الرئيسية > مقالات اليوم

حكايات للصيف


د. مشاري عبدالله النعيم

وطالما اننا نتحدث عن التكيف والتوطن وان الحياة تقترب منا كما اننا نقترب منها وأننا نلتقي معها دائما في الوسط أي أن أشياء كثيرة فينا تتعدل كل مرة كي تتلاءم مع ظروف الحياة الجديدة، لذلك فإن التعديل يبدأ من الصيف إلى الصيف كونه مرحلة انتقالية في حياة الانسان في مرحلة التكوين.

(1)

؟ أحد الأسئلة التي شدت إنتباهي هو سؤال أحد الطلاب في نهاية العام الدراسي هو كيف يواجه الإنسان صعوبات الحياة وكيف يمكنه تحقيق النجاح؟ توقفت كثيرا أمام هذا السؤال وأنا أتذكر القول "أن الحياة عقيدة وكفاح"، والحمد لله ثقافتنا العربية تكتظ بالعبارات الحاثة على العمل والكفاح رغم أنها لم تؤثر في أحد على ما يبدو أو أنها أثرت في قلة قليلة من الناس إلى الدرجة التي لم نستطع بها حفظ ماء وجهنا بين الأمم. قلت في نفسي سؤال ساخن يلمح إلى سخونة الصيف الذي أقبل بقوة هذا العام لينذرنا بحرارة ملتهبة ندعو الله أن يعيننا عليها. في اعتقادي، أن الانسان يتكيف مع الحياة أي ان الحياة تصبح على مقاسه وبشكل دائم، وأنا هنا قد استعين بالحديث الشريف "كل ميسر لما خلق له" فهو يعبر عن فكرة التكيف هذه الذي يتميز بها الإنسان فمصارعة الحياة مسألة أساسية وغالبا لا يوجد هناك صعوبات دائمة ولا بساطة وسهولة دائمة ومسألة المكابدة التي ذكرها الله في القرآن وقال أنه خلق الإنسان في كبد هي أحد أسرار الصراع في الحياة التي تجعل الإنسان في حالة تكييف دائم معها. قلت لذلك التلميذ الذي يشع الحماس من عينيه أنه سوف يجد نفسه وسوف يصل إلى مرحلة المصالحة مع الذات بعد فترة صراع قد تبدأ مع الآن لكنها سوف تنتهي يوما ربما في الثلاثين أو الأربعين من عمره. سوف يصل إلى قناعات يجد نفسه يسير على ضوئها وستقل حروبه مع هذه الحياة وسوف يجد نفسه قد يسر لما خلق له. هذا لا يعني أبدا أنه لن يكابد ولن يواجه مشاكل جديدة، لكن سوف يجد أن طموحاته تهذبت وتوجهت إلى مسارات بدأ يقيس فيها قدراته وإمكاناته ويحدد فيها بوضوح ودقة اهتماماته. التكيف مع الحياة تجعلني اقول للذين يرون أن الحياة صعبة أن هذه الصعوبة مؤقتة، فلن تظل الحياة صعبة بشكل دائم حتى أولئك البؤساء الذين فرضت عليهم الحياة قسوتها لا يشعرون أن الحياة صعبة بصورة دائمة، فهم يقتنصون اللحظات المفرحة ويقتاتون عليها، كما أنهم يتكيفون مع القسوة وتشكل ملامحهم وأسلوب حياتهم. كنت شاهدت قبل شهرين مسرحية "البؤساء" المأخوذة عن قصة الكاتب الفرنسي (فكتور هيجو) وقد كنت قرأتها منذ أيام الثانوية حتى أني أذكر ان هناك ترجمة للرواية التي تتحدث عن القرن التاسع عشر والمدن الفرنسية ومجتمعاتها في ذلك الوقت، أقول انه كانت هناك ترجمة لمنير البعلبكي واضع القاموس المعروف المورد في ثلاثة أو أربعة أجزاء كبيرة الحجم وكثيرة الصفحات وكنت أعجب كيف استطاع هذا الكاتب الفرنسي تسجيل كل هذه التفاصيل العمرانية والاجتماعية في سياق روائي رائع. عندما شاهدت المسرحية (الغنائية طبعا وهي عادة المسرح الانجليزي) شعرت بقسوة الحياة ومراراتها لكني أحسست ببعض الأمل عندما وجدت أن الحياة تجبر الناس على التكيف معها فهذه سنة كونية لا يمكن الخروج عنها.

