الرئيسية > مقالات اليوم

لوحة حُرَّة في وقت الفراغ


عبدالله الجعيثن

ووقت الفراغ في العصر الحديث أكثر منه في العصور السابقة.. لقد كان الإنسان قديماً - في الغالب - يكدح في طلب الرزق حتى ينام.. ولا تكاد توجد إجازات.. أما في العصر الحديث فأوقات العمل محددة.. والإجازات حق مشروع.. وهي كثيرة: أسبوعية وموسمية وسنوية وغيرها..

من أذكى تعريفات الحضارة أنها: "ملء الوقت بما ينفع ويمتع"..

والحضارة الحديثة حققت ذلك لمن يريده، ولكنها حققت معه أشياء كثيرة قد تمتع ولكنها لا تنفع، ولا بأس بهذا إذا لم تضر، فإن المتعة البريئة مطلب إنساني، وراق، والواقع أن أي متعة لا تحمل الضرر فهي نافعة في اعتقادي، لأن الاستمتاع هو ما يحيل حياة الناس من رتابة قاتمة إلى لوحات بهيجة..

وإذا كانت الحياة فناً.. وأظنها كذلك، فإن أرقى الفنون هو ما يمتعنا قبل أن ينفعنا، كالشعر الخالص، والموسيقى الراقية، ومناظر الطبيعة الخلابة، واللوحات الفنية المبدعة، ونحو ذلك..

إن ألفية ابن مالك في النحو منظومة لا كسر فيها، ولكنها تنفع ولا تمتع، ومع ذلك فهي ليست بفن، ولا يمكن بحال مقارنتها بشعر جرير أو المتنبي أو ناجي، وقد نحصل على نفع من شعر المتنبي وغيره من كبار الشعراء، كالحكمة والبصر بالحياة، ولكن المنفع الحقيقي هو الامتاع الذي يسكبه في وجداننا ذلك الإبداع الجميل..

@@@

ووقت الفراغ في العصر الحديث أكثر منه في العصور السابقة.. لقد كان الإنسان قديماً - في الغالب - يكدح في طلب الرزق حتى ينام.. ولا تكاد توجد إجازات.. أما في العصر الحديث فأوقات العمل محددة.. والإجازات حق مشروع.. وهي كثيرة: أسبوعية وموسمية وسنوية وغيرها.. وهذا يريح الإنسان أكثر، ويمنحه الفرصة لإيجاد لوحات حرة في حياته يلونها ببهجة.. إذا استخدم بعض الذكاء..

@@@

وحين نقول إن العصر الحديث أتاح للناس فرصاً كثيرة لملء وقت الفراغ بما يمتع، إذا تجنبوا ما هو ضار وهو كثير أيضاً في هذا العصر..

حين نقول هذا فهناك أدلة ملموسة منها أن:

(القراءة للجميع)

فالكتب الآن بالملايين، ومتاحة للجميع بأسعار رخيصة، وبالمجان في المكتبات العامة، أما في العصور السابقة فإن القراءة محصورة على خاصة الناس أو النخبة وهم القلة في المجتمع.. فقد كانت الأمية منتشرة.. ولم يكن هناك مطابع.. وكانت الكتب تخط باليد.. ومع ذلك ظلت القراءة، وفي كل العصور، من أبقى وأقوى المتع في هذه الدنيا..

والغربيون الذين تتاح لهم أنواع المتع، يعتبرون القراءة هي المتعة الأولى، بما في ذلك شبابهم، وإذا سافرت وجدت شباناً وشابات في عمر الزهور وفي يد كل واحد منهم كتاب: ديوان شعر.. رواية.. قصص قصيرة.. المهم أنهم يقرأون حتى وهم في الإجازة.. وهم على الشواطئ.. وهم مسافرون في القطارات..

وقد قرأت لرجل غربي قوله:

"عندما تتساقط المتع كلها تظل متعة القراءة باقية".

وهذا هو المجرب، وهو الصحيح، فإن معظم المتع الأخرى تصاب بالملل إذا امعنت فيها، بعكس القراءة فكلما أوغلت فيها استمتعت أكثر وأبحرت في عوالم مدهشة..

(مفتاح القراءة كلمة)

وإذ يقولون "مفتاح الشهية لقمة" نقول إن مفتاح القراءة كلمة.. بمعنى أن تقرأ عدة صفحات ثم تشدك الرواية والكتاب.. بشرط اختيار ما يلائمك كما تختار من الطعام ما تحب..

(تنويع الاهتمامات)

رأيت أناساً يسخرون من الذين يهتمون بكرة القدم..

وآخرون يستسخفون بعض الهوايات.. والواقع أن الاهتمامات تزيد حياتنا حرارة ومتعة.. وكلما تنوعت الاهتمامات امتلأ الوقت بما يمتع.. فالذي يهتم بكرة القدم.. ويهتم بالقراءة.. وبمتابعة الأفلام الجيدة.. وبدخول عالم الانترنت.. هو إنسان متنوع الاهتمامات.. حياته مملوءة.. لا يكاد يعرف الملل.. والملل هو عدو الإنسان الأول.. وهو يلتهم من لا اهتمامات له.. ويهاجم من يهتم بأمر واحد فقط مثل كرة القدم وحدها.. أو القراءة وحدها.. فإن من طبيعة الإنسان حب التنويع..

وحب الارتياد والاكتشاف.. ووقت الفراغ أشد حاجة لكثرة الاهتمامات وتنوع الهوايات بين قراءة.. وسفر.. وتصفح للشبكة الإلكترونية.. وسمر مع الأصدقاء.. وزيارة للأقارب.. وممارسة للرياضة.. ومتابعة للأفلام والبرامج التلفزيونية الراقية (مع تدوين مواعيدها ليظل الإنسان على موعد مع أشياء يحبها باستمرار".

والقراءة ليست محصورة في مجال واحد كما يفعل ذلك بعض القراء.. بل هي ميادين رحبة.. وعوالم شاسعة.. والتنويع فيها يزيد المتعة والشوق إلى الاكتشاف والارتواء من ظمأ المجهول، ودخول عوالم جديدة..

"اللعب = جد"

واللعب له دور جميل في إثراء حياة الإنسان.. وإمتاعه.. وخاصة إذا كان يحب اللعب مع أطفاله: لعب الكرة.. أو ألعاب الكمبيوتر.. أو أي ألعاب مرحة أبطالها الأطفال الذين يمنحون الكبير في السن نشوة الطفولة..

واللعب قديم في حياة البشر..

ونشاط هام نافع إذا لم يأخذ أكثر من وقته..

ومع أن اسمه (لعب) إلا أنه (جد) في قوانينه.. انظر للفريقين في مباراة كرة القدم وهي لعبة فإنك تحس بالجد الكامل، وقد عشق الناس عامة، والشباب خاصة، كرة القدم لأنها لعبة تجمع بين الحيوية والعدل والذكاء والحظ والمساواة والمهارة والعلم والفن..

وإذا كان لدى الإنسان ميل لتشجيع فريق معين فهو يجعل حياته أكثر حرارة وإثارة.. ما لم يبلغ به التعصب حد الكآبة إذا هزم فريقه.. أو حد الغضب مع أصدقائه المعاندين له..

على أن رؤية اللعب لا تغني عن ممارسته..

كما أن رؤية الرياضيين وهم يلعبون بلياقة لا تغني الإنسان عن ممارسة الرياضة..

(الرياضة الممتعة)

والرياضة صحة وراحة نفسية، والموفق من يختار الرياضة التي تمتعه: السباحة إذا كان يهواها.. المشي مع صديق عزيز.. المهم أن يفضل الرياضة التي تمتعه..

وهنا تكون الفائدة أكثر لأنه سيكون مرتاحاً نفسياً، وسوف يستمر في ممارسة الرياضة..

(الأسرة وأطيب الأوقات)

إن وقت الفراغ والنشاط وقت تطيب فيه النفس والجسد، ويكون الإنسان أثناءه في أفضل حالاته.. رجلاً كان أو امرأة.. وتخصيص جزء كبير من هذا الوقت الطيب للأسرة يجعل الحياة أكثر سعادة.. والعلاقات الزوجية أرقى وأقوى.. والاستمتاع ببراءة أطفالك في ذروته.. فيصبح البيت مسرحاً للابتهاج.. تصدح فيه طيور الفرح.. ويضحك المرح من النوافذ.. أما العودة للعائلة في حالات التعب الجسدي والنفسي فقط فهو يصيب البيت بالخمود والهمود.. ويوجد بيئة خصبة لجراثيم المشاكل الزوجية، فيفقد الإنسان السلام في بيته.. ومن لا يجد السلام في بيته فقل عليه السلام..

ومن يفقد السعادة في بيته فلن يجدها في مكان آخر..

وأوقات الفراغ الصافية أجمل الأوقات لرعاية شجرة السعادة بجذورها وفروعها المكونة من أفراد أسرتك أحب الناس وأقرب الناس وأعز الناس..

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 4

  • 1
    تعجبني مقالاتك استاذ عبدالله.. واحد من الشباب امس يقولنا جلست مع شايب قالي انت ياولدي تبي بيت؟ قال خويي ايه قاله تبي سياره جديده؟ قاله ايه ابي.. قاله الشايب هذا يا ولدي كله فيه مخك مجرد احلام مش واضحه خذ ورقه وقلم واكتب ابي بيت ابي سياره وعلق هالورقه على المرايه في غرفتك عشان تشوفها كل يوم وصدقني يا ولدي بمشيئة الله انك بتجيب السياره والبيت في وقت سريع.. نجي لموضوعك استاذ عبدالله بالنسبه للفراغ انا والله احب اجيبلي أكله حلوه او حلى او ايسكريم واقعد تحت المكيف واتابع احد هالبرامج الحلوه مثل برامج طارق السويدان او عمرو خالد من جد متعه

    محمد عبدالرحمن - زائر

    07:59 صباحاً 2007/06/30


  • 2
    يعطيك العافية أستاذ عبدالله
    اتفق معاك.. مهم كثيير التنويع في الهوايات والاهتمامات..لانك بكذا تكتشف أشياء جديدة في ذاتك ما كنت تعتقد انك تمتلكها او لك ميول فيها..وبكذا تشغل وقتك وتثري شخصك بهذه الخبرات اللي تكتسبها..

    سديم خالد - زائر

    10:25 صباحاً 2007/06/30


  • 3
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة
    عن ابن عباس ضي الله عنهما قال: قال الرسول صلى الله علية وسلم"نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة, والفراغ" وذلك لان العبد عندما يحاسبة الله عز وجل يوم القيامة يندم على ماضيعه من أوقات..!!فالوقت ثمين يستغلة المسلم فيما يرضي الله ولاينسى نفسة من الترفية المباح فإن لنفسك عليك حق..وهدى الله الكاتب فلم يذكر مايقرب لله عز وجل؟

    ابو ليان - زائر

    03:18 مساءً 2007/06/30


  • 4
    كان اهلي يحبون ان يطلقوا علي لقب ( جعيثن ) وكنت لا ارغب في هذا القب ولكن بعد هذا المقال اؤواكد ان لقبي ( عبدالله جعيثن ).
    وعلى فكره وش معنا جعيثن ؟ مع تحياتي وشكري وتقديري لشخصكم الكريم

    عبدالله الاحمري - زائر

    05:16 مساءً 2007/06/30



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة