وكل ما حصل في جامعاتنا من التجديد لقيادات بعضها وتعيين قيادات جديدة للبعض الآخر يبشر بنهضة جامعية نوعية مباركة، وأرجو أن تكون هذه المقالة تأكيداً على المعاني التي نسعى جميعاً لتثبيتها.
كم أنا سعيد بالتوسع في افتتاح المزيد من الجامعات في بلادنا (حكومية كانت أم أهلية) وآخرها جامعة الحدود الشمالية التي أعلن عنها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله ورعاه، وإني على ثقة - بإذن الله - بأن التوسع في العدد والكم يرافقه تركيز على الجودة والكيف، والمهم أن يكون لبرامج التعليم العالي وما يقدمه من تخصصات علاقة وطيدة بخطط التنمية ومتطلباتها من القوى البشرية التي تتخرج في تلك الجامعات.
كما أني شديد الغبطة بهذه المفاهيم الجديدة المتطورة، والفكر الإداري الناضج، والأكاديمي الراقي للاخوة الكرام الذين يتربعون على كراسي القيادة في الجامعات السعودية، وأخص الزميل العزيز الفاضل معالي الدكتور عبدالله بن عبدالرحمن العثمان مدير جامعة الملك سعود، الذي عرفت عنه سعة الأفق، وعمق التفكير، فهو أستاذ جامعي متمرس، يملؤه الحماس لتطوير أداء الجامعات كافة، والجامعة الأم (جامعة الملك سعود)، ومع قصر المدة التي مضت على تسنمه إدارة الجامعة فإن مبادراته المتعددة هي محل تقدير كل أستاذ جامعي، بل كل مواطن مهتم بمسيرة تعليمنا العالي، ودليل جلي على سلامة التوجه.
كما أن الدكتور سليمان بن عبدالله بن حمود أباالخيل يقوم بجهد مميز لجعل جامعتي التي تشرفت بحصولي على البكالوريوس منها (جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية) جامعة مرموقة، وذلك بتحديث برامجها وتوسيع نطاق عملها وإحداث كليات جديدة فيها آخرها كلية الاقتصاد والإدارة، وقبلها كليتا الطب، والحاسب الآلي.
وأما الأخوة مديرو الجامعات السعودية الأخرى فإني لا أجد كلمات أعبر فيها عن غبطتي بهم، وهم ليسوا حديثي عهد بالعمل فقد عرفنا عنهم التفوق القيادي، والفكر المتطور، وهم بإذن الله مستمرون بجهد مضاعف لتحقيق طموحات القيادة الكريمة والشعب السعودي النبيل.
وكل ما حصل في جامعاتنا من التجديد لقيادات بعضها وتعيين قيادات جديدة للبعض الآخر يبشر بنهضة جامعية نوعية مباركة، وأرجو أن تكون هذه المقالة تأكيداً على المعاني التي نسعى جميعاً لتثبيتها.
@@@
ينظر إلى (التعليم العالي) من جوانب متعددة ولأغراض شتى، وإن ما يعنينا منه هنا: علاقتة بسوق العمل، و(سوق العمل) بدوره يدرس من جوانب شتى ولأغراض عديدة، والذي يعنينا منه هنا ما يتعلق بالتعليم العالي، وغير خاف أن الموضوع نفسه منتزع نظرياَ من المجتمع العام الذي يقوم فيه التعليم العالي ويتطلب سوق العمل فيه حاجات محددة.
للمجتمع ماض وحاضر ومستقبل، وحركة التطور فيه دائبة لا تتوقف، وله طبيعته الخاصة، وجوهره الأصيل، وثوابته التي لا سبيل إلى تجاهلها ولا إلى تحويلها، بل لا خير في طمس هذه الثوابت ولا في الغفلة عنها، والخير كل الخير في الاعتداد بها وفي استحضارها عند كل تخطيط وعمل، وجعلها في حال من الازدهار والنماء والعطاء.
وحتى يكون الحديث عن هذا الشأن له معنى فلابد من التركيز على هذه الثوابت التي أخشى أن تنسى في غمرة زحام المستجدات.
فما هذه الثوابت التي يعمل العدو على تغييرها، والصديق الجاهل لا يعرفها، لكن العالم البصير المخلص يستحضرها في كل حركة وكل تخطيط؟ وواجب الجميع - على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم - أن يعملوا بكل جد على خدمتها، لأنها جوهر أمتنا، وحقيقة شعبنا العربي المسلم الذي ترنو إليه أبصار الملايين من سكان العالم، بل هو مقر قبلة ربع سكان هذا الكوكب!