(2)

من الامور التي أتوقف عندها دائما هي هذه العلاقة الغريبة بين الإنسان والأشياء التي حوله، ولا أكذبكم القول انني من المهتمين بهذه الظاهرة الإنسانية لأنها تذكرني بالعلاقة العميقة بين الانسان وحياته بكل تقلباتها وقدرته الفائقة على التكيف معها مهما كانت قاسية واكتشفت أن هذه الظاهرة في الإنسان، في جوهره وبنيته وتركيبته، وهو لا يمكن ان ينفصل عنها وإلا لن يستطيع الاستمرار في الحياة. قبل عدة سنوات مر علي كتاب عنوانه "الاشياء المرغوبة" Object of the Desire وهو كتاب يصور كيف حول الإنسان احتفاءه بالأشياء إلى حالة من الابداع والتفنن في تطوير الاشياء نفسها كي تعبر عن براعته وعن قدراته الفائقة التي وهبه إياها الخالق سبحانه وتعالى. وبعد ذلك مر علي كتاب مهم عنوانه "تطور الاشياء المفيدة" The Evolution of Useful Things وهو كتاب توثيقي نادر يبين كيف استطاع الانسان تطوير الأشياء من حوله كي تتناسب مع خصائصه التشريحية أي ان المكون الجسماني للإنسان كان له أثر كبير بل وأساسي في تطور جميع الاشكال والاشياء التي نستخدمها فهي كيفت من أجل خدمة الانسان والتفاعل مع متطلباته. وخلال دراستي الاكاديمية مرت على ابحاث متعددة حول معاني الاشياء كلها تؤكد مقدرة الانسان الفائقة في إعطاء الاشياء قيما ومعاني تقربه من فهم الحياة وتحفظ له تاريخه. هذه البراعة لها ما يبررها فهي إحدى أدوات التكيف مع الحياة ومن الواضح أنه لا يمكن تصور الحياة دون وجود الأشياء من حولنا. مؤخرا وقع بين يدي كتاب من إصدارات دار الهلال القاهرية عنوانه "أنا والأشياء" لمؤلفه شريف الشوباشي، أكد فيه أن الأشياء تلعب دورا رئيسيا في حياة الانسان حتى أنها تشكل أحلامه. حتى أولئك الذي يشعرون بكثير من النقص يحاولون تعويض نقصهم بالأشياء التي يملكونها، فعندما تجد شخصا يهتم كثيرا بما يقتنيه فتأكد بأن هذا الانسان يعاني من نواقص كثيرة يحاول ان يتكيف بهذه الأشياء المضافة مع الحياة ليبدو طبيعيا ، وكل انسان يعتريه النقص لكن بدرجات متفاوتة وكلنا نحتاج نتملك الأشياء كي نعوض هذا النقص ونتكيف به مع الحياة.

(3)

قبل فترة طويلة سألت امرأة كانت تبيع في أحد الأسواق في مدينة الهفوف عن الأوضاع، ويبدو أني كنت فضوليا أيام الصبا فردت علي بصرامة "يا ولدي أينما وطنت النفس تستوطن"، ولم أنس هذه العبارة أبدا لأنها جعلتني أفكر في مسألة التكيف والمقدرة على التوطن والاستيطان وكلها معاني بعضها إيجابي وبعضها الآخر سلبي، لكننا دون شك يجب أن نقف عند "توطن النفس" كونها عبارة اساسية تفتح فكرة "المقاس" الذي يفصله الانسان لنفسه من الحياة (ولن اتحدث هنا عن المواطنة التي هي جزء من العلاقة العميقة والمكان الذي يعيش فيه). أي أن كل واحد منا لديه مقاس في الحياة يلائمه ويتناسب مع قدراته وتوجهاته. فكرة المقاس مثيرة للجدل وهي التي تجعلني أرى أن مسألة المدافعة التي ذكرها الله في القرآن، يقول الله تعالى (ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين) (البقرة، 251)، وقوله تعالى (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا) (الحج، 40)، المدافعة هنا تعني الحركة أو تعني الاستقرار بعد الحركة فالتنافس على "المقاس" في الحياة يجعل الناس تتدافع وتبحث عن الأفضل لكنها في النهاية لابد أن تستقر تتكيف مع المقاس الذي قدر لها.

