكبرى حسب بوصلة المصلحة لهم، وحسب مؤشر الذبح للثيران البيضاء (والتي هي الدول المستضعفة)، والى هذا اشار خادم الحرمين - حفظه الله - بقوله "وعندها لن نسمح لقوى من خارج المنطقة ان ترسم مستقبل المنطقة".

تسارع بعض الاحداث الداخلية التي تحرك بأيد (خارجية وداخلية) لتفريق الكلمة وتمزيق الصف وذلك باستغلال الاخطاء حتى تضعف الروح الجماعية وتقوي النزاعات الطائفية والعنصرية، واشد التفريق خطورة تلك التي ينجح الاعداء في زرعها بين كبار القوم من العلماء والامراء والرؤساء، فحينئذ تدق مسامير النعوش!

تباين الآراء واختلاف وجهات النظر في تحديد هوية الاصلاح واساليب التغيير، وهذا بدأ يظهر - لزاماً - بعد الانفتاح العالمي والتداخل العولمي وسقوط الحواجز بين الدول والامم، حين يهمل هذا الداعي ويتغافل عنه يسري اثره بين العلماء والمثقفين والمهتمين، فيتولد من ذلك عشرات الاتجاهات، اذ ليس هناك خطط اجتماعية وسياسية استباقية لترتيب عملية الاصلاح وضبط ايقاعاته وفق احتياجات الداخل وتوجهاته لا وفق املاءات الخارج ومصالحه "فقط".

اما مراحل الاصلاح فتتم عبر مرحلتين مهمتين:

اولهما: احياء ثقافة فقه الاصلاح والبناء، وتوعية الناس بأهمية التغيير والتطوير ونقلهم من ازمة الوعي الى وعي الازمة، فإذا تجذر لدى فئات المجتمع الايمان بذلك فإن الخطوات اللاحقة ستسير بنجاح ويكون الاصلاح قوياً وايجابياً، والدور الاعظم هنا يقع على عاتق الاعلام بجميع وسائله ومؤسساته.

ثانيهما: تأتي ممارسة التغيير والاصلاح وتحديد مجالات تطبيقه بأن يكون واقعاً ملموساً لا كلاماً نظرياً مردداً، والواقع ان الخطاب العربي والاسلامي "الرسمي" هو خطاب تبريري ينطوي على الارجاء والتجاهل، غير ان خطاب خادم الحرمين الشريفين قطع الصلة بالممارسات الخطابية العربية، فجاء متميزاً بالاختصار والجدة والصدق في التعامل مع مطالب الاصلاح، والاجتماع كضرورة عربية واسلامية في آن واحد، ولتفعيل ذلك واقعاً لا بد ان نوجه المؤسسات المعنية (كالوزارات والهيئات) لمراجعة خططها وتقويم ادائها، وتنويع الاساليب وتحريك الدماء، ويقوم كفل كبير من ذلك على الوزارات المهمة كالثقافة والاعلام والتربية والتعليم والشؤون الاجتماعية والتعليم العالي والعمل، ومن ثم يبلور ذلك عبر خطط مرحلية للتغيير حتى يكتسب الاصلاح المصداقية في الداخل والخارج اخذاً في الاعتبار الظروف والملاءمات السياسية والحاجات والعقبات، لأننا نريد من الاصلاح ان يكون حلاً للمشكلات بدلاً من كونه مشكلة اضافية ايضاً، وهذا ما اكده وزير الداخلية - سلمه الله - في المنتدى الاعلامي الاخير.

اما شروط التغيير الذي نسعى اليه فينبغي ان تكون حاضرة واضحة جلية.. ومنها:

ان ينطلق التغيير من هوية المجتمع وثقافته باطار معرفي قوي، ويبرز هذا في المجتمعات العربية والاسلامية في رؤيتهم المنطلقة من الدين الإسلامي في الثوابت والمسلمات، اما من ناحية الاساليب والوسائل فالامر فيه واسع اذ يشترك فيه البشر كلهم، ومن الملحوظ ان اي امة تعرضت لنكبات او اهتزازات ثم وثبت من كبوتها ورجعت الى حلبة الحاضر بقوة فإن ذلك منشؤه الى تمسكها بفلسفتها الخاصة وثقافتها المتميزة وهذا واضح في اليابان والصين وماليزيا والمانيا وغيرها كثير.

ان يقوم الواقع تقويماً موضوعياً عادلاً بعيداً عن المجاملات والمشاحنات وانما هو دراسة للمصالح والمفاسد ومراعاتها.

ان يكون التقويم شاملاً لجميع مجالات الحياة ومؤسسات الدولة فاصلاح شيء واهمال اشياء لا يجدي كثيراً على المدى البعيد.

ان يكون التقويم شاملاً لجميع مجالات الحياة ومؤسسات الدولة فإصلاح شيء واهمال اشياء لا يجدي كثيراً على المدى البعيد.

الشفافية والموضوعية والبعد عن التكلف والغموض في رصد القضايا وتشخيص السلبيات والايجابيات.

الواقعية في التقويم والتغيير ومراعاة الظروف الراهنة والاحتياجات القائمة، وعدم المثالية المفرطة التي تجر المتحمسين للاصلاح الى اليأس احياناً، او الهروب من مواجهة متطلبات الاصلاح احايين اخرى.

الجدة في الطرح والجدية في العمل ويقصد بتجديد الطرح التغيير من الاسلوب الانشائي الممل والبعد عن التقليدية في الوعود الى الكلام الذي يرتقي لمستوى الانسان الذي كرمه الله، واما الجدية في العمل فذلك بأن يعي كل فرد تكاليفه ويقوم بحقوق الامانة، والعبرة في ذلك بالانتاج.

