د. عبدالإله المشرف
في عالمنا المعاصر اليوم أصبحت المخدرات آفة مدمرة تشمل العالم كافة وليست حكراً على فئة أو دولة معينة، حيث تشير تقارير الأمم المتحدة لعام 2005م إلى أن ما لا يقل عن 5% من تتراوح أعمارهم ما بين 15إلى 60سنة من سكان العالم "أي ما يعادل 200مليون شخص" يتعاطون المخدرات، كما تذكر التقارير أن ثالث تجارة بعد النفط والسلاح هي تجارة المخدرات حيث يتجاوز حجم التعاملات فيها 500مليار دولار سنوياً، هذه هي الإحصاءات المعلنة، غير أن هناك أضراراً اجتماعية وثقافية واقتصادية تتجاوز آثارها الأفراد إلى أسرهم ومجتمعاتهم واقتصادهم بل وثقافتهم وسياستهم.
ففي مجال توظيف المخدرات في الأهداف السياسية، نرى أن بريطانيا العظمى استعمرت الصين لمدة ثلاثة قرون، وسمحت للصينيين اتباعها بزراعة الأفيون وتصنيعه والاتجار به، بهدف السيطرة على الأمة الصينية وشل قدرات الأفراد وطاقات الأمة وقتل روح المقاومة، حتى أن تاريخ الصين سجل حرباً باسم حرب الأفيون، كذلك حاولت الإمبراطورية اليابانية تشجيع عملائها في الهند ومصر على زراعة الأفيون من أجل السيطرة واستغلال موارد هذه الشعوب، وفي الولايات المتحدة استخدمت الجالية الحاكمة "الأوروبية الأصل" جهاز المخابرات الأمريكية الفدرالية (FBI) سلاح نشر وترويج المخدرات بين أفراد الجالية الأمريكية ذات الأصول الأفريقية للقضاء عليها وتدمير عقول أبنائها حتى لا يتمكنوا من المنافسة على المناصب القيادية والإدارية والثقافية في المجتمع الأمريكي "الديموقراطي" كل ذلك خدمة للعنصرية البغيضة المتجذرة في ثقافة الولايات المتحدة الأمريكية وبأشكال متعددة، ولا تزال بعض من دول أمريكا اللاتينية مثل كولومبيا تعاني من سيطرة عصابات المخدرات على الحكومة والشعب الكولومبي، ويدرك كل عربي مسلم بأبعاد الحرب الأخلاقية والغزو القيمي الذي تمارسه إسرائيل من خلال المخدرات والإيدز في عدد من دول الشرق الأوسط ذات السيادة والقيادة للقضاء على أخلاقيات وقيم أبنائها تمهيداً لاستبعادها كما فعلت بريطانيا بالصين أو الجالية البيضاء بالجالية السمراء في أمريكا الشمالية.
وفي مجال الاقتصاد، فإن النظرة المتأنية لحجم الاستثمار في ميدان المخدرات 500مليار دولار سنوياً تجسد معاناة اجتماعية مريعة، حيث أن هذا المال جاء على أنقاض تدمير أفراد وأسر ومجتمعات، بل نما وترعرع ليعيق ويدمر التنمية والتطوير والرقي الإنساني في الدول التي تنتشر فيها هذه الآفة الدنيئة، وتشير إحدى الدراسات إلى أن ما يستهلك من الماء في زراعة القات في إحدى الدول العربية النامية يمثل 60% من مخزون الدولة التي تعاني من شح في الماء، كما أن زراعة القات في ذلك البلد أدت إلى انحسار وتعويق زراعة محاصيل ذات قيمة اقتصادية وغذائية عالية مثل المانجو، والبن، والعنب.. وغيرها في ذلك البلد المبتلى بآفة القات، بالإضافة إلى ما يسببه تعاطي القات من تعويق للتنمية وهدر وتدمير لطاقات المجتمع، ومن المعلوم أن زراعة أي نوع من المخدر أو تصنيعه والاتجار به، هي عملية تتطلب جهود مجموعة من الأفراد والمجموعات في دورة اقتصادية مبرمجة تبدأ بالزراعة وجني المحصول وتصنيعه وتغليفه وحفظه ثم بيعه ونقله، وكل هذه الأمور تتم بمنتهى السرية، وبالتالي فإن هذه العمليات التي ذكرنا تتطلب أموالاً طائلة تعادل ميزانيات دول وأرقام فلكية بالنسبة للناس العاديين، وكون معظم دول العالم تحرم وتجرم تجارة المخدرات، فقد أصبح لهذه التجارة مافيات وعصابات منظمة لها شرايين وخطوط اتصال وقنوات سرية مدعومة مع مسؤولين في دول وأنظمة سياسية تسهل لها عمليات التحرك والانتقال والتهريب.