(4)

التوطن والتكيف والتقبل والمسايرة خصائص يمكن أن تستغل سياسيا عند الانسان وكلها تدعو إلى قبول الأمر الواقع من الناحية الظاهرية، وأنا هنا لا انكر أبدا أن التعامل مع الواقع جزء من الفطرة الإنسانية لكن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. وهو ما يعني في نهاية المطاف أن التكيف مع الحياة لا يعني أبدا الخضوع والسلبية وعدم محاولة التغيير، بل على العكس من ذلك التكيف يعني الحركة الدائمة نحو الاستقرار وهو الأمر الذي يعني البحث الدائم عن الافضل والبحث المستمر عن المقاس الأكبر. عندما نعلم أنه لا يوجد ثابت في الحركية الاجتماعية وأن تدافع الناس أمر حتمي وتنافسهم مسألة لا يمكن تصور الحياة دونها سوف نستشعر فكرة التكيف المستمر الذي يجعل الانسان بحق ميسر لما خلق له. ولو حاولنا ملاحظة مسارات البشر الحياتية سوف نصل إلى نتيجة أن كل واحد منا يتجه طوعا إلى الاستقرار لأن ذلك سنة الحياة، أي كان هذا الاستقرار وقلة الذين يبقون في حالة لا استقرار. ومع ذلك يجب أن أذكر القارئ أن الاتجاه نحو الاستقرار لا يعني الاستسلام للأمر الواقع وكثير منا الذين غيروا مسارات حياتهم ونجحوا لأنهم بحثوا عن مسار مختلف للاستقرار لأنه لا نجاح دون استقرار والفرق هنا هو البحث عن الطريق الصحيح الذي يجعلنا فعلا يسرنا لما خلقنا من أجله.

(5)

كنت عزمت على جعل هذا المقال بداية لمقالات صيفية بعيدة عن النقد وعن الشد والجذب وعن الصداع الكثير الذي يشغل بالنا خلال العام الدراسي ولم استطع أن أبدأ الصيف إلا بهذه المواعظ التي تجعل من الصيف أكثر ثقلا وأشد سخونة (رغم أنني على المستوى الشخصي أشعر براحة كبيرة في الصيف حتى لو بقيت في بيتي لا أعمل شيئا، وهو شعور قديم مازلت أبحث عن أسبابه دون جدوى). خلال كتابة المقال فكرت في تغيير العنوان إلى "دروس من الحياة" بدلا من "حكايات للصيف"، لكني عدلت من رأيي فقد تعب القارئ من الدروس وآن له أن يرتاح قليلا حتى لو بعنوان مقال، لأني لم أحك أي حكاية صيفية ولم أجد نفسي مرتاحا وأنا أضع عنوانا لحكايات ثم أقوم بإلقاء الدروس، لكن هذا ما حدث.

(6)

ومع ذلك لأبدأ بحكاية صيفية "نقدية" ثقيلة لا تخلو من الدروس التي يبدو أنني أدمنتها، وطالما اننا نتحدث عن التكيف والتوطن وان الحياة تقترب منا كما اننا نقترب منها وأننا نلتقي معها دائما في الوسط أي أن أشياء كثيرة فينا تتعدل كل مرة كي تتلاءم مع ظروف الحياة الجديدة، لذلك فإن التعديل يبدأ من الصيف إلى الصيف كونه مرحلة انتقالية في حياة الانسان في مرحلة التكوين. التحول في حياتنا يبدأ من الصيف عندما ننتقل من مرحلة دراسية إلى أخرى، نشعر اننا كبرنا سنة وننتظر الجديد السنة المقبلة. في الصيف تبدأ حكاية جديدة في حياتنا لتنتهي الصيف الذي يليه. عندما يكبر الانسان يبدأ في مشاهدة تحولات الصيف في الناس الذين حوله ربما يتذكر ما حدث له في الماضي وصراعه مع الحياة وربما يقوم بالتوجيه والارشاد لكنها حكاية تتكرر كل صيف.

