
توفيت نازك الملائكة آخر ماتبقى من رواد الشعر الحر الذين سبقوها الى الرحيل، ولكنها سبقتهم الى الصمت. توفيت وهي تغالب مرضها بين صحو وغيبوبة، وما درت أن بغداد مدينتها تحتضر مثلها وتغالب غيبوبة بصحوة الموت.
وفي كل مرة تستعاد ذكرى الحداثة الشعرية تنشر أوراق نازك وما خلّفته على طاولات النقاش من مباحث وكتابات حفظت عمرا من أخصب أعمار الشعر العربي الحديث. ونازك الملائكة لم تكن فقط بين رواد موجة الشعر الحر،بل ظاهرة لافتة في الأدب العربي.
كانت (عاشقة الليل) ترى في الشعر أكبر من قيمة الإنشاد وتسطير القصائد، فهو بحث عن المعنى الخفي للمعرفة،عن تلك القوة المندفعة التي يشغلها اعتمال صيغة القصيدة منذ القدم حتى الحداثة.على هذا دخلت نازك في قلب الصراعات الأدبية مجادلة من طراز خاص، فكان ديوانها الاول (شظايا ورماد) 1949بمثابة البيان الذي أرخ انطلاقة قصيدة الشعر الحر، وكان كتابها (قضايا الشعر المعاصر) 1962من بين مباحثها التي تشهد بثقافة لغوية وعروضية نادرة بين مجايليها. وعلى رغم ما أثاره هذا الكتاب من ردود فعل عنيفة ضدها، غير أنه يؤرخ مرحلة في حياة الملائكة مليئة بالنشاط العقلي والوعي بدورها في العملية الأدبية كناقدة لنتاج مجايليها وقارئة مجدة في التجارب الإبداعية، مزاوجة بين التراث ومعرفتها بنظريات الشعر الحديثة.
قيمة نازك الملائكة تقاس أولا، بمرحلة شعرية كانت هي المخاض الممهد لولادة شعر الحداثة اللاحق، ونازك سبقت أقرانها في وعيها النظري لأهمية هذا المخاض. فمقدمة (شظايا ورماد) لم تكن مجرد معركة عاطفية خاضتها ضد القافية، ولا كانت حماسا شكلانيا للشعر الحديث، بل كانت مناظرة مبكرة ،حاولت التوصل الى الأسباب التي حالت دون تطور القصيدة العربية.
وناقشت خلالها علاقة اللغة بالشعر، ورأت أن الشاعر بابتكاره النحوي يصنع اللغة، وهو الذي يمنح الألفاظ معاني جديدة وما على اللغويين إلا استخلاص القواعد ممن أسمتهم " المرهفين"من الشعراء. وهذا الرأي سبق أن ورد على لسان النقاد القدامى ، بيد انها استخدمته لمحاجة جديدة.
الشعر في ميزانها، لايعني الرهافة والحساسية فحسب، بل الثقافة العميقة التي تمكّن الشاعر من خرق القاعدة عبر فهمه منطق التطور في اللغات الحية،كما هو علاقات جديدة بين الشاعر والقصيدة والشاعر وعصره.
كتبت نازك كتابها ومقدمته تلك وهي لم تبلغ بعد الثلاثين، فاضحت كلمات برناد شو التي وضعتها في المفتتح (اللاقاعدة هي القاعدة الذهبية) مدخلا الى تلك الأحرف التي رنت في ذاكرة الأجيال الشعرية في العراق والبلدان العربية "ما زلنا أسرى، تسيّرنا القواعد التي وضعها أسلافنا في ما زلنا نلهث في قصائدنا ونجر عواطفنا المقيدة بسلاسل الأوزان القديمة، وقرقعة الألفاظ الميتة، وسدى يحاول أفراد منا أن يخالفوا، فآنذاك يتصدى لهم ألف غيور على اللغة، وألف حريص على التقاليد الشعرية التي ابتكرها واحد قديم أدرك ما يناسب زمنه".