وفي الجانب الاجتماعي، تفتك المخدرات بالأفراد والأسر والمجتمعات وتحول المواد المخدرة متعاطيها إلى مخلوق مشوه عاطفياً لايملك السيطرة على مشاعره، ولديه الاستعداد لاقتراف أي جريمة أو خطيئة دون تردد أو إحساس بالمسؤولية والأمانة، وتشير الإحصائيات إلى أن أكثر من 80% من الجرائم البشعة ذات الطابع غير الإنساني تقع تحت تأثير تعاطي المخدر، كما أن عدداً كبيراً من جرائم السطو والسرقة والقرصنة هي بدافع مرتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بالمخدرات، ولا شك أن هناك الكثير من المصائب والآثار السلبية التي لا تذكرها الإحصاءات ولا تشعر بها وسائل الإعلام.
إن المآسي السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية الناجمة عن آفة انتشار المخدرات يصعب حصرها، غير أن مكافحة المخدرات وانتشار تعاطيها وترويجها مطلب ينبغي أن تحرص كل المؤسسات الأمنية والتثقيفية والتعليمية على تحقيقة، ولعل من أهم دواعي انتشار المخدرات هو الجهل بأضرارها، والفقر المعوز، وانتشا البطالة بين الشباب الذين هم الهدف الأول لعصابات تجار المخدرات، بالإضافة للظروف المعيشية الصعبة، وتسهم بشكل كبير المسلسلات والأفلام السينمائية الهابطة، التي تروجها القنوات التلفزيونية، والتي تدفع المراهق للتقليد الأعمى في سن المراهقة، ولا شك أن تجار المخدرات يسعون بكل الوسائل غير الأخلاقية للإيقاع بأكبر شريحة ممكنة ليصبحوا فيما بعد وسائل بأيديهم أو زبائن لهم، وينبغي ألا ننسى كما أشير سابقاً أن هناك دولاً ومنظمات تسعى إلى نشر الرذيلة والمخدرات بين الشعوب لأهداف سياسية أو ثقافية أو اقتصادية.
وتجمع الدراسات التي تعاطت مع مدمني المخدرات على أن المشاكل الأسرية والخلاف بني الأزواج، كثيراً ما تدفع بأفراد الأسرة إلى اللجوء إلى المخدرات هرباً من الواقع المؤلم الذي يعيشونه ولا يستطيعون مواجهته، كما أن سوء معاملة الأولاد وتدليلهم وتلبية كل مطالبهم وضعف الرقابة عليهم له أثر كبير في لجوء الشباب للمخدرات، وبضع المجتمعات تعاني من تفشي ظاهرة العمالة الأجنبية "السائبة" في نسيج المجتمعات والأفراد، وهذه الظاهرة لها دور كبير في انتشار المخدرات، ولا شك أن ضعف الوازع الديني والقيمي لدى الأفراد له دور كبير في تعاطي وترويج المخدرات.
إن تجاهل المجتمعات لدور التربية يعد من أهم أسباب فشل أي خطة في مواجهة هذا الإرهاب المتمثل بمشاكل المخدرات، وعلى المؤسسات الاجتماعية أن تفعل دورها في تبيان خطورة هذه المشكلة وسبل مواجهتها، بدءاً من الأسرة - المدرسة - الجامعة - ووسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمشاهدة - والمساجد كل هذه المؤسسات يقع عليها عبء بناء الشخصية لدى الفرد والتي هي تنظيم يجمع اتجاهات الفرد، ويتكون هذا التنظيم من خلال تفاعل الفرد مع غيره في الحياة الاجتماعية كما يقول علماء الاجتماع، وفي المملكة العربية السعودية تشير الدراسات الرسمية الصادرة عن إدارة مكافحة المخدرات أن عدد قضايا المخدرات المسجلة قد زاد خلال العشر سنوات الأخيرة من 7.539قضية عام 1417ه إلى 31019قضية في عام 1426ه أي بنسبة زيادة (311.50%)، وهذه الزيادة المخيفة ليست مقصورة على المملكة بل على كثير من الدول مما يشير إلى نشاط محموم لقوى ذات أهداف غير معلنة لنشر وترويج هذه الآفة بين أبنائنا وبناتنا.
وقد أكدت عدد من الدراسات (الميمان، 2000)، (الشريف، 2005) على أن النسبة الأكبر من المتعاطين يبدؤون التعاطي أثناء فترة التعليم العام، كما أن هناك ارتباطاً إيجابياً بين البطالة وأصدقاء السوء وتأثير ذلك على انتشار تعاطي المخدرات بين الشباب، وأظهرت الدراسات أيضاً أن قابلية المتعاطي للعلاج تكون عالية كلما كان عمره أقل، وبشكل خاص ما دون ال 35عاماً، وأخيراً أكدت الدراسات على أهمية تفعيل دور المدرسة في مكافحة المخدرات.
إن مكافحة داء المخدرات الفتاك واجب وطني يجب أن يسعى فيه المواطن قبل المؤسسة إلى حماية نفسه وأسرته ومجتمعه منها، وينبغي أن تتآزر المؤسسات الخاصة والحكومية في موجهة هذا الداء، ولعل من المفيد الإشارة إلى بعض الاستراتيجيات اللازم استخدامها إذا ما أردنا تحقيق نجاح في مقاومة هذه الآفة المدمرة عبر المجالات التالية:
أولاً: التربية والتعليم:
يعد التعليم السلاح الفعال في حماية النشء من المخدرات من خلال تعريفهم بأضرارها وخطرها والأسباب المؤدية لها، فإكساب الطالب القيم الإيجابية نحو خطر المخدرات لا يؤدي إلى حمايته فقط، بل يجعل منه عنصراً فاعلاً في حماية المجتمع بأكمله دونما حاجة إلى أجهزة أمنية أو قائية أو علاجية.
وتتعد مجالات توعية وتثقيف الطلاب في البيئة المدرسية بواسطة المناهج الدراسية، والأنشطة اللاصفية، والتدريب، والإرشاد الطلابي، والمشاركات والفعاليات والمناسبات المجتمعية التي تعنى بمكافحة المخدرات، والتواصل مع جهات الاختصاص، وغير ذلك من المناشط التربوية والقنوات التعليمية والتي تسهم بكل فعالية في حماية النشء والمجتمع من خطر المخدرات.
ثانياً: التشريعات والقوانين.
لعل من أحد أسباب تحجيم تأثير جهود الجهات المختصة في مكافحة المخدرات هو ضعف التنسيق والتكامل بين هذه الأجهزة وبين الجهات والمؤسسات الحكومية والأهلية، حيث لا توجد بشكل واف التشريعات والنظم التي تحمي الأفراد من خطر المخدرات، وتجعل من سلوك تعاطي المخدرات مخالفة صريحة يستحق عليها المتعاطي الإجراء الإداري الحكيم والحازم لحماية المؤسسة والمجتمع من آفة المخدرات.
لقد أدى حرص الاتحادات الرياضية على الكشف عن المنشطات إلى حماية اللاعبين منها، وتخليص المجتمع الرياضي من متعاطين المنشطات، ولو عممت هذه القاعدة على جميع الدوائر الحكومية والأهلية وألزمت هذه الدوائر باختبارات دورية للكشف عن المتعاطين لأدى ذلك إلى خفض كبير في تعاطي وانتشار المخدرات.
ثالثاً: التوعية والتثقيف.
يجب أن يدرك القائمون على المجتمع أن خطر المخدرات الداهم لم يعد يهدد الأفراد بل أصبح أداة للقضاء على الدول والمجتمعات، ولذا فلا بد أن تسهم وسائل الإعلام من صحافة وإذاعة وتلفاز وفضائيات وغيرها بكل فعالية وبكل جدية في مكافحة المخدرات باعتبارها محذوراً يمس سياسة الدولة وسيادتها واقتصادها وتثقيفها، ولا بد أن تسعى وزارة الشؤون الإسلامية بنشر الوعي الإسلامي من خلال المساجد والمنابر والندوات وغيرها حول حرمة المخدرات والجريمة العظيمة لمن يسعون في الأرض إفساداً من خلال تعاطي أو توزيع أو ترويج السموم المخدرة، كما ينبغي أن تشارك كل دائرة حكومية بدورها في التثقيف والتوعية للمجتمع من آفة المخدرات المهلكة.
رابعاً: المكافحة الأمنية.
إن تطوير وسائل المتابعة والملاحقة لمتعاطي ومروجي المخدرات مطلب أساس في وقاية المجتمع من هذه الآفة، والمجتمع السعودي بشكل خاص مجتمع مستهدف من عصابات ومافيا المخدرات وغيرها من الجهات التي تسعى إلى تحقيق مكاسب اقتصادية أو سياسية على حساب تدمير القيم والأخلاق التي يتمتع بها بفضل الله مجتمعنا السعودي المسلم.
ولا شك أن التدريب المكثف لكل العاملين في الجهات الحكومية ذات العلاقة بمكافحة المخدرات، بالإضافة إلى توفير الإمكانات المادية الكافية والخبرات البشرية المدربة سوف يجعل من عملية تعاطي أو بيع أو ترويج المخدرات مخاطرة كبيرة يدفع المغامر ثمنها غالياً، وقد أحسنت الدولة رعاها الله يوم أن قررت القتل تعزيزاً لمروجي المخدرات ليكون ذلك عقاباً رادعاً لكل من تسول له نفسه الترويج والتوزيع.
وختاماً فالإرهاب الذي تسببه المخدرات على المستويات السياسية والاقتصادية والإجتماعية والثقافية وعلى مستوى الفرد والأسرة والمجتمع هو إرهاب جدير بالمكافحة والمحاربة على كل الأصعدة، ولا شك أن الجهود المباركة المبذولة في هذا المجال من الجهات ذات الاختصاص هي جهود مشكورة مقدرة تستحق كل دعم وتشجيع، نسأل الله أن يحمي مجتمعنا من خطر المخدرات، وأن يمكن قيادة هذه البلاد - يحفظها الله - من توفير كافة الوسائل والسبل التي من شأنها حماية مجتمعنا وعقيدتنا وأمتنا من خطر المخدرات وإرهابها.