التدرج في التغيير وهذا امر يتناسب وطبيعة الانسان وقيام الامم ويتجلى ذلك في التشريعات السماوية والقوانين البشرية، ومن سبر التاريخ وعاصر الاجيال عرف اهمية هذا الشرط وضرورته.

توسيع دائرة المشاركة والحوار ورفع لواء مبدأ الشورى بين فئات المجتمع بجميع اطيافه فالتغيير في العالم العربي والاسلامي والخليجي يرتبط بمشاركة واسعة من قبل المواطنين عبر دروب سياسية وشرعية يحميها النظام، كما انه - اي التغيير - يجب ان يستند الى قواعد راسخة ومن ثم يكتسب شرعيته في الثقافة الوطنية، وكخطوة عملية نحو تحقيق هذا الشرط المهم فعلت المجالس الشورية والحوارية في المملكة العربية السعودية كمجلس الشورى ومجالس المناطق ومركز الحوار الوطني غير ان البارز على نوعية المشاركين في هذه المجالس ونحوها يمثلون فئة نخبوية نوعاً ما لا تتحدث بلسان الشعب وهمومه الحقيقية، ولن يتأتى هذا المنصب بقوة الا اذا فعلت المراكز الاجتماعية والاسرية والشبابية التي ولدت خديجاً!

اعادة الثقة للنفوس وذلك بزرع روح الامل وبث التفاؤل بامكانية التغيير واحيائه في نفوس الشعب ومحاربة اليأس القاتل للابداع المدمر للشخصيات، وهو ما اكد عليه الملك بقوله: "ان اول خطوة في المصداقية.. واذا عادت المصداقية.. هبت رياح الامل على الامة" وهذا شرط اساسي للانطلاق نحو التجديد والاصلاح.

احياء ثقافة الاجتماع وبناء روح الالفة وترسيخ جذور العفو ومحبة الخير للآخرين وغرس القيم الاخلاقية من صدق وامانة واحسان في المجتمع.. واولى من يتوجب عليهم ذلك هم علية القوم وسراته والمؤثرون في المجتمع.

الحرص على الائتلاف والتباعد عن الخلاف وذلك بالتركيز على القضايا التي تحظى بالاجماع، وتجنب القضايا التي تثير الخلاف لا سيما في الوقت الراهن، ولا بد للمعنيين بذلك استحضار المكاسب التي وهبنا الله اياها من اجتماع الكلمة والأمن الظاهر، فمتى ما عقل ذلك ولد تقارباً وتفاهماً وتصالحاً وخيره على الجميع.

الاستعانة بالاكفاء ذوي الجد والنظر الثاقب النير والدقة في الاحكام من جميع التخصصات، البعيدين عن الذاتية والمصلحة الفردية، فإذا ما توفرت هذه المواصفات والشروط فسيتجه التغيير الى الساحل الآمن وتنهض الدولة نهوضاً قوياً ومنافساً.

وبعد فليس كل ما وجد يوصم بالسوء بل اننا نملك خيراً كثيراً من الايمان الراسخ والقيم العالية والبنية التحتية والموارد المادية والبشرية الهائلة، غير ان ذلك يحتاج الى المحافظة عليه مع الوقفة الصادقة المخصلة مع النفس والمجتمع حتى يتحقق الدور الريادي لهذه البلاد المباركة.. بلاد الحرمين الشريفين وهذا امل كل مواطن بل والعرب والمسلمين اجمع.

@المشرف العام على مركز وموقع حلول للاستشارات والتدريب

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق

عدد التعليقات : 2
(جديد) ترتيب التعليقات : الأحدث أولا , الأقدم أولا , حسب التقييم
عفواً ترتيب التعليقات متاح للأعضاء فقط...
سجل معنا بالضغط هنا
  • 1

    اذا رأيتم الشوارع بدون أكياس سندويتشات ونظيفه فأعرفوا بأن المواطن لديه وطنيه ولديه وبأنه يثق بأن الدوله قائمه بالأصلاح ومحاربة الفساد لأنه بكل بساطه انا شخصيا عندما اكل السندويتش وبرميل الزباله اكرمكم الله بجانبي فأني أرمي الكيس بالزباله بعد الأنتهاء من الأكل بل ارميه بعيدا عن البرميل تعرفون ليش ؟؟؟
    لأني اعتقد بأني لو رميت الكيس داخل البرميل فأني اوفر على البلديه عناء النظافه وبالتالي اوفر على الميزانيه مبلغ ليس باليسير مما يجعل مسؤل في احدى الوزرارة يستفيد من هاذا التوفير ويستغله بالحصول على تذكره لسويسرا للتمتع بأجازة الصيف وانا هنا اعاني من انقطاع الكهرباء في بيتي واسكن في سكن مستأجر كل شوي ناط لي راعي البيت يبي الأجار.

    نايف العنزي (زائر)

    UP 0 DOWN

    06:33 صباحاً 2007/07/07

  • 2

    كلنا خطئون وخير الخطائين التوابين...من أعتر ف بالخطأ شجاعة لأنه سوف يصلحة فينجى من مصير أسود.
    أما من يستمر في خطأه فهو جبن وخوف وعدم ثقة.فهذا يماديه فيه إلى أن يسقط صاحبه في الهاويه وياليتنا نعترف ونصلح ونعيد ذكريات الخير لمحبوبتنا ودمتم بود وصلاح.
    فالحياة كفاح والبقاء للإصلاح
    والحياة دروب والبقاء فيها لألإفلاح
    الموقع
    http://maryambokhari.ektob.com

    مريم عبد الكريم عبد اللطيف بخاري..جدة (زائر)

    UP 0 DOWN

    01:15 مساءً 2007/07/07