منذ بداية الرحلة وأنا خائفة من نهايتها .. وقد جاء يوم الختام .. كان يوماً لا يشبه الأيام .. فهو آخر يوم أتمكن فيه من دخول مدرسة الفهد وإيصاله بنفسي إلى فصله.. سرت لمدرسته في هذا اليوم بخطى ثقيلة وبقلب مودع.. دخلت المدرسة وأطلت الجلوس على ذلك المقعد الذي بات يعرفني،، وتركت الذاكرة تعود بي لأربعة أعوام مضت.. وأنا أفكر هل يعقل أن لا أرى الفهد بعد ذلك داخل أسوار مدرسته يناقش معلماته ويلعب مع أقرانه؟! هل لن أرى المقعد الذي يحتضن صغيري كل يوم؟!.. هل هذه آخر مرة أتمكن من المكوث طويلاً في فناء المدرسة لإقناعه بدخول الفصل وأن المدرسة جميلة وأمسح دموعه المتوسلة لي بالبقاء معه وأقبل أنامله المتشبثة بالعباءة...!! كنت استمتع بالدخول معه داخل المدرسة، حيث يريني الألعاب المنتشرة في الفناء، ولا أتردد في إركابه الأرجوحة لانتظره على نفس المقعد أو ليتزحلق على الزحليقة، ليزهو بنفسه أمام من تشاهدنا من المعلمات بعيون الدهشة وكيف أنني استجبت لرغبته.. كان يأخذني خلف المدرسة ليريني الريحان الذي اكتشفه.. أو يأخذني حيث الحضانة ليريني ذلك الطفل الرضيع وكيف أن أصابعه صغيرة جداً... ولأنني كنت خائفة من اليوم الذي لن أصاحبه حيث يجلس في الفصل ولن تتابعه نظراتي حتى تستقر نظراته ويطمئن، لذا فقد كنت حريصة أن أوصله للفصل كل يوم، فالخطى كانت محببة في هذا العمل والتعب كان لذيذاً ولم أشعر يوماً بالملل على الرغم من زحمة العمل الذي ينتظرني هناك، في مكتبي بالكلية، إلا أنني كنت أضع ذلك في الحسبان بحيث لا أتأخر عن عملي... تلك الأيام افتقدها اليوم وسأفتقدها غداً عند دخوله مدرسة البنين...
أعوام أربعة هو زمن هذه الرحلة، فاليوم يسير فهدي بجانبي على أقدامه لنستلم شهادة التخرج من التمهيدي وبالأمس... وما أجمل الأمس.. دخلت مدرسته لأول مر وأنا أحمله طفل الثانية، أحمله بين ذراعي.. تارة أخفيه من برد الشتاء وأمطاره، وتارة أغطيه عن حرارة الشمس.. أربعة أعوام مضت على روتين محبب إلى قلبي... روتين ألفته مع رفيق دربي... تدق الساعة السادسة ويشرق الصبح في عيني عندما يشع بريق عينيه، يلتفت يميناً ويساراً باحثاً عن أية لعبة ليبدأ بها يومه وكأن الوقت في الصباح هو ملك في أيدينا وعلى الرغم من ضيق الوقت الذي لا يكفي لإنجاز ما خططنا له ليلاً ولا يكفي لتجهيز طفل لاصطحابه خارج المنزل، إلا أنني كنت أسمح له بقليل من اللعب حتى يذهب بنفسية جيدة للمدرسة، وأحياناً كان يصيع الوقت في الاستماع الى سلسلة اعذاره لعدم رغبته في الذهاب وتتلوها سلسلتي في ترغيبي له في المدرسة.. وما هو إلا جزء من الساعة ونصبح كلينا في السيارة.. كانت المسافة قصيرة والوقت نقطعه في حديث لا يشبه كل الأحاديث.. حديث يتعانق فيه سذاجة الطفولة وشموخ العاطفة، نتحدث عن ذلك الصديق المشاكس أو عن تلك المعلمة الكثيرة العقاب... بدأ الفهد الرحلة مبكراً حيث اضطرتني الظروف كأي امرأة عاملة إلى تسجيله في الحضانة في وقت مبكر... وكنت أسلمه الحاضنة بعد عناق طويل وصراخ وتشبث بالعباءة، وعلى الرغم من صعوبة الموقف على قلبي الذي يصاحبه احتباس الدموع في عيني إلا أنني كنت أقنع نفسي بأن للعودة ناقوساً لا بد أن يدق لأذهب لاستلامه واحتضانه واستفسر منهم عن احواله وماذا آكل وكم ساعة نام.. ومضت الأيام وكبر الفهد وتدرج في مراحل الروضة الثلاث وكبرت أحاديثه واهتماماته... ولأنه طفل شغوف بالحيوانات فقد أثرى وحدة الحيوان التي كان يدرسها في كل عام، فكانت له مشاركاته المتميزة في اصطحاب جميع أنواع الحيوانات للمدرسة لشرح الدرس بدءاً بالكتكوت وانتهاء بخروف العيد، الذي رفضت المعلمة لمسه مطلقة عبارات الخوف بلغتها الإنجليزية، إلا أنني هدأت من روعها وطلبت منه أن يتولى الأمر واستطاع سحبه إلى داخل المدرسة وسط دهشة الجميع...
