أكد الدكتور إبراهيم بن برجس العبدالكريم عالم الأبحاث في جامعة الملك سعود بن عبدالعزيز للعلوم الصحية بالشؤون الصحية للحرس الوطني بالرياض أن استخدام التقنية الحيوية الجزيئية في مجال التشخيص الوراثي فتح آفاقاً جديدة في فهم مسببات الكثير من الأمراض وآلية عملها وتأثيراتها المرضية.
وأوضح العبدالكريم أنه بالعودة إلى التاريخ نجد أن علم الوراثة كعلم والمورثات كمكون لهذا العلم قد عرفا منذ القدم، إلى جانب ما ورد في السنة المطهرة من أحاديث تدل على وجود هذه المعرفة في حياة من سبق.
وأبان العبدالكريم أنه برزت فكرة حفظ المادة الوراثية سواءً تلك التي تمت تنقيتها أو التي لا تزال في خلايا الإنسان على شكل نسيج أو سائل حيوي كالدم مثلاً كحاجة ملحة في ما يعرف بالبنوك الحيوية، خاصة وأن كثيراً من الأمراض في علم الطب ذات أسباب إما مجهولة أو غير واضحة المعالم.
واعتبر العبدالكريم البنوك من معطيات الحضارة الحديثة التي أصبح الناس لا يستغنون عنها بأي حال من الأحوال لما تقدمه من خدمات اقتصادية كبيرة للأشخاص، في حين تكون الثروات المودعة في البنوك الحيوية هي الإنسان نفسه من خلال أنسجته وخلاياه ومادته الوراثية، موضحا أن الهدف الرئيس لهذه البنوك هو حفظ المادة الوراثية من أجل توفيرها لدراسة الأمراض مستقبلا خاصة وأن الكثير من المرضى يتوفون قبل معرفة نمط وسلوك الأمراض الذي أصيبوا بها.
وانتقد العبدالكريم من يرى أن حفظ المواد الحيوية من المرضى هو بمثابة الحفظ للمعالم الخفية للمرض وعدم زواله بمجرد وفاة المريض نفسه، وبالتالي العمل على إيجاد العلاج والمحافظة على حياة من يصابون به في المستقبل.
وبين العبدالكريم أن الخدمة الصحية التي يمكن أن تقدمها البنوك الحيوية ترتكز على تشكلها من عدة بنوك داخلية مثل بنك للمادة الوراثية المستخلصة وبنك السيرم الحيوي وبنك للأنسجة وبنك للأنسجة السرطانية وغيرها، مؤكدا أن الدور البحثي والتشخيصي للبنك الحيوي قائم على الربط العلمي بين المادة المخزنة ونمطها الوراثي والتاريخ المرضي لصاحبها، ما يوفر للباحثين فرص دراسة وتحليل الطبيعة المرضية للمرض المدروس والأثر الناتج من تعرض المادة الوراثية لأي تحور يغير من طبيعتها السليمة.
ومضى الدكتور إبراهيم العبدالكريم يقول "إن آلية الإيداع في البنك الحيوي تقوم على نوع العينة المراد حفظها في البنك الداخلي الحيوي الخاص بكل نسيج، بعد استكمالها لضوابط وشروط الإيداع، خاصة ما يتعلق بالجانب الأخلاقي وسرية بيانات المريض، موضحا أن العينات تودع في حاضنات تصل درجة حرارتها إلى 80درجة مئوية تحت الصفر، ولمدة قد تصل إلى عقود من الزمن، بحيث يتم استخراجها عن طريق شبكة المعلومات الخاصة بالبنك الحيوي من خلال إعطاء كل عينة يتم إيداعها في البنك رقماً خاصاً بها يسهل عملية استعادتها عند الحاجة إليها وضامنا لعدم اختلاط العينة مع غيرها من العينات.
وأكد العبدالكريم أن التطور الهائل والمستمر في التقنيات الجزيئية ساعد في أن تكون هذه البنوك عنصراً أساسياً لا غنى للمراكز الطبية ومعاهد الأبحاث عنه.
وحول فوائد هذه البنوك، أوضح العبدالكريم أن الفوائد تتمثل في: المحافظة على عينات مختلفة من المتبرع أو المريض بما يساعد على تشخيص المرض مستقبلاً عند عدم القدرة على التشخيص حال التبرع، والقدرة على معرفة طبيعة سلوك الخلايا المريضة ومقارنتها بطبيعة وسلوك الخلايا السليمة.
وأضاف العبدالكريم أن من ضمن الفوائد أيضا، ربط الأنماط الوراثية والجزيئية سواء كانت مرضية أو ذات تأثير غير ممرض ومدى الاختلاف هذه الأنماط مقارنة بالشعوب الأخرى، وأهمية دراسة العلاقة بين النمط الجزيئي الوراثي للأنسجة المحفوظة مع الاستجابة للأدوية والعقاقير الطبية الجديدة التي تأخذ منحى التأثير الوراثي Pharmacogenetics، والمساعدة في إعطاء المتبرع تقييما لمدى احتمالية الإصابة بالأمراض وأسلوب الوقاية منها وعلاجها.
وفيما يتعلق بأخطار هذه البنوك، بين العبدالكريم أن أبرزها هي: خطورة المحافظة على العينات الحيوية في تلك البنوك، وعدم استغلالها سلباً إما بتسريبها خارج البلاد، ما بجعلها عرضة للعبث البحثي الذي يجعل أمن الوطن في خطر من برامج التسلح التي جعلت الإنسان وقوداً لمعركتها، أو يكون هذا التسرب لشركات التأمين وشركات القطاع الخاص التي توظف تلك المعلومات الوراثية لأي شخص بما يخدم مصالحها، إلى جانب أن تلك العينات ربما تعرضت لعبث الباحثين عن النشر العلمي دون احترام لحقوق أصحاب العينات الأصلية أو أوليائهم، ودون تقدير لضرورة الحصول على موافقة خطية وصريحة من المتبرع بالعينة بإجراء مثل هذه البحوث عليها أو قصر استخدام تلك العينات على الأغراض التي أخذت لأجلها.
غير أن العبدالكريم أبدى تفاؤله من البنوك الحيوية وما تقدمه من خدمات جليلة للإنسان في المحافظة على صحته ومعالجة أمراضه المستعصية، لكن هذا التفاؤل يجب أن يكون محاطاً بسياج من الاهتمام والعناية وتحمل المسؤولية تجاه المحافظة على تلك البنوك الحيوية.