تقول الأخبار من الكونجرس الأميركي إن تصويتاً جرى على منع تقديم أي مساعدة إلى السعودية، بحجة "تمويلها منظمات إرهابية".
لم أجد أكثر حمقاً من النائب الديموقراطي، مقدم المشروع إلى المجلس، إلاّ من صوّت له بالموافقة. فالمشروع يحاول أن يوحي للجمهور بمسألتين: أميركا تدعم السعودية مالياً، والأخيرة متورطة في دعم منظمات العنف الديني.
أعلم جيداً أن الحمق داء يستعصي علاجه أحياناً، فهو ليس مرضاً بيّناً وبالدواء يستطاب منه المبتلى، وليس نقصاً بالمعرفة يتشافى منه الجاهل بالقراءة والسؤال، ولكني كنت أظن الحمقى دون نصف أعضاء الكونجرس.
قصة حمقى الكونجرس مع السعودية ليست حديثة، وإن كان الحمق فيما يتعلق بمسائل "القاعدة" قد تجلى في أعقاب 11سبتمبر، فإن هؤلاء نسوا أو تجاهلوا أن السعودية قد تلظت بنار "القاعدة" قبل نيويورك وواشنطن، وحتى سفارتيهم في كينيا وتنزانيا.
وحين كانت السعودية تنادي منذ 12عاماً بالانتباه إلى خطر "القاعدة" المقبل، كان الصمت شعار الكونجرس والبيت الأبيض، وحتى حين اكتوى الجميع بنار ابن لادن في السعودية وفي أميركا وفي غيرهما، واستضافت الرياض مؤتمراً لمناقشة "الإرهاب" مطلع العام ألفين وخمسة، ودعت فيه إلى موقف واضح وصريح وأعمال ميدانية كقيام مركز دولي لهذه المسألة، وربط مراكز "مكافحة الإرهاب الوطنية" بقاعدة بيانات تتيح أكبر قدر ممكن من تحديث المعلومات وسرعة تبادلها بين الدول، كان الرد باهتاً، أو بشكل أدق "تطنيشاً" عالمياً، بمن فيهم "حمقى الكونجرس" المصوتون.
وإذا كانوا "رعاة البقر" يديرون البيت الأبيض، فليس هؤلاء الحمقى إلا رعاة ل"القاعدة"، وحماتها، فهل مواقع "القاعدة" على الانترنت تستضاف من شركات سعودية أم أميركية؟ وهل الذي غض الطرف عن انتحاريي 11سبتمبر الأمن السعودي أم الأميركي؟ وهل الارتكابات السياسية التي تستغلها "القاعدة" لتجنيد الشبان هي ممارسات سعودية أم أميركية؟ وهل تجارة الأفيون الممول الرئيس لهذه التنظيمات تدار في أرض سعودية أم في أرض خاضعة للاحتلال الأميركي؟
النتيجة الصادرة من الكونجرس لم تحدد طبيعة المصدر الممول للمنظمات المشبوهة، إن كان المقصود الحكومة السعودية أم مجرد أفراد، وهذا التضليل لا يمنح المراقب إلا الأخذ بسوء النية حيال هذا التعميم، فإن كان المقصود الحكومة، فهاتوا برهانكم، وإن كانوا أفراداً، فقد سبقكم جهاز الأمن السعودي بتواصل عمليات القبض على الممولين، وليس آخرهم بيان ال"11" في الرياض والقصيم.
ما يثير الضحك في هذه الحكاية أن بلداً كالسعودية لا يحتاج إلى مليونين ونصف المليون دولار معونة يقرها الكونجرس، ضمن الميزانية المقرة سنوياً لمساعدة دول العالم، وكأن ينابيع النفط جفت، والأفواه الضاحكة تتمدد مع تلميحات البيت الأبيض إلى استخدام حق النقض "الفيتو" تجاه نتيجة التصويت!
أظن أنه لابد من إرسال ميزانية بلادنا إلى أعضاء الكونجرس ليطلعوا عليها قبل أن يبذلوا كل هذا الجهد الأحمق والضائع.