تلك كانت مقتطفات من أجمل رحلة أبحرت بها في عالمي، فاستمتاعي بالوقت الذي أمضيه في رعاية الفهد لا تعادله سعادتي بالشهادات التي مُنحتها ولا الدروع التي حصلت عليها ولا الجوائز التي تسلمتها وكلما تداعب أنامله قسمات وجهي أتدبر في نعم الله علينا وأعلم أنه لا تعد ولا تحصى...
كم أشفق على تلك الأم العاملة التي فرطت في مثل هذه اللحظات وأوكلت للخادمة مهمة إيصال طفلها للمدرسة مع السائق (وهن كثير) على الرغم من أهمية ذلك على نفسية الطفل واستقرار عواطفه. وحيث بدأت عيادات الأطفال النفسية في الانتشار فإنني أدعو الكثير من الأمهات العاملات إلى الموازنة بين واجباتهن، لأننا إن لم نستطع المحافظة على أبنائنا في عهد الطفولة فكيف لنا أن نحميهم زمن المراهقة وإن لم نكن قادرين على جزل العطاء لهم في مشاعرنا في صغرهم فإن البخل في المشاعر سينمو ولن نستطع من احتوائهم في الكبر...
* أستاذ الرياضيات البحتة المشارك
جامعة الرياض للبنات
1
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
الله.الله
اروع ما قرأت من كتابات الام الصادقه قم خلطت بها أكاديميه علميه تُعلمت سنين وسنين لتحظى بها جريدة الرياض.
أختي ايتها الام الرائعه او الشاعره في نسج احاسيسها قبل ان تكون طتورة نفتخر بها.
أهنئك على الاسلوب الرائع الذي سردتي به علينا قصة الفهد رعاه الله لك وحفظه باحساس تعدا القرائه والمظي سكنا.
اسف على الاطاله ولك حق انزال القبعه لك احتراما
م.يوسف
05:50 صباحاً 2007/06/26
2
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
د-فدوى بصراحه خفت بعد هالكلام عن ولدك إنه في نهاية المقال راح تقولين فقدتيه لا سمح الله بس عسى الله يخليه لك وتقر به عينك ويرد لك الجميل وتفرحين فيه وكل إللي سويتيه عين الصواب ولم تهملي واجبك الأساسي تجاه بيتك مع إنشغالك بعملك عساك على القوه يارب,.
فنزويلا&&&كراكاس
shal0034@hotmail.com
06:53 صباحاً 2007/06/26
3
سلمت أناملك على هذا الموضوع الذي وضعت به يدك على الجرح..
نعم كم من مفرط ومفرطة بأجمل لحظات العمر التي تمتص بها لذة الشعور بتدفق العاطفة هرم الحمولة والمشقة الملقاة على عواتقنا كل يوم..
العاملة وغيرها تمر تلك اللحظات الحساسة من حياتها دون أن تستمتع بها لكثرة مشاغلها.. فالطفل يمر بمراحل حرجة لا يدركها الآخرون عند قدوم طفل جديد يأخذ مكانه أو مكان جديد يوضع به لأول مرة حيث يوضع أمام المدرسة ليبكي يوماً كاملاً.. د / فدوى أسعدك الله على إثارة ومناقشة الموضوع بروعة..
08:21 صباحاً 2007/06/26
4
مقال جميل ومفعم بالعاطفة
أسأل الله أن يقدر فهد وكل الأبناء هذه العاطفة والتضحية من كل أم ويبرون بها...
في آخر المقال قالت الكاتبة إنها تشفق على الأم العاملة التي فرطت في لحظات إيصال الطفل من البيت للمدرسة
أنا أشفق على الأم العاملة لأنها فرطت في ساعات وأيام وأسابيع وشهور وسنوات ومنحت الخادمة رعاية أطفالها منذ سطوعهم على الأرض وحتى يكبروا
ولم تستمتع بطفولتهم...
أنا مع أشبالي دوما
سعادة لا تعدلها سعادة والحمدلله
شكرا للكاتبة
08:27 صباحاً 2007/06/26
5
أسأل الله ظان يقر أعيينا وعينك بأبنائنا، كذلك أحيي فيك هذا الطرح الجميل للموضوع، وأنت أستاذة وليس بمستغرب على مثلك ذلك.
ورسالتك مهمة، إذ أنه وللأسف كثير من نسائنا سلمن الأمر فيما يتعلق بالبيت والأطفال إلى الخادمات، بل والكثير منهن لا يعملن فضلا عن العاملات.
وكأن الأمر لا يعنيهن،
شكرا لك دكتورة، وإلى أن نر فهد يتقلد مناصب عليا دمتم أسرة متحابة
08:59 صباحاً 2007/06/26
6
مشاعر راقية وعواطف سامية.
"أجمل رحلة أبحرت بها في عالمي" لعلها تتكرر في مراحل أخرى من عمركما المديد إن شاء الله، وتبقى العبارة مع اختلاف الظروف التي رسمت الرحلة
11:51 صباحاً 2007/06/26
سجل معنا بالضغط هنا