لقاء الزعماء العقلاء..
ليس غريباً أن يصل الملك عبدالله لمصر، أوأن يصل الرئيس حسني مبارك للمملكة في أجواء مشحونة بالعذاب العربي الدائم من إرهاب وحروب ونزاعات فصلت أبناء البيت الواحد عن بعضهم، لكن الغريب هوالترويج الدعائي الذي عشناه منذ بدأنا نتهجى مرسوم المؤامرة، لننتقل للاتهام بأن مصر تأخذ دور بغداد أو العكس حين أثار الإعلام السياسي أن عاصمتي البلدين لا تلتقيان طالما كل منهما تدعي زعامة الأمة العربية، وقد التقط بعض مرددي هذه الأزمات إلى أن الرياض على خلاف مع القاهرة، والأسباب اتفاق مكة المكرمة بين الفلسطينيين وموضوع الجسر الواصل بين بريء المملكة ومصر، ومحاولة المملكة أخذ الزعامة من مصر، وهو نفس الكلام الذي كان يتردد منذ ستينيات القرن الماضي..
هذه الهرطقة الإعلامية لا يوجد لها تفسير إلا في مزادات الإعلام القطري، وبعض مواقع الإنترنت، ومجاميع من تعداهم الزمن ممن لا يزالون يرون في أي موقف صغير خلافاً وقطيعة.
فالمملكة ومصر، والأردن ليست لها قضايا حادة داخل بيئتها الجغرافية، ولا تمثل أي دولة الرقم المتصاعد، والأخرى المتدني، ولا يوجد توزيع أدوار، لأن الانسجام موجود بضرورة حل الإشكالات الفلسطينية الداخلية بتغليب العقل على كرسي الزعامة، ومع جمع الفرقاء اللبنانيين والأخذ بمبدأ الشرعية، وكذلك الأمر في العراق والسودان والصومال، بمعنى أن أي دور تنجح فيه هذه الدول الثلاث مجتمعة، أو متفرقة في شأن عربي حساس، هو نجاح لمسعى قومي لا مفاضلة فيه أو ادعاءات لا يحملها عقل زعماء عرفوا التجارب وخاضوا أساليب الدبلوماسية المعتدلة وعرفوا مخاطر الانزلاقات التي وقعت بها بعض الدول العربية وكوارثها القاتلة.
خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله يلتقي أخويه الرئيس حسني مبارك في مصر، والملك عبدالله في الأردن، وفي هذه اللقاءات لا توجد أسرار لأن القضايا الساخنة موجودة، وهم من يحمل هذا الهمّ الكبير وتحويله من خروقات لقوانين الأسرة الواحدة، إلى تحقيق نتائج في توصيل ما انقطع من حبال المودة والإخاء، ولعل تحمّل هذه المسؤولية الحادة، والمعقدة، لا يمكن تفسيره بأنه مكاسب شخصية، وإلا لماذا يخوض الزعماء الثلاثة مغامرة الدخول في شبكة العناكب المتصارعة في وطن عربي أصبح مريضاً ومعاقاً بزعاماته الحكومية والمذهبية، وكل من يرهن الوطن في حسابات جارية لمن يشتري، أو يرهن، ثم إذا كانت هذه المهمات إلزامية في أخلاقيات زعماء المملكة ومصر، والأردن، فإنه لا يوجد من يحاسبهم على موقف ما لو تبرأوا من هذه القضايا واعتزلوها لأسبابها القائمة، غير أن المشكلة، في رؤيتهم الموضوعية، لا يمكن تركها عائمة تؤدي إلى فوضى قاتلة، وتذهب بالأمن العربي إلى اتجاهات خطيرة، يستغلها كل طرف في محيطنا الاقليمي أو الدولي.
لقاء الزعماء الثلاثة لا يتم خارج الهم العربي، لكن المشكل أننا نعيش أزمنة فقدان العقل، ولابد لهذه الأمة من حكماء في عصر قحط الفكر وتناحر القبائل وبذور الشكوك، ولابد أيضاً أن تكون مهمات هذه الدول الثلاث شاقة، لكنها ضرورة حتمية.