الجولة الملكية من الرباط إلى عمان.. الريادة.. الدور والمكانة
دون أي شك فالجولة الملكية التي قام بها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز إلى اسبانيا، فرنسا، بولندا، مصر والأردن قد حققت الأهداف المرجوة من ورائها، لقد كانت جولة ناجحة بكل المقاييس عطفا على نتائجها التي صدرت عنها، فالجولة لم تكن فقط من أجل تعزيز العلاقات الثنائية بين المملكة وتلك الدول، وإن كانت هدفاً من الأهداف، بل إنها حملت الهم العربي الإسلامي خاصة الى الدول الأوروبية من الوزن الثقيل في اتخاذ القرار الداعم والمناصر للقضايا العربية والإسلامية العادلة.
ففي جولته حمل خادم الحرمين الشريفين الهم العربي مستشعراً الخطر الداهم على الكيان العربي بأكمله وعلى مصير العرب ومقدراتهم ومصالحهم، منطلقا من الواجب والمسؤولية العظيمة الواقعة على بلد بحجم المملكة السياسي والاقتصادي، ومؤكدا ان المملكة لا تبحث عن دور ولا تنافس أحداً على دور، بل إن هذا هو قدرها في تحمل المسؤولية تجاه الأمة، فالمملكة عاهدت أشقاءها من الدول العربية على المضي في جمع الكلمة وتوحيد الصفوف، منطلقة من قناعتها الراسخة بعظم المسؤولية والأمانة تجاه الأمة العربية وتجاه شعوبنا، مؤكدا - حفظه الله - على أن العبرة بالعمل والتطبيق لا بالخطب والتصريحات والقرارات التي تظل حبراً على ورق.
الجولة الملكية لخادم الحرمين جاءت ليس فقط من أجل مصالح المملكة - وإن كان هذا حقاً مشروعاً للدول في البحث عن مصالحها - ولكنها أخذت بعدا أكثر شمولية لتصب في مصلحة الوطن العربي ككل من أجل نصرة قضاياه في فلسطين والعراق ولبنان
والسودان، وبالتأكيد فإن ردود الفعل جاءت مبشرة وإيجابية من خلال كلمات رؤساء تلك الدول الذين أكدوا على أهمية المملكة الكبرى كمركز للعالم الإسلامي ولدورها السياسي والاقتصادي على مستوى العالم، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك عندما ركزوا على احتياج العالم للمملكة من أجل تحقيق السلام.. ويحتاج إلى خادم الحرمين الشريفين لتفادي بؤر الصراع لإرساء حوار حقيقي وتقارب وفهم بين الحضارات والثقافات، وقد تجلى ذلك على أرض الواقع عندما قام أهالي مدينة ياني كوفو البولندية التي تنتمي إليها التوأمين البولنديين أولغا وداريا اللتين أجريت لهما عملية فصل ناجحة في المملكة بإطلاق اسم الملك عبدالله على مركز لتشجيع الحوار والتبادل الثقافي تقديراً لدور خادم الحرمين في نشر ثقافة الحوار بين الحضارات.
الجولة الملكية كان لها مردود اقتصادي مواز للمردود السياسي الإيجابي تمثل في إنشاء صندوق استثماري بين رجال الأعمال السعوديين والاسبان برأسمال مبدئي مليار دولار للاستثمار في مشاريع البنى التحتية، واتفاقية لمنع الازدواج الضريبي، كما تم توقيع عدد من الاتفاقيات مع بولندا اقتصادية وثقافية وصحية.
أما على الجانب الإنساني فلم يقتصر الأمر على الحنان الأبوي المثالي الذي أبداه الملك عبدالله تجاه التوأم البولنديين أولغا وداريا عندما استقبلهما حفظه الله خلال زيارته للعاصمة البولندية وقدما له الورود تعبيراً عن شكرهما وامتنانهما على رعايته لهما وسؤاله عنهما، لم يتوقف الجانب الإنساني في الجولة
الملكية على تلك المشاعر الفياضة من التوأم، بل شاهدناه في الحفاوة البالغة التي تم استقبال خادم الحرمين بها في أسبانيا وفرنسا وبولندا ولن نأتي على ذكر المغرب و مصر والأردن فهي دول عربية شقيقة والحفاوة والكرم شيم عربية تعرفها جيداً وتجسدها بأشكالها المختلفة، ولكن سنعيد رواية أحداث الاستقبال في الدول الأوروبية التي تعرف أن قادتها ورؤساءها يتقيدون بالبروتوكول ويحرصون على تنفيذه بحذافيره.
وما حدث في استقبال خادم الحرمين في أسبانيا كان خارقاً للعادة فليس من البروتوكول الأسباني ولا البولندي أن يخرج العاهل الأسباني أو الرئيس البولندي لاستقبال ضيوفهما في المطار، حيث جرت العادة أن يقوم رئيس الوزراء بهذه المهمة كونها ضمن اختصاصاته، ولكن العاهل الأسباني أصر على استقبال خادم الحرمين بنفسه في مطار مدريد خارقاً كل أصول البروتوكول وتفرعاته حفاوة بضيف بلاده الكبير.
ولم يكتف الملك خوان كارلوس بذلك بل كان حاضراً في جل المناسبات التي حضرها الملك عبدالله بن عبدالعزيز وهو أمر غير معتاد في أسبانيا ولكن لمكانة الملك عبدالله عند الملك خوان كارلوس قام بتجاوز البروتوكول ليس فقط في الاستقبال ولكنه كان أيضاً حاضراً في وداع الملك عبدالله في المطار، وذات الأمر فعله الرئيس البولندي عندما خرق البروتوكول مستقبلاً خادم الحرمين الشريفين في مطار وارسو وهو أمر لا يتماشى مع البروتوكول في بولندا ومع ذلك فقد حدث فالضيف كبير والمناسبة تاريخية كان لا بد السير في اتجاهها لمكانة الملك عبدالله ودوره السياسي والاقتصادي والإنساني في تعزيز عرى الصداقة والتعاون مع مختلف دول العالم.
وإن كان الرئيس الفرنسي قد تمسك بالبروتوكول إلا أن الحفاوة البالغة والحميمية الظاهرة في ترحيبه بخادم الحرمين في قصر الأليزيه الرئاسي مستقبلاً ومودعاً جسدت المكانة العظيمة للملك عبدالله عند القيادة الفرنسية التي تكن كل تقدير واحترام للقيادة السعودية وذلك تجلى في الكلمات التي عبر بها الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي لدى اجتماعه مع الملك عبدالله وتأكيد أهمية الدور الذي تقوم به المملكة وعلى الحكمة التي يتمتع بها خادم الحرمين ليس في استقرار منطقة الشرق الأوسط فحسب بل من أجل استقرار العالم من خلال قناعته - حفظه الله - بحوار الثقافات والحضارات بدلاً عن صدامها، سيصب بالتأكيد في تعزيز الاستقرار الدولي ووأد بؤر الصراع التي قد تؤدي إليه .
