إذا نظرنا بنظرة مالية بحتة إلى كلفة تدريس خريج الثانوية العامة لكي يصبح طبيباً بشرياً حديث التخرج بدرجة البكالوريوس في الطب والجراحة والتي تستغرق سبع سنوات، وجدناها في المرتبة الاولى بين الخريجين للعلوم الأخرى، ويكون حصوله على درجة البكالوريوس من ناحية التكلفة هو فقط رأس جبل الجليد الطافي على سطح الماء... حيث انه يلزمه ضعف تلك التكلفة وخمس سنوات اخرى لكي يستطاع الاستفادة منه كطبيب متخصص بعد حصوله على شهادة الزمالة.. ثم سنتين اخريين لحصوله على تخصص فرعي وهذه نهاية المطاف وقمة الاستفادة من خبرته في خدمة المرضى.... إذاً هي أربعة عشر عاماً في المعدل لكي تبدأ فعلياً الاستفادة المثلى منه علمياً وعملياً.
وإذا كان هذا الطبيب ممن تفضلت الدولة - أعزها الله - بتحمل نفقات تعليمه لجميع تلك المراحل والتي تتعدى بضع ملايين من الريالات، فإنه من المسلم به إقتصادياً بأن للدولة الحق في جني فوائد استثمارها هذا لأطول مدة ممكنة، طالما ان ذلك الطبيب قادر على العمل والعطاء... أما أن يستغنى عن خدماته مبكراً بحجة أن النظام ينص على ذلك، فهذا يتنافى وأبسط قواعد الاقتصاد.. إذا صح التشبيه.
إن نظام الخدمة المدنية انتبه إلى هذه الحقيقة، فبالإضافة إلى النظام العام الذي يشمل جميع موظفي الدولة القاضي بالسماح لهم بتمديد خدماتهم إلى سن الخامسة والستين - إذا دعت الحاجة إلى ذلك بموجب طلب مؤيد من مرجعهم - سمح النظام بتمديد خدمة الطبيب مدة اضافية الى سن السبعين في حالات خاصة تلك التي فيها الحاجة الماسة إلى تمديد خدمات بعض الأطباء من ذوي التخصصات النادرة، ولا يمكن في الوقت الحاضر الحصول على بديل عنهم، ويثبت تقرير صحي انهم قادرون على العمل ولا توجد لديهم عوائق صحية تمنعهم من مزاولة العمل في هذه السن المتقدمة.
هذا النظام ينم عن الحكمة والنظرة الاقتصادية الثاقبة...حيث ان إحالة الطبيب السعودي إلى التقاعد في سن مبكرة، يضطر المستشفى الذي يعمل فيه إلى استقدام بديل له قد يكون غير سعودي ويكلف المستشفى اضعاف ما يكلفه ترك الطبيب السعودي على رأس العمل وتمديد خدماته.. حيث ان الطبيب الاجنبي ذا المؤهلات العالية لا يرضى إلا براتب مرتفع مع علاوات اخرى لا يطلبها الطبيب السعودي مثل السكن والتذاكر له ولعائلته مرة او مرتين في السنة، إضافة إلى مصاريف تدريس اطفاله.... الخ وإذا نظرنا إلى إحصاءات وزارة الصحة فسنجد ان نسبة الاطباء السعوديين الى نسبة الاطباء الاجانب في المملكة هي من 16- 84% أي أن هنالك 16طبيباً سعودياً فقط مقابل 84طبيباً أجنبياً.... إذاً فالدولة أولى بجهد أبنائها الذين صرفت عليهم حتى وصلوا إلى قمة العطاء من علم وخبرة، فكيف تستغني عن خدماتهم بمجرد ان النظام يقضي بذلك.
