في حياتنا ننظر دائماً إلى الكربات والمصائب التي تحدث حولنا على أنها بعيدة كل البعد عنا وأنها لايمكن أن تصيبنا - أو كذلك نتخيل - مثل الموت نراه كل يوم لكن في قرارة أنفسنا نشعر أنه بعيد وسوف يكون له مقدمات تجعلنا نأخذ استعدادنا له وأنه يمكن أن يستأذن حتى يأتينا ولكن في الحقيقة ما نراه حولنا من موت كل يوم وكربات وشدائد ومصائب وظواهر طبيعية تتغير كل يوم لتزداد قسوة وقوة؛ ما هي في حقيقة الأمر إلا أجراس خطر تدق للتنبيه وعلى كل إنسان منا أن يقف متأملاً فيحاسب نفسه ويفطن إلى المنحة الالهية التي يوجهنا إليها رب العالمين الا وهي نعمة "التنبيه" ولكن هل من عاقل يستجيب؟ ما نراه كل يوم من أحوال العباد وتصرفاتهم وأسلوب ممارسة حياتهم لا يوحي أن هناك أحدا يستجيب.
فما أكثر النداءات إلى محاسبة النفس ولكن في حقيقة الأمر كيف يحاسب الإنسان نفسه؟ وهل عنده الشجاعة للوقوف على أخطائه؟ وهل يستطيع أن يضع لنفسه التقييم الذي يستحق؟ فما أقسى الإنسان على أخطاء غيره وما أهونه على أخطائه.
فما نراه اليوم من مظالم كثيرة تعج بها المحاكم ومكاتب العمل إلى جانب البطالة وانتشار الفقر بشكل واضح، وما نراه من عقوق الأبناء للآباء وظلم الآباء للأبناء والأمهات، وانتشار المفاسد التي صاحبت التقدم التكنولوجي والاتصالاتي من تعد على حرمات المسلمين واستخدامها في نشر المفاسد والرذيلة وصولاً إلى ظلم الإنسان البين لأخيه الإنسان سواء بقلبه أو قوله أو فعله، فانتزعت الرحمة من كثير من القلوب، فأصبحت كالمدن الخاوية؛ ماهي إلا مقومات ومسببات شهية لغونو الصغير لكي يكبر ويزداد شراسة.
إن ما يحدث وما نراه في كثير من الأحيان من ظواهر طبيعية لاشك أنها آيات من الرحمن قد تكون بشير خير أو نذير سوء ولكن للأسف هي تتلون وتتصبغ بأعمالنا وسلوكياتنا ومن هذا المنطلق لاشك أن غونو الصغير سيكبر ويزداد قسوة معها لن نستطيع إلا أن نواجه مصيرنا الحتمي.
ولكن رحمة الله هي أوسع لنا، فيجب الا نُفلت الفرصة من أيدينا، فعلينا من أكبر مسؤول إلى أصغر مواطن مراجعة النفس ومحاسبتها بصدق وأن يقوم كل منا بواجبه على أكمل وجه وأن يراعي ضميره فيما استرعاه الله عليه، فيراعي حرمة أخيه ويحفظ ماله ودمه وعرضه، وأن يكون في قلوبنا رحمة لمن تحت إمرتنا، وعلى كل مسؤول أن يعمل على رفع الظلم عن كل مظلوم والايبخل بماله وجهده لمحاربة الفقر والبطالة ونشر العدل، فمعها سيشعر كل مواطن بمدى حجم الأمانة الملقاة على عاتقه وسيكون على قدر المسؤولية تجاه وطنه ونفسه وأخيه المسلم، ومن هنا نستطيع أن نواجه غونو الصغير والكبير.
ولنتذكر قول الله تعالى:
( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لاترجعون
صدق الله العظيم (المؤمنون، 115)