د. صالح النملة
شعر الأمريكيون بالضغوط السياسية والعسكرية سواء في العراق أو أفغانستان، وعرفوا أن الفشل هو أقرب الاحتمالات على هاتين الجبهتين، وأن تنامي العنف يزيد كل يوم، وهذا ليس تهديداً للقوات الأمريكية وسياساتها بل يعتبر تهديداً للتركيبة السياسية للمناطق التي تعدها الولايات المتحدة الأمريكية مناطق نفوذ ومصالح استراتيجية.
وإن غزو العراق وأفغانستان في حالة الغضب وعدم التفكير العقلاني بعد أحداث 9/11من جانب واحد ودون أي تفكير بالمنطقة ودون حلفاء يقبلون المغامرات والسياسات للولايات المتحدة الأمريكية وقت الغضب والاندفاع دفع إلى تآكل المصداقية السياسية وانكشاف الأهداف الحقيقية للحملات السياسية والعسكرية التي اتخذت من محاربة الإرهاب غطاء لها ومبرراً.
ومن أجل تحقيق الأهداف السياسية والعسكرية في العراق أو الحد من الخسائر لا بد من العمل من أجل تقسيم المجتمع العربي والمسلم الكبير بخرق صف الإجماع القوي على سياسات الولايات المتحدة في المنطقة العربية والعالم الإسلامي.
إن الاندفاع الأمريكي والإسرائيلي على دعم الرئيس الفلسطيني محمود عباس ومنظمة فتح دليل واضح وقوي على سياسة أمريكية هدفها شراء الوقت من أجل تحقيق مكاسب سياسية وعسكرية واستراتيجية، ودون إعطاء الفلسطينيين نتائج واضحة وملموسة، ومن هذه النتائج الآتي:
أولاً: الولايات المتحدة الأمريكية تريد خدمة إسرائيل من وراء هذا التوجه ليس لقيام دولة فلسطينية قادرة على الحياة بل من أجل ضرب أي توجه سياسي ذي ارتباطات وأفكار دينية لأن ذلك هو الذي يهدد الوجود الإسرائيلي وغير قابل للتفاوض.
ثانياً: إن تحقيق تقدم ولو وهمياً على الساحة الفلسطينية يعني تخفيف الضغط على السياسة الأمريكية في العراق، وهي السياسة التي تحاول الخروج من الاستراتيجية الأمريكية في العراق بالمكاسب في أحسن الأحوال، أو على الأقل بأقل الخسائر على أسوأ الأحوال.
ثالثاً: من الواضح أن العمل الوهمي الذي تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية من أجل القضية الفلسطينية سوف يسحب البساط ولو مؤقتاً من ادعاءات قوات المعارضة في لبنان والمدعومة من إيران وسوريا، وأن العمل الأمريكي بهذا الاتجاه سوف يدفع حزب الله إلى الانغماس أكثر وأكثر في الشأن اللبناني، وهو انغماس سوف يستهلك قدراته السياسية والعسكرية في الشأن اللبناني الداخلي، وهذا سوف يخفف الضغط على إسرائيل.
رابعاً: وهو الأهم، أن التعامل مع ملف حماس في فلسطين، وحزب الله في لبنان، وإيجاد صيغة مقبولة في العراق سوف يفسح المجال لإعطاء الولايات المتحدة الأمريكية جميع الخيارات السياسية والعسكرية للتعامل مع الملف الإيراني النووي بشكل قوي وواضح، وأن تأخذ الولايات المتحدة الأمريكية المبادرة السياسية والعكسرية بدلاً من الدخول في مفاوضات مع روسيا والصين والوكالة الدولية للطاقة النووية.
إن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل يقومان بخدعة كبرى ولعبة سياسية ضد العالم العربي بكامله، حيث الأهداف تتحقق على النحو التالي:
1- يتم إضعاف الفلسطينيين بضرب كل طرف بالطرف الآخر، وبالتالي فإن الطرف المنتصر وقد حدد مسبقاً وهو فتح، سوف يقبل ما تقدمه له إسرائيل وأمريكا من دولة فلسطينية غير قابلة للاستمرار، والفلسطينيون هم الضحية الأولى في هذه اللعبة ولكنهم أهم أدواتها.
2- يتم القضاء على بؤر المقاومة ابتداءً من لبنان ثم العراق وأفغانستان مما يمهد للقضاء على إيران وقدراتها النووية وربما قدراتها الاقتصادية وربما استقرارها السياسي.
3- بعد ذلك يتم التعامل مع الدول العربية المعتدلة منها وغير المعتدلة، ومحاولة تطويعها بشكل واضح مع القيم والمواقف السياسية والثقافية الأمريكية وفتح الملفات الكبيرة سواء الملفات الدينية أو السياسية والديمقراطية والتطور السياسي والتغيير الثقافي لهذه الدول.