هذا بالضبط ما يحدث للأطباء العسكريين الذين يعيشون كابوس الإحالة على التقاعد قبل السن المتعارف عليها لأخوانهم المدنيين وهي سن الخامسة والستين... إنهم يحالون الى التقاعد وهم في قمة عطائهم وكبير تجربتهم بحجة إخلاء المرتبة لضباط آخرين ينتظرون الترقية.. أو أن ذلك الطبيب العسكري وقع في "مصيدة العمر والمرتبة" حيث يقول النظام ان من لم يترق الى المرتبة العسكرية التالية عند وصوله إلى سن معينة يحال إلى التقاعد.
لقد خسرنا - والحق يقال - أطباء عسكريين أكفاء لا يمكن تعويضهم حاصلين على شهادات من أوروبا وأمريكا الشمالية وبعضهم لديه تخصصات فرعية نادرة وذلك يحدث سنوياً، حيث ان تلك الإحالات دورية بموجب نظام الخدمة العسكرية... إن خسارة هؤلاء لا تمر مرور الكرام على المستشفى كما يظن البعض، ولكنها تهز هذه المؤسسة... فإزالة عمود حامل للثقل في مبنى يزعزع أركانه.
ومن المتناقضات التي تثير الاستغراب هي أن المستشفى قد يلجأ إلى التعاقد مع طبيب بديل آخر - أجنبي في معظم الأحيان - حيث ندرة الأطباء المؤهلين تأهيلاً عالياً، ويكلف ذلك الدولة - كما ذكرت آنفاً - أكثر مما لو ترك الطبيب السعودي على رأس العمل.
إن النظام من وضع البشر وليس قرآناً منزلاً والبشر الذين وضعوا النظام يستطيعون تغييره بما يخدم مصلحة المواطن ويوفر على الدولة أموالاً طائلة... فالنظام يمكن ان يطوع بما تقتضيه ظروف الزمان والمكان.
إن عزوف الأطباء عن الإنخراط في السلك العسكري في الآونة الأخيرة قد يكون من أهم اسبابه هو كابوس الإحالة على التقاعد قبل سن الستين، ناهيك عن أنهم - ولسبب طول الدراسة وبالتالي تأخر إلتحاقهم بالخدمة - ليس لديهم ذلك الرصيد العالي من الخدمة مما يؤثر على رواتبهم التقاعدية.
*استشاري أول أمراض النساء والولادة وطب الأجنة
نائب رئيس الأطباء
مستشفى القوات المسلحة بالرياض
1
سلمت يا اخى الدكتور ولكن المؤسف ان هذا المنوال لايمكن الحيدة عنه لانه يصعب عليهم ان يحولوه الى طبيب مدنى وان لم يثبت على مرتبة بل يكفى اذا اعطى اجرا لايقل عن راتبه مساكين هؤلاء المسؤلين ومظلوم هذا النظام بل هو ظالم فلم يحال على التقاعد من لم يوجد له رتبة اونمرة يرفع عليها الا اذا كانت تلك المادة وضعت من اجل التخلص من الغير مرغوب فيهم فلا حرج المهم من النقص فى التفكير انه حينما يصل الدكتور الى درجة استشارى نحيله على التقاعد وثم نهرول الى مصر لا بل الى السودان للتعاقد مع بديل له وكانى اراى امستشفى العسكرى بطاقم سودانى لااعلم هل هذا من جدارتهم او من اجل رخصهم والشيئ المعروف ان الشركة تبحث عن الربح وليس عن الدير فمتى يدار المستشفى بايدى وطنية مخلصة وبطوقم طبية سعودية 100% عسى الا يستحيل ذلك كما فى وزارة الصحة
05:49 صباحاً 2007/06/29
2
لماذا لا يتم التعاقد معهم وخوصاً من أثبتوا جدارتهم وعطون مكافأة نهاية خدمة ونجعل أبناء الوطن هم من يخدمون بدل الأجانب خصوصاً أن الطبيب كلما طالت خدمته أكتسب خبرة طويلة ومرة عليه حالات كثيرة
07:25 مساءً 2007/06/29
3
جزاك الله الف خير ي دكتور من المفترض انظر في موضوعهم بكل امانة وبصورة عا جلة
09:49 مساءً 2007/06/29
سجل معنا بالضغط هنا