(7)

الانتقال في حياتنا والبحث عن نقاط تحول وعلامات في طريق حياتنا قد نجدها كلها في بداية كل صيف ولعلي في الأسابيع المقبلة أتحدث عن بعض الحكايات الصيفية الحقيقية التي حدثت فيها تحولات كبرى في حياتي وهي تحدث الان لبعض شبابنا وبناتنا الذي يبحثون عن مقعد في جامعاتنا ويدهم على قلوبهم. أود أن أطمئنهم ليس لأن المقاعد الدراسية متوفرة لكن لأن هذا جزء من صراعهم مع الحياة الذي يجب أن ينتصروا فيه. إنها نقطة تحول مهمة في حياة كل منهم يجب أن ينتفعوا من دروسها ولا اريد أن اكرر من نقوله كل عام دون أن نقوم بفعل شيء، لكني أذكر ولعل الذكرى تنفع المؤمنين.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 2

  • 1
    تمنيت لو اسماه الدكتور دروساً من الحياة , فالإ نسان لا يفتئ وهو بحاجة الى القراءة وسماع الدروس وتتأكد القراة عن هذا الموضوع خصوصاً في الصيف التي كما اسماها الدكتور مرحلة انتقالية فهي اذاً مرحلة محاسبة.
    كثيراً مانسمع هذا السؤال الذي ذكره الدكتور في مقاله , صعوبات الحياة ؟؟؟ وقد ابدع الدكتور في جوابه الذي كان شافياً , وازيد ضمناً له وليس اكمالاً عليه
    انك بالتفكير السليم والمحاسبة الدائمة لنفسك على اخطائك ومحاولة تقويمها والمثابرة على تطوير ذاتك واختيار الحقل الذي ترى نفسك سوف تبدع فيه هذا هو النجاح الحقيقي ولا تنظر لصعوبات الحياة فالحياة ليست صعبة كما تتصور وتذكر قول المولى فيمن يقتل ابنائه من الفقر الذي اضنه من اشد الصعوبات على النفس في مشهدين اثنين قوله تعالى ( نحن نرزقهم وإياكم..) الآية ( نحن نرزقكم وإياهم ) الآية. فمن خلقك كفيل بك. واعمل فكل ميسر لم خلق له.
    النجاح كلمة تراود كل انسان واظن حتى الفاشلين انفسهم فاليوم كنت في حواراظنه عقيم مع شاب رأى النجاح من زاوية ضيقة وهو ماهي حاجة السوق والى مايحتاج اليه , نسي هذا وامثاله أن النجاح قبل أن يكون وظيفة مرموقة هو ابداع مع النفس وراحة تسكن في انفس الناجحين.
    يؤ لمن كثيراً وأنا اسمع بعضهم يقول بعد التخرج من الثانوية أأدخل هندسة معمارية- خصوصاً- أو ادارة وشتان بين المجالين فالهندسة المعمارية ابداع وخيال والإدارة حساب اموال. أم انها رغبة الأباء عندما قتلت موهبة الأبناء...
    هذا وبالله التوفيق... وشكري وتقديري للدكتور على هذه الدروس..

    عبد الله بن عبد العزيز النعيم - زائر

    04:44 صباحاً 2007/07/07


  • 2
    واصل يا دكتور، مقالاتك الخفيفة.
    وكما ذكرت، يمر بي كل صيف رغبة في التغيير والتجديد بحثاًعن مسار جديد، وانطلاقة في تخصص آخر،وشغف بتحقيق صراعات في مناطق أخرى من هذه الحياة.
    بوركت، متابعينك.

    أنس - زائر

    06:53 مساءً 2007/07/07



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة