د. محمد الكثيري
أكاد أجزم، أن جميع مسؤولي أحد الأجهزة الخدمية الحكومية سيحصلون على شهادة الدكتوراه خلال الخمس سنوات القادمة، إن لم يكن أقل من ذلك. بل إنني أستطيع أن أضع جميع الموظفين بدلاً من المسؤولين في الجملة أعلاه بسبب هذا الاستنتاج هو ما نراه يومياً، وفي كافة الصحف، من أخبار عن حصول منسوبي ذلك الجهاز على شهادة الدكتوراه، بطريقة لا يكاد يمر يوم واحد، إلا وتجد خبراً عن أكثر من شخص من موظفي ذلك الجهاز وقد حصلوا على تلك الشهادة. الغريب أن هؤلاء يحصلون على تلك الشهادة وهم على رأس العمل، مما يعطي انطباعاً أن هؤلاء لم يكونوا يقوموا بأعمالهم، وإنما تفرغوا للدراسة واستغلال ساعات العمل وإمكانات الوظيفة للدراسة والتحضير للشهادة، أو أن العكس هو الصحيح، حيث أن ما قام به أولئك للحصول على تلك الشهادة ليس سوى التسجيل ودفع الرسوم، ومن ثم الانتظار لانقضاء فترة زمنية محددة للحصول على الشهادة.
الأمر لا يقتصر على هذه الجهة وحدها، حيث أصبح لدينا هوس غير مسبوق بالحصول على هذه الشهادة لمن هم على رأس العمل، بل إن الأمر امتد أيضاً لموظفي القطاع الخاص ومسؤوليه، الذين كثيراً ما تُفاجأ حينما يصدمك أحدهم بخبر حصوله على الدكتوراه من إحدى الجامعات طيبة الذكر، في الوقت الذي يدرك فيه القريبون من القطاع الخاص حجم العمل في ذلك القطاع، وكثرة الأعباء التي يقوم بها من يعمل في وظيفة خاصة، وبالذات حينما يكون في وظيفة قيادية، إذ أن جل وقته للدوام، وما زاد عن ذلك فهو وقت لن يسمح بالتركيز والقراءة والبحث والمتابعة لنيل تلك الشهادة.
لو كان ضرر هؤلاء الأشخاص، الذين يحصلون على هذه الشهادة بهذه الطريقة، وأنا هنا لا أتحدث عمن يتفرغ ويعمل بجد للحصول عليها، يقتصر عليهم لهان الأمر، وقلنا دعوا كلاً وشأنه، ولو كان مجتمعنا وأجهزته ومؤسساته على قدر من النضج والمعرفة لفرز الأشخاص والحكم عليهم بعيداً عن الشكليات والألقاب، لهان الأمر وقلنا دعوا الخلق للخالق أيضاً، ولكن الخطورة تكمن في أن ضرر هؤلاء وهشاشتهم المعرفية، بل وأساليبهم في الحصول على تلك الشهادات يمتد أثرها السيئ على المجتمع وبالذات أن هذه الشهادات وللأسف الشديد، أصبحت، وسيلة للترقية والوصول إلى المناصب وعضوية المجالس والهيئات، بغض النظر عن قدرة صاحبها وكفاءته، ما دام أنه يحمل هذه الورقة، ويحرص على كتابة ذلك الحرف أمام اسمه في كل محفل ومناسبة.
إن الأمر جد خطير، وإذا لم تتحرك الجهات المعنية، وتحديداً وزارة التعليم العالي، للحد من هذه الآفة التي تنخر في جسدنا التنموي، فإننا سنتحول إلى مجتمع ورقي يقوده حاملو الأوراق والشهادات بغض النظر عن الكفاءة وصحة تلك الشهادات وإذا كان من الصعوبة على الوزارة أن تسيطر على الأمر، في ظل هذا الانفتاح والتوسع، فأتمنى أن يجبر أصحاب تلك الشهادات عند التعيين أو الترقية سواء في القطاع العام أو الخاص، على الحصول على ما يثبت مصدر تلك الشهادات وصحتها كي يضطر الجميع إلى تسجيل تلك الشهادات لدى الوزارة، وبالذات من المنتمين للقطاع الخاص، كي نقطع الطريق على الجميع وفي مقدمتهم ذلك الأخ الذي فاجأ صديقاً لي بسواله: "تبي دكتوراه؟" ولما أجاب صديقي أنه لا يحمل إلا الشهادة الجامعية، ولا يتحدث اللغة الإنجليزية، رد عليه مباشرة، ما عليك أدفع الرسوم وكل شيء يتيسر.