الملائكة بين رواد الشعر الحر، الأكثر تمكنا من اللغة والتراث، فهي عاشت في بيت شعر وأدب واحتفاء بالعربية ومظانها، والتاريخ ومروياته،وكانت مجالس والدها تستقبل المتأدبين من مصر والشام. وشأنها شأن الارستقراطية البغدادية، كانت عائلتها تتطلع الى التجديد في الحياة والأخذ بأسباب التطور، ونازك البنت البكر تمتعت في هذا الجو بامتيازات الاهتمام والتفضيل حتى على اخوتها. وفي العام 1945حصلت على بعثة لدراسة الأدب المقارن في الولايات المتحدة، فاغتنت حياتها بخبرات جديدة، وترجمت لشعراء كثيرين انتقت قصائدهم بما يناسب نزعتها،وكانت تقضي اغلب وقتها في مكتبة الجامعة مكتسبة تجارب حسبما تقول
" أضعاف ما كسبته في حياتي السابقة كلها، فتغيرت مفاهيمي ومثلي ومقاييسي، وتبدلت شخصيتي كلها."
ولكن ما الذي حدث لها كي تتحول من داعية الحرية الشعرية الى حارسة أختام الوزن والقافية؟. تكتب نازك في كتابها (شجرة القمر) 1967"واني على يقين بأن تيار الشعر الحر سيتوقف في يوم غير بعيد، وسيرجع الشعراء الى أوزانهم الشعرية بعد ان خاضوا في الخروج عليها والاستهانة بها. ". لعل هذا الجانب في تاريخها يلقي الضوء على طبيعة المسيرة المتعرجة لتطور الأدب في العراق،ويمنح المتمعن فرصة التأمل في حياة المرأة المبدعة، فنازك حسبما قال عنها أحد النقاد توازي الأخوات برونتي في الأدب البريطاني،فقد كانت تصارع الوقت والعزلة الروحية بالكتابة، فأسست منطقا لأدب المرأة يختلف عن ماهو متداول في الحياة الثقافية.
كانت تتفوق على منافسيها الرجال في قدرتها على التنقل بين المحاجة العقلية والمعلومة التي تستقيها من بحوث اللغة والتراث والعروض.وهذه القدرة التي تملكها وظفت مرتين، مرة لنصرة الشعر الحديث وأخرى لدحره. والكلمة الأخيرة ترفضها نازك، التي لم تكن فداحة التخلي عن أفكار ثورتها الأولى تعنيها، قدر ما عنتها موجة الهجوم الذي جوبه به كتابها (قضايا الشعر المعاصر). والى اليوم عندما تستعاد التواريخ يهاجم النقاد نازك حول ما كتبته عن "ضرورات" العودة الى الاصول. فهي تعلن فزعها مما لحق حركة الشعر الحر من غثاثة، متكهنة بمصير هذه الحركة
"ستتقدم في السنين القادمة حتى تبلغ نهايتها المبتذلة، فهي اليوم في اتساع سريع صاعق، ولا أحد مسؤول عن شعراء نزري المواهب، ضحلي الثقافة سيكتبون شعرا غثا بهذه الأوزان الحرة". وما أن صدر هذا الكتاب، حتى أصبحت نازك المرتدة الأولى، التي أصدرت فتواها فيما يجوز ولا يجوز في الشعر، وهذا خلاف ما كان سببا في أسباب انطلاقتها (اللاقاعدة، هي القاعدة الذهبية). صمتت الملائكة ولم ترد على ما جوبهت به من اتهامات، ولكنها أدلت بحديث الى عبد الواحد لؤلؤة تقول فيه ما نصه "هذه التقولات الاعتباطية أحد أسباب تخلفنا في العالم العربي، ولا بد أن نخرج من هذه الحالة وندرك ان للأحكام أدلة تثبتها، ولا ينبغي لنا أن نقول دونما برهان."
في سبعينات القرن المنصرم دخلت نازك في دوامة الاكتئاب،الذي أصيبت به في عمرها المبكر وصاحب شعرها الرومانسي، حين لاحت نزعة التشاؤم تصورا جماليا للحياة وهي المعجبة بفلسفة شوبنهاور.وسرعان ماتحولت هذه النزعة الى مرض لاطاقة لها على هزيمته. وفي كتاب حياة شرارة عن حياة نازك الملائكة تتعرض الى أسباب هذا المرض "ومما يزيد من ألم نازك في حديث الشعر والشعراء، هروب الشعر منها واحساسها أن ينابيعه التي انبجست مبكرا في حياتها أخذت تنضب لأشهر طويلة تتجاوز السنة أحيانا، وهذا يؤرق عليها عيشها. ولا شك في ان ذلك يعود الى الحبوب المهدئة التي كانت تتناولها وتبعث الخمول في أوصالها".
