عادت موجة التكفير لتضرب مجدداً شواطئ السلم الاجتماعي الوطني لحساب (تجريد) شريحة عريضة من مفكري هذا الوطن من هويتهم الدينية توطئة لإهدار دمائهم ومن ثم تركهم مكشوفي الظهر تحت (رحمة) التيار العسكري القاعدي للتعامل معهم باعتبارهم خارجين من الملة، ولتعود موجات الإرهاب مرة أخرى بعد أن خف بريقها بفضل تألق أجهزة الأمن السعودية التي تولت الجانب الأمني من محاربة الإرهاب بنجاح تام، في ظل إخفاق مريع من كافة من يعنيهم الأمر في إعطاء الجانب الفكري ما يستحقه من اهتمام ضمن عملية المكافحة.
أما كيف عادت موجة التكفير (وهل اختفت يوماً حتى تعود؟!!) فقد جاءت هذه المرة بفضل سيناريو معد بإحكام للقبض على (غنيمة) التكفير من فم قامة علمية لها وزنها واعتبارها للتأثير على جهود رموز وطنية أبلت أكثر من غيرها في مكافحة الإرهاب فكريا، وهي الرموز التي أعلنت أكثر من مرة عن توجهاتها الليبرالية (الليبرالية بصفتها حرية الضمير المتسقة تماماً مع أصول الإسلام وقواطعه) .
السؤال الذي وجه إلى الشخصية العلمية تمت صياغته بشكل يجعل الإجابة عنه لا تحتمل من تلك الشخصية غير التكفير ولا شيء غيره، فقد تضمن السؤال مقدمات تكفيرية من قبيل (ما قول فضيلتكم في الدعوة إلى الفكر الليبرالي وهو الفكر الذي يدعو إلى الحرية التي لا ضابط لها إلا القانون الوضعي) وكذلك (ويجعل لكل فرد حريته الشخصية التي لا تخضع لقيود الشريعة) وأيضاً (ويحاد - أي الفكر الليبرالي - بعض الأحكام الشرعية التي تناقضه كالأحكام المتعلقة بالمرأة أو بالعلاقة مع الكفار أو بإنكار المنكر أو أحكام الجهاد !!!!) والجهاد الذي كان على ما يبدو الباعث الرئيسي على السؤال، قصد به السائل جهاد الطلب بلاشك، لأن جهاد الدفع لا يحتاج إلى فتوى، وجهاد الطلب لا يعني شيئاً آخر غير مهاجمة الدول والمجتمعات والاعتداء عليها داخل حدودها، والإرهابيون لا ينقمون علينا أكثر من أننا - برأيهم - عطلنا جهاد الطلب!!! والسؤال الذي يفرض نفسه على خلفية هذه الفتوى هو: من (خوَّل) مثل ذلك السائل مهمة استصدار فتاوى للقضايا التي تهم المجتمع بشكل عام، سواء ما كان منها على مستوى علاقته مع العالم من حوله كأحكام الجهاد والعلاقة مع غير المسلمين، أوما كان منها ذا أثر سلبي في علاقة أفراده بعضهم ببعض كمواطنين كالحكم على بعض المذاهب الإسلامية التي تدين بها شرائح مهمة من المواطنين ؟ أليس من الأجدر (قصر) الفتاوى التي تصدر خارج مظلة مؤسسة الإفتاء الرسمية على الفتاوى والاستشكالات التي تهم الفرد بصفته الشخصية كأحكام العبادات ، وترك القضايا (العامة) التي يترتب عليها (تبعات) دولية كأحكام الجهاد والعلاقة مع غير المسلمين، أو التي يترتب عليها (تبعات) اجتماعية/ اقتصادية كتلك المتعلقة بالحكم على طائفة أو مذهب بعينه أوالمساهمة في النشاطات الاقتصادية كالاكتتاب في الشركات وما شابه ذلك، لرئاسة الإفتاء الرسمية أو لهيئة كبار العلماء بعد أن يحال إليها الاستفتاء من الجهة الرسمية في الدولة، إن كان ثمة حاجة إلى التكييف الشرعي لأي من تلك القضايا .
أما التكفير - فبصفته تجريداً للمكفَّر من مقوماته الحياتية (الحكم بردته واستحقاقه القتل وحرمان وارثه من ماله وحرمانه من مال مورثه وقبل ذلك التفريق بينه وبين زوجه) فقد اتفق العلماء سلفاً وخلفاً على أنه حق لله ولرسوله، وما كان حقاً لله ولرسوله فقد انتقل بصفة تلقائية بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى إمام المسلمين الذي تمثله الحكومة في المصطلح السياسي المعاصر، مما يعني وجوب أن لا يترك الحكم بشأنه (استفتاءً وإفتاء) ليكون شأناً فردياً سواء أكان لفرد معين أو لجماعة أو لمنظمة أو لتجمع من أي نوع كان هذا التجمع ، وهو الأمر الذي جرى عليه العمل بين السلف والخلف بمن فيهم الصحابة الذين كانوا لا يفتون بمدى خروج فئة أو جماعة من الملة من عدمه ما لم يكن طلب الفتوى صادراً من الخليفة.
التكفير هو بريد الإرهاب الأول وباعثه وداعيه، ولكي يتم قطع دابر الإرهاب فلا بد من محاصرة التكفير وتجريم مقترفيه، اليوم كُفِّر الليبراليون، وبالأمس كُفِّرت مذاهب إسلامية يدين بها مواطنون أعزاء من مواطني هذا البلد الكريم، وغداً ستمتد ذراع التكفير الأخطبوطية إلى شرائح أخرى ليتمزق المجتمع طرائق قدداً وطوائف متناحرة، وسنتذكر حينها أن ما قادنا إلى ذلك المستنقع النتن لم يكن إلا شجرة التكفير الخبيثة التي لم نجتثها في حينها.