@@@
نحن مجتمع سعودي هو جزء من شعب عربي وأمة مسلمة تدين لله بالوحدانية وتعمل بمنهاجه الذي ارتضاه الله لها، بل للبشرية عامة، في ربوعنا ظهر الإسلام، وانتشرت أنواره إلى الدنيا كلها، وقد اختار الله جل جلاله هذه القطعة المكرمة من أرضه الواسعة لتكون منطلق أعظم رسالاته وليقوم فيها أكرم رسله وخاتم أنبيائه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ونحن الذين تولى أجدادنا العظماء تبليغ رسالة الله للعالمين، ونحن الذين أكرمنا الله بأن جعل آخر كتبه المنزلة على رسله بلساننا العربي المبين، ونحن - في المملكة العربية السعودية - نعيش في ظل نظام قام على أسس سليمة عديدة من أهمها: أن خطط التنمية فيه غايتها الإنسان ونماؤه المتكامل "فكرياً، واقتصادياً، وثقافياً، واجتماعياً" وهو أيضا وسيلة تحقيق هذه التنمية، والذي يتدبر الخطط منذ ما يقرب من أربعين عاماً - أي منذ بدأت المملكة في وضع خطط خمسية - يجد أن تطوير القوى البشرية وتمكينها من أن تكون معدة للإنتاج هو الذي يستحوذ على كل تفاصيل تلك الخطط.
هذه أهم ثوابتنا التي نعمل لخدمتها ونكيف المتحولات والمتغيرات لتكون في خدمتها ولتعمل على ازدهارها.
أما المتحولات فكثيرة؛ منها أننا في عصر من نوع خاص، وفي عالم له أوضاعه وظروفه، وأنا - معشر العرب والمسلمين - نسعى للنهوض من جديد بعد كبوة طالت، ونود - مع الاحتفاظ بطبيعتنا وجوهرنا - أن لا نكون متخلفين في جوانب التقدم التي أحرزها غيرنا ولا في جوانب القوة التي نحن أولى بها من غيرنا، ونحن هنا في المملكة قد قطعنا - بحمد الله - شوطاً لا يستهان به في طريق النهوض والتقدم لا يماري فيه عدو أو صديق.
@@@
وبعد: فماذا عن تعليمنا العالي؟ وماذا عن سوق العمل؟ وماذا عن العلاقات بينهما؟ وإلى أي حد يستجيب التعليم العالي لمتطلبات سوق العمل؟
في المملكة - بحمد الله - الآن أكثر من عشرين جامعة، أو ما في حكمها حكومية، وأهلية، وهذه الجامعات ليست هي (كل التعليم العالي) في بلادنا بل يضم إليها كليات التعليم الفني وماهو على شاكلتها.
والجامعات - بحكم طبيعتها وأهدافها - لها مكان الصدارة في كيانات التعليم العالي، ولها دورها في خدمة المجتمع وفي تطويره والنهوض به، ولكن يجب أن نحرص دائماً على أن لا تستغرق الجامعات في الدراسات النظرية، ولكن عليها أن تقرن العلم بالعمل، والنظرية بالتطبيق، وأن تكون مكان إنتاج لما يتطلبه سوق العمل من قيادات وقدرات ومهارات وكفايات بشرية في شتى المجالات، وما أكثرها عدداً وما أعظمها تنوعاً!! فهل جامعاتنا ومعاهدنا العالية وكلياتنا تلبي هذه الحاجات؟
@@@
قد يقول قائل: إنا توسعنا في التعليم الجامعي توسعاً جرّ علينا مشكلات البطالة وسيئاتها وأخطارها، وبالتالي علينا أن نحد من التعليم الجامعي خشية أن يتفاقم شرّ البطالة ونقع في عجز عن مواجهة المشكلة، والحق أنا لا نماري في ظهور مشكلة البطالة في بلادنا كما ظهرت في مختلف بلدان العالم، حتى المتقدمة من ناحية التعليم العالي والمتقدمة صناعياً وتقنياً - ولكننا لا نرى العلاج في الحد من التعليم العالي، والجامعي منه بوجه خاص، ولكن يجب علينا أن ننوعه من جهة ليفي بحاجاتنا ويلبي متطلبات سوق العمل، وعلينا ايضاً - من جهة أخرى - أن نفحص دورياً نوعية هذا التعليم، فالمتعلم حقاً - أعني خريج التعليم العالي والجامعي - (وهذا من عطف الخاص لأهميته على العام) الذي أعد إعداداً صحيحاً ليس نتاجاً ثانوياً لمؤسسات هذا التعليم بل هو السبب الأول في ازدهار المجتمع.
ويتلخص المطلوب في أمرين: أولهما تنويع التعليم العالي - ومنه الجامعي - وفق حاجات سوق العمل من جهة، وقد يقتضي هذا افتتاح أقسام وتخصصات جديدة والتوسع في بعض القائم منها، والحد من بعضها الآخر.
والأمر الآخر تحقيق صلاحية هذا التعليم الذي نعد به "القيادات" لتكون قادرة على الإنجاز المطلوب ومواجهة الواقع ومشكلاته المتجددة، بقدرة وكفاية من جهة أخرى؛ فالخريج الكفء - كما أشرنا - هو سبب الإنتاج والإنجاز - ليس هذا الخريج كمية مهملة وناتجاً يسبب العطالة والبطالة، بل هو الذي يجنب المجتمع البطالة، ولو عرضت أو حصلت البطالة لسبب ما، لكان هو العامل الأول في القضاء عليها.
وبهذه المناسبة نشير إلى ظن كان يأخذ به الاقتصاديون وغيرهم، ولكنهم الآن في طليعة من يؤمنون بخطأ هذا الظن أو هذه النظرية! ولنا في هذا عبرة.
كان الاقتصاديون يؤمنون بأن رأس المال النقدي أو المال هو كل شيء في عملية الإنتاج والإنجاز والازدهار والتفوق والتقدم، وما عداه أمور ثانوية تابعة، وقد تبين الآن خطأ هذه النظرية، وأصبح الاقتصاديون قبل غيرهم في طليعة من يقول: إن الرأسمال الحقيقي في أي تقدم وتفوق وازدهار وفي أي إنجاز أو إنتاج هو الإنسان.. وما عداه تابع له.
ونحن - بطبيعة تكويننا الفكري ونسيجنا الثقافي - كنا ولا نزال نؤمن بأهمية الإنسان، وبأن تكوين هذا الإنسان عليه المعول في تحقيق ما نصبو إليه من رقي وتقدم وازدهار.
ويسلمنا هذا إلى التعليم، فإن كنت قد بدأت بالتعليم مقالتي فإني الآن أعود إلى التعليم بمعناه الأعم الأشمل الأعمق؛ وكلامي - كما أبنت منذ البدء - يتناول التعليم العالي والجامعي.
ولا بأس أن نلاحظ هنا أن حلقات التعليم يتصل بعضها ببعض، ويؤثر بعضها في بعض؛ فلئن كان الموضوع الذي أتطرق إليه يتعلق بالتعليم العالي فلنلاحظ أن هذا التعليم يتبادل التأثير والتأثر والتفاعل مع سائر المراحل التعليمية؛ فإذا كان التعليم الابتدائي والثانوي - مثلاً - عقيماً أو ضعيفاً فإنه يؤثر فيما بعده من المراحل حتى ينتهي التأثير إلى أعلى المراحل وهي مرحلة التعليم العالي والجامعي، والتعليم الجامعي بخريجيه - هو في الوقت نفسه - يؤثر في التعليم العام وما في مستواه، هكذا..
وهنا نقطة وصل إليها المراد، ويجب أن لا يفوتنا تسجيلها، وهي أنه يجب باستمرار فحص وتقويم تعليمنا الذي يسبق الجامعة في كل المراحل من أدناها إلى أعلاها والمقصود بأعلاها هنا التعليم الثانوي.. فهذا التعليم الذي يسبق الجامعة يجب أن يكون محل فحصنا وتقويمنا باستمرار؛ لأنه إن كان قوياً كان من أهم عوامل قوة التعليم العالي والجامعي، وإن كان ضعيفاً أو عقيماً كان السبب في ضعف التعليم العالي والجامعي وعقمه.. وهكذا..
@@@
الأمر عندي واضح المعالم! ومع احترامي للجهود التي تبذل وتقديري للأموال التي تنفق من أجل وضع خطة استراتيجية لتطوير التعليم العالي فإني أرى أن الأمر من الوضوح بحيث لا يستحق أن يأخذ هذا الحجم الكبير من: الجهود، والدراسات، والأموال.. وذلك لأسباب منها:
1- إن خطط التنمية الخمسية المتوالية تحدد حاجات سوق العمل من القوى البشرية، وميادين تلك الحاجات وبموجبها نحدد أعداد من يقبل من الطلاب والطالبات في كل تخصص.
2- إن برامج التوجيه والإرشاد في المدارس الثانوية والجامعات، وبرامج اختبار القدرات كفيلة بتوجيه الطلاب الراغبين في مواصلة تعليمهم الجامعي إلى التخصصات التي تناسب ميولهم وقدراتهم.
3- فيما يخص خطط تطوير برامج التعليم الجامعي ومناهجه وطرائق التعليم ووسائله: نحن لسنا بحاجة إلى اختراع العجلة من جديد، وما علينا إلا مواكبة التطور في الجامعات المتقدمة، وحسن اختيار ما يناسب، واتاحة الفرص لاعضاء هيئة التدريس الجامعي للاطلاع على معطيات العصر، كل في مجاله.
@@@
وأخيرا؛ فإن مما يؤخر النهوض بالتعليم الجامعي قلة الحوافز المالية والمعنوية لأعضاء هيئة التدريس، وقد حان الوقت (بل تأخر) لاعطاء هذا الموضوع حقه من الاهتمام، وكم يؤلمني أن أرى كثيرين من زملائي أعضاء الهيئة التعليمية في جامعاتنا في حالة إحباط وشكوى من هذا الأمر الذي يجب أن يحل بأسرع وقت لنرى ثمار العطاء والابداع بإذن الله.
كما أن اشراك أعضاء الهيئة التعليمية في صياغة خطط التطوير أمر ضروري لنجاح التنفيذ لذا لزم تكوين مجلس من أعضاء هيئة التدريس في كل جامعة تكون مهمته الأولى اقتراح سبل التحديث والتجديد فيها.
وفقنا الله جميعاً إلى الخير والصواب والأخذ بأسباب القوة مهما غلا ثمنها، اللهم اجعل صدورنا سليمة معافاة، وأمدنا ياربنا بتأييد من عندك وتسديد.