ولعل أهم أسباب تبدلات نازك الملائكة من قائدة لثورة على الطرز القديمة في التفكير والحياة والشعر، الى منكفئة على ذاتها خائفة من العالم وفزعة من تطوراته، هو تلك الطهرانية التي تحملها والتي تربت عليها في بيت عائلتهم الكبير، هذا البيت العريق الذي تكتب عنه في واحدة من قصصها. ونازك سجلت حياتها بما يشبه السيرة المتخيلة في تلك القصص، وتحدثت في قصتها عن الجدران العالية والأبهاء التي تشعرها بالرهبة.ومع أن بيت العائلة انتقل الى منطقة تحفها الزروع والأشجار والجمال، غير أن قيم هذا البيت انتقلت معها، حيث كل شيء يرجع الى أصوله. فالأصالة والعودة الى الماضي حملتها بين أعماقها، وكانت سلاحا ذي حدين: حين ساعدها نظام العائلة على المثابرة والتحصيل العلمي والعودة الى التراث وينابيعه، وحين تحوّل هذا الإرث الى سلاسل عقرت موهبتها وروحها المتفتحة على الجديد.
خاضت نازك معركة الريادة الأولى مع زملائها في الدراسة دون أن تلتقيهم في مناظرات في المقاهي والمجالس،ولا حتى في دار المعلمين العالية التي درست فيها صحبة السياب والبياتي. نازك المتحررة التي كانت تتعلم العود والتمثيل، وتحاضر في مواضيع شتى بما فيها الأغاني العراقية، وتدعو الى حرية المرأة وخروجها من البيت، لم تحاول الاحتكاك المباشر بالوسط الثقافي، فقد كانت تتطلع الى السفر الى الخارج كي ترى العالم الآخر والثقافة الأخرى التي كتبت عنها بعد عقد من عودتها (الأدب والغزو الفكري) حيث رأت في الأدب الغربي استهانة بالمجتمع والأخلاق والإيمان بالعبث والاستغراق في الجنس.
كانت تلك النظرة الى المكان الذي قصدته هربا من مكانها الاول، بمثابة حسم لقلقها الذي تكمن خلفه قيمة عليا لطالما أرقتها وكتبت عنها كثيرا: الاخلاق. الأخلاق التي نظرت الى كل شيء من خلالها : السياسية والأدب والاقتصاد والعلاقات الشخصية والأديان والفلسفة وكل مايمت الى الحياة الإنسانية من صلة.
صمتت نازك طويلا، ولكنها ذهبت أخيرا الى صمتها الأبدي، ولكن رحيل جسدها لن يطوي صفحة أدبها الذي سجل لها حضورا قل نظيره بين النساء الكاتبات.
1
الله يرحمها ويتغمدها فسيح جناتة لقد اثرت الساحة الادبية وكنت اقراء لها في المرحلة الثانوية شعرها تسمو به المشاعر عن مطامع الجسد فهي ادبية حقا جعل الله ما اصابها من مرض كفارة وان ماتت وتلحفت التراب سيبقى اسمها مابقيت نفوس تواقة الى الرقي الشعري.
تهاني - زائر
06:44 صباحاً 2007/06/23
2
قد أفضت إلى قدمت و لن يغنيها هذا المديح و لا يضرها التجريح.. في موت المشاهير و الناس من حولنا عبرة فهل نعتبر !!
سلمان - زائر
07:28 صباحاً 2007/06/23
3
الله يرحمها كانت جدا رائعة
جواهر - زائر
09:38 صباحاً 2007/06/23
4
لماذا نحن متأخرين في تكريم الاشخاص الذين غيرو مسار حياتنا سواء في الشعر اوغيره لماذا لانتذكرهم الا عندما يذهبون لماذا لا نكرمهم الا اذا ماتو ا هذا هو الموضوع الذي يجب ان تناقشوه او على الاقل تردوا عليه
nawaf alqahtani - زائر
11:51 صباحاً 2007/06/23
5
وداعا يا من احبت الحرف العربي
وداعا يا رواد الشعر والادب
ودعا يا رمز من رموز النهضه
سعيد دهلان - زائر
01:02 مساءً 2007/06/23
6
الله يرحمه ويسكنها فسيح جناته
أتسائل لماذا يكرمون الادباء والشعراء بعد وفاتهم ولماذة لايكرمونهم وهم على قيد
الحياة ؟
حلمي آل بدوي - زائر
04:50 مساءً 2007/06/23
7
الله يرحمها ويغفر لها
أم زياد - زائر
11:51 مساءً 2007/06/23
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة