هذا ما فعلته ذكرياتك التي كتبت عنها في كتابك الجميل (ذكريات وأحاسيس نامت على عضد الزمن)، لقد غادرتنا إلى دار البقاء، نعم لكن ذكراك سوف تبقى في أذهاننا يقظة حية على مر الزمن.
ألا يكفي دليلاً على ذلك أن يكون قد مر أكثر من نصف قرن من الزمان ولا يزال كاتب هذه السطور يتذكر أيام كان صبياً في الثانية عشرة والثالثة عشرة من عمره، كيف جعلت من دارك في المجمعة مركز استقطاب واجتماع للقادمين الجدد من بلدان مختلفة بما يحملون معهم من ملامح ثقافية تختلف عما ألفه المجتمع المحلي في مدينة المجمعة، فكان منهم من أتى من فلسطين كأستاذنا حسين حسونة - رحمه الله - الذي شردته العنصرية الصهيونية وطردته من داره ليجد في دارك دفء الأخوة ورحابة الصدر، ثم جاء من بعده من مصر معلمونا الأجلاء في أول دفعة تجيء للمجمعة، هذه المدينة الصغيرة الوادعة التي اعتادت على تلقي جرعات صغيرة من ثقافات جديدة حملها بعض أبنائها الذين نالوا حظاً من العلم في بلاد أخرى، وربما غيرت شيئاً من قناعة أهلها التي كانوا عليها وقت صباك، كما صورتها في كتابك ذاك حيث كانوا قانعين من العالم الواسع، والكون اللامحدود بحدود مدينتهم وما فوقها من سماء، حيث كل شيء محدود وشحيح من المعرفة إلى لقمة العيش إلى جرعة الماء، لكن هذه الجرعات الصغيرة ذابت في حضن تقاليدها المحافظة وثقافتها الدينية التي تربت في مدرسة أحمد الصانع وعلم الشيخ عبدالله العنقري.
وكان يمكن أن يحدث صدام بين القديم المستقر المألوف وبين القادم الطارئ الذي جلب معه معارف جديدة ولهجات و شخصيات جديدة وألوان من النشاط المدرسي لم تكن مألوفة من قبل مثل: المسرح والتربية الرياضية التي يلبس فيها (الشورت)، لكن الصدام لم يحدث، ولم يتوجس المجتمع في هؤلاء القادمين شراً، ولم يقابلهم بالجفاء والإقصاء، بل حصل (تقابل ثقافي)، أحاط به جو التسامح والألفة والتقارب، ومارست شخصيتك المؤثرة دوراً مشهوداً في إحداثه، وتحولت دارك إلى دار ندوة فكرية تتمازج فيها الأفكار والثقافات المختلفة، هذا التقابل الثقافي الذي حدث آنذاك ربما لا يبدو الآن أمراً ذا بال، لكنه قبل أكثر من خمسين عاماً كان حدثاً لا يغيب عن الذاكرة، وينطبع في ذهن الصبي كانطباع النقش في الحجر كما يقال، فيرى فيه الشيخ الذي كان ذلك الصبي مثالاً لما يجب أن يكون عليه المجتمع المتسامح، بعد أن أوشك عدم التسامح في وقتنا الراهن أن يحدث خللاً في توازن المجتمع.
وكأنك أيها الراحل إلى دار الخلود قد طويت بين جوانحك الشعور اليقيني بأن ما عملت من أجله في شبابك في مجتمع المدينة الصغيرة يمكن أن يحدث في المجتمع الأكبر - مجتمع الوطن.
وهكذا، ما إن أبدعت مؤسسة الحرس الوطني مهرجان الجنادرية للتراث و الثقافة، حتى ساهمت بفكرك الواسع الأفق وتجربتك العميقة في جعل المهرجان ميداناً (للتقابل الثقافي) فسيح الأرجاء مفتح الأبواب تتقابل فيه الأصالة مع المعاصرة، ومثقفو الداخل مع مثقفي الخارج على مرأى ومسمع من مجتمع الوطن الكبير، حتى صار المهرجان معلماً من معالم الثقافة والفكر في هذا الوطن، ورمزاً لانفتاح المجتمع على ثقافة العصر وثقافة الغير مع التمسك بدعائم التراث الأصيل والعقيدة الراسخة، ومرآة تعكس الصورة الزاهية لمجتمع متسامح واثق من أصالته وجذور ثقافته، مما يطمس الصورة القاتمة لمجتمع الانغلاق وعدم التسامح.
هكذا إذن عبرت تجربة من تجارب (التقابل الثقافي) على مطية الزمن الصبورة من مجتمع صغير إلى مجتمع كبير، ومن عصر متواضع إلى عصر مترع بالإمكانات، لكن الحادي كان رجلاً واحداً.. هو عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري.