مساعدة منزلية ... لا خادمة
ببساطة يمكن أن يكون هذا العام عاما فارقا في حياة أكثر من 88% من الأسر السعودية ، أو يمكن أن يبقى الحال على ما هو عليه ويؤجل التغيير إلى عام قادم لا محالة..
والحكاية أن هذا العام شهد الكثير من الجدل داخل المملكة وخارجها شرقا وغربا حول العمالة المنزلية ، بدءا بتعديل شروط استقدام العمالة الفلبينية التي ترقى بمهنة الخادمة إلى مستوى غير مسبوق تفوق في بعض نواحيه ما قد تتقاضاه مواطنة تعمل معلمة في مدرسة أهلية ، مرورا بقرار رفع راتب العاملة الاندونيسية وانتهاء بالجدال عالي النبرة حول فتح باب استقدام العمالة المصرية والذي وئد في مهده ..
ولأن الدراسات تقول ان حوالي 88% من الأسر السعودية تعتمد على وجود خادمة أو أكثر بالمنزل فان الأمر لن يبقى عالقا لفترة طويلة ولابد من حسمه بأحد ثلاثة أمور ، أولها أن ترضخ الأسر السعودية لابتزاز الدول المصدرة للعمالة وتقبل بشروطها التي لن تقف عند حد طالما أن الحاجة للعاملات المنزليات مستمرة وهو أمر محبط ويدعو للأسى ، وثانيها أن تتراجع الدول المصدرة للعمالة عن شروطها تحت ضغط حاجة بناتها للعمل وللراتب القديم الذي كانت تتقاضاه وهو أمر مستبعد في ظل ارتفاع أسعار كل شيء في العالم فلا شيء يعود للخلف أبدا ، أما الأمر الحاسم ثالثا فهو في إعلان حالة من العودة للأصل في بيوتنا ونبذ العاملة الغريبة من أولوياتنا ، فالعاملة المنزلية فرع توحش حتى حل محل الجذر وهذا أمر غير طبيعي وآن الأوان أن نصحو ونتعامل مع مساوئه التي يعرفها الجميع بشكل أكثر ايجابية ..
فلن أتحدث هنا عن دراسة سلمان القمري التي قدرت المبالغ التي تنفق على استقدام الخادمات إلى المملكة العربية السعودية بنحو 41مليار ريال، أو تقديرها لخسائر هروب الخادمات من الكفيل بمبلغ 38مليون ريال سنوياً، ولن أتحدث عن المشاكل اليومية من جرائم وانهيارات وزواجات وأخلاقيات وارتباطات عاطفية وغير ذلك مما نسمع ونعرف من جراء إدخال عنصر غريب إلى منزل آمن ، ولكني سأتحدث فقط عن تأثير دخول الخادمة على العلاقة بين البيت وساكنيه ، ففي حين كان وجود البنت مع أمها في المطبخ تعلمها أمرا من أموره يشكل نواة إعداد ربة منزل مستقبلية ، كان أيضا وسيلة ارتباط وصلة حميمية بين الأم وابنتها تتوثق على أبخرة الكبسة والمرقوق والأحاديث الصافية الرائقة الحنونة ، لكن ضاعت هذه الصلة منذ أن أصبحت الخادمة هي التي تعرف مكان كل شيء وطريقة عمل كل شيء وليس على البنت مقابلة أمها إلا على طاولة الطعام أن تصادف اتفاق مواعيدهما ، وكذلك الحال بالنسبة لرجال المنزل الذين بهتت علاقتهم بنساء المنزل منذ أن أصبحت العاملة هي مسؤولة الحواس الخمس لديه وأحيانا الحواس الست !
فهل يمكن أن تشكل اضطرابات أحوال العمالة حول العالم بداية عودة الحياة إلى أصلها ولو جزئيا ، فما المانع من أن تصبح العاملة مجرد عامل مساعد يأتي مرة واحدة أسبوعيا إلى المنزل لتساعد في الأمور الكبيرة الثقيلة ويظل باقي الأسبوع للام والزوجة والبنات والأخوات حتى تعود دماء العائلة تسري من جديد في أوصال البيت الواحد ..
لقد قرأت هذا الأسبوع أيضا عن دراسة وزارة العمل لإمكانية توظيف سعوديات كمديرات منازل بمرتب شهري يتراوح بين 1500و1800ريال، ورصدت بشكل شخصي مقدار الغضب المجتمعي من هذا القرار وأوافق كل من اعتبره غير مناسب لأسباب مجتمعية لا تخفى على احد ، ولكني أيضا اعرف كثيرات ممن هن بحاجة لهذا العمل وأبدين استعدادهن لممارسته نظرا لحاجتهن ، ولدي فكرة لحل هذا الإشكال وذلك بتحول الأمر إلى مساعدة أسبوعية مقررة سلفا وبدون التزام يومي أو إلزام بالبيات إضافة إلى إشراف جهة رسمية على عمل هؤلاء السيدات وإعداد تقارير دورية عن طبيعة العمل ومشاكله ، والعمل على حلها أولا بأول فهذا سوف يحل المشكلة من الناحيتين ، فمن ناحية الاسرة ستجد من يساعد ربة المنزل مرة واحدة أسبوعيا وبدون خوف لا منها ولا عليها ، وبدون نفقات استقدام وخسائر بسبب الهروب ، وبدون أن يكون وجودها مؤثرا في حياة كل أفراد الاسرة ، ومن ناحية العاملة ستجد أن وضعها منضبطا ويمكنها من وضع شروطها الخاصة التي تتناسب مع وضعها من حيث عدد ساعات العمل وكونه صباحيا أو مسائيا وغير ذلك من شروط ، كما أن ارتباط العاملة لن يكون بمنزل واحد وإنما بعدة منازل يتعاقد معها مكتب التشغيل التابعة له ، وهكذا تكون مهنة مديرة المنزل مهنة بعيدة عن الامتهان وتشبه إلى حد كبير اعمال قائمة بالفعل تقوم بها ذوات الدخول المنخفضة كالعمل في توزيع القهوة واعمال الضيافة في الأفراح والمناسبات العامة ..بل ويمكن أن يتعدى راتبها المبلغ الذي قررته وزارة العمل بكثير حسب مهارة العاملة واستعدادها للعمل ..
المهم أن تجد كل أسرة حلا لمشاكلها مع الأعمال المنزلية دون ان تفقد الروابط الأسرية عمقها ودون أن تفقد العاملة السعودية كرامتها ..
فالعمل في مهنة مساعدة منزلية أمر تمارسه النساء في كل مكان ومن كل الجنسيات وهي مهنة محترمة يتزايد الطلب عليها بسبب حياديتها وبعدها عن جملة المشاكل التي تسببها العاملة المنزلية الدائمة ليس فقط على مستوى العائلات وإنما على مستوى الدول ...!
sahar@alriyadh.com