بحث



الخميس 13جمادى الآخرة 1428هـ - 28يونيو 2007م - العدد 14248

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


فضاءات
السيرة الإلكترونية

د. محمد الصفراني
    دخلت اللغة والإبداع الأدبي مرحلة جديدة من العلاقات على مستويي الإبداع والتلقي وذلك بدخولها عصر الثورة الرقمية التي بدأت بانتشار الحواسيب في مختلف القطاعات والاستعمالات الشخصية والرسمية والإبداعية.

وقد كان من الطببيعي أن يصاحب هذه الثورة تغييرات على المستويات كافة والمستوى الإبداعي الأدبي بما ينسجم وروح العالم الرقمي الذي أصبح بالتدريج بديلاً للوسائل الكتابية التقليدية والوسائط الإعلامية المركزية التي أرست ركائزها التحكمية على مدى سنوات عديدة بين ثنائية الإدناء والإقصاء وفق معيارية سياسة وأيدولوجية وشخصية في بعض الأوقات. لكن الملفت أن التغييرات الطارئة على الإبداعات الأدبية المنشأة على الفضاء الرقمي - الإنترنت لم تأخذ نصيبها من الدرس الأدبي الذي يجلي مفاصل التأثير والتأثر الذي طرأ على تقنياتها الإبداعية نتيجة الانتقال في التعبير من المجال الورقي إلى الفضاء الرقمي الذي يشابه من وجهة نظري الانتقال الذي شهده التعبير الأدبي من الشفهي إلى المكتوب.

إن مصطلح السيرة الإلكترونية هو ما اقترحه بديلاً لمصطلح "مدونة" الذي شاع في الأوساط "الإلكتروإبداعية" - إن جاز لي التعبير - كترجمة لكلمة (blog) المنحوتة من كلمتي (web log) والتي تمت ترجمته إلى العربية تحت مصطلح "مدونة" بمعنى سجل الشبكة. والسيرة الالكترونية أو المدونة هي تطبيق إنترنتي يعمل بنظام إدارة المحتوى ويتشكل في صورة صفحة تظهر عليها تدوينات مؤرخة بترتيب زمني تصاعدي تصاحبها إمكانية حفظ وتصنيف المدخلات القديمة. وإذا ما ربطنا بين هذا المفهوم للمدونة والمفهوم العربي لكلمة ديوان توصلنا إلى طبيعة المدونة الإلكترونية باعتبارها وسيلة "وعاء" لتدوين وحفظ الأحداث التي تدور في وقت التدوين. وإذا ما ربطنا بين التقنيات الفنية التي تصاغ بها المدونات الإلكترونية - السير الالكترونية وجدنا انها تطابق فن السيرة المنبثق عن الفنون السردية المعروفة. وتتنوع السير الإلكترونية بحسب موضوعاتها فهناك السيرة الالكترونية: الذاتية، والأدبية، والسياسية، والإدارية. كما تتنوع السيرة الالكترونية بحسب المدونين فهناك سير إلكترونية فردية يكتبها فرد واحد، وسير إلكترونية جماعية يدونها أكثر من فرد. ويعود انتشار السير الالكترونية على الشبكة العنكبوتية لأسباب تقنية وإدارية، ومن أهم الأسباب التقنية انتشار أجهزة الكمبيوتر في الأوساط الشعبية والنخبوية وسهولة التعاطي معها. ومن أهم الأسباب الإدارية وجود عراقيل النشر المعروفة التي تفرضها وسائل الإعلام على الأقلام الحرة. وقد انتشرت المدونات الشخصية بصورة كبيرة بحيث بلغ عددها منذ نشأة فكرتها سنة 1997م إلى سنة 2007م ثلاثة وعشرين مليون سيرة إلكترونية على مستوى الإعلام تستقي أخبارها منها. وقد تم طبع بعضها في كتب ورقية كما ظهرت سير إلكترونية يكتبها جنود في ساحات المعارك وسياسيون في المنافي وأدباء بين براثن الرقابة مما شكل مفهوماً جديداً لكتابة السير الحربية والسياسية والأدبية أي فن السيرة الذاتية بوجه عام، هذا يعني أن السير الالكترونية هي نصوص إبداعية أدبية ذات طبيعة الكترونية خاصة لم يسلط النقاد الضوء عليها لسبر أغوارها على مستويي الإبداع والتلقي.

إن السير الإلكترونية لا تقف عند حدود اللغة كوسيلة تعبير لا تتجاوزها إلى سواها، بل إن هناك سيراً إلكترونية اتخذت من الصور وسيلة تعبير تقوم مقام اللغة photoblog وقد يكون للمتن الصوري من التأثر ما يصل إلى حدود تأثير النص اللغوي أو يتعداه، وليس أدل على هذا مما أحدثته سيرة صور سجن أبو غريب من ردود أفعال على المستويين الشعبي والرسمي على الصعيد العالمي.

إن هذا الفن الأدبي الإلكتروني فن جديد وميدان خصيب للدرس الأدبي الذي يؤمن بالتقاطعات التلاقحية بين المعارف والعلوم جميعاً على اعتبار أن الإنسان في نهاية المطاف هو المنتج والمستهلك للمعارف والعلوم والفنون. وان أي تلاقح معرفي جديد بين طرفين لابد أن يترتب عليه تغيير حتمي في المنتج يجعله يتميز عن الأصل بميزات يضيء اكتشافها الأصل بقدر ما تضيء دراسة المنتج الجديد المنتج الجديد نفسه. وأظن بناء على الرقم الكبير الذي بلغه عدد السير الالكترونية أن البشرية دخلت مرحلة تدوين الكتروني جديدة تشابه مرحلة التدوين التي مرت بها الثقافة العربية في العصر العباسي الثاني. ولا أظنني مبالغاً إذا قلت انه ربما يأتي بعد قرون طويلة من يحقق السير الالكترونية كما نحقق نحن في هذا الزمان ما دون ابتداء من العصر العباسي الثاني إلى تاريخ اختراغ المطبعة على انه مخطوطات. وذلك بعد أن تأتي ثورة علمية جديدة تنقل البشرية من الفضاء الرقمي إلى فضاء جديد يجعل من أجهزة الحواسيب والإنترنت وسائل تشبه الأوراق والأقلام في زمن الكيبورد.

M-alsafrani@hotmail.com


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







أعداد سابقة | نسخة أجهزة كفية | اتصل بنا | RSS |
جوال الرياض | القسم التجاري | مركز المعلومات | الإعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية