وفي مقابل الموقف الأميركي حيال مستقبل النظام الحاكم في بيونغ يانغ، أبدت كل من الصين وكوريا الجنوبية قدراً من الاهتمام باستقرار هذا النظام. كذلك، فإن الرأي العام في كوريا الجنوبية منقسم بشأن كيفية التعامل مع أشقائه الشماليين
؟ دخلت قضية الملف النووي الكوري الشمالي مرحلة جديدة مع دعوة بيونغ يانغ الوكالة الدولية للطاقة الذرية لإرسال مجموعة من الخبراء بهدف بحث إجراءات التحقق من عملية تعليق الأنشطة النووية.
وقد نصت المرحلة الأولى من اتفاق نزع السلاح النووي لكوريا الشمالية، الذي جرى توقيعه في شباط فبراير الماضي، على حصول بيونغ يانغ على خمسين ألف طن من وقود النفط الثقيل مقابل إغلاق مفاعل يونغبيون، فيما تقضي المرحلة الثانية من الاتفاق بتفكيك كوريا الشمالية جميع برامجها النووية مقابل 950ألف طن إضافية من المساعدات النفطية، أو ما يساويها من المساعدات الأخر، ومعطيات دبلوماسية، تتضمن إعادة تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة.
وكانت الجهود الدبلوماسية لحل الأزمة قد بقيت معطلة حتى تموز يوليو من العام الماضي، حين أطلقت كوريا الشمالية سلسلة من الصواريخ باتجاه بحر اليابان. وقد نادت اليابان حينها بفرض عقوبات من قبل مجلس الأمن الدولي.وبعد عشرة أيام من المجادلات والمشاحنات وافقت الدول الخمس دائمة العضوية في المجلس على صيغة قرار يدين تصرفات كوريا الشمالية.
بيد أن بيونغ يانغ تحدت مجلس الأمن وأعلنت في تشرين الأول أكتوبر عن أول تفجير نووي، لتصبح الدولة الثامنة التي تقدم على هذه الخطوة على صعيد عالمي، بعد الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، والهند وباكستان.
وبدا أن إعلان كوريا الشمالية عن تجربتها النووية قد جاء نابعا من إدراكها بأن إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش، في فترة ولايته الثانية، لن تخفف من مطالبها بالامتناع الكامل عن تنفيذ البرامج النووية، وإنها على العكس من ذلك ستواصل سياساتها الرامية إلى عزلها وتضييق الخناق عليها.
وقد جاءت ردود الفعل الدولية حيال تجربة كوريا الشمالية متماثلة في منطقها بوجه عام، وهي قد بلغت ذروتها في القرار الرقم 1718الصادر عن مجلس الأمن الدولي، الذي أدان التجربة النووية وطالب بالعودة إلى التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كما فرض جملة من العقوبات السياسية والاقتصادية.
وقد صرح الرئيس بوش: "بأن انتقال الأسلحة أو المواد النووية بواسطة كوريا الشمالية إلى دول أو كيانات أخرى سوف يشكل خطراً داهماً وتهديداً خطيراً للولايات المتحدة، وسوف نعتبر كوريا الشمالية مسؤولة بشكل كامل عن العواقب المترتبة على مثل ذلك التصرف".
وقد أشارت الولايات المتحدة إلى تقارير تفيد بمساعدة بيونغ يانغ طهران في برنامج صنع الصاروخ الباليستي "شهاب - 5"، الذي يرتكز على تصميم الصاروخ الكوري الشمالي "تايب دونغ 1"، وهو الصاروخ الذي اختبرته كوريا الشمالية في آب أغسطس من العام 1998.والذي يبلغ مداه بين 3500و 5000كلم.
بيد أن الولايات المتحدة قد أقرت في المقابل بغض الطرف عن صفقة أسلحة كورية شمالية تم تسليمها إلى إثيوبيا العام الماضي.وقد رفض المتحدث باسم الخارجية الأميركية شون ماكورماك التعليق مباشرة على معلومات أوردتها صحيفة "نيويورك تايمز" تفيد بأن واشنطن سمحت لإثيوبيا ، التي تدعم عسكريا قوات الحكومة الصومالية ضد المحاكم الإسلامية، بالتزود سرا بالأسلحة من كوريا الشمالية.
وفي مقابل الموقف الأميركي حيال مستقبل النظام الحاكم في بيونغ يانغ، أبدت كل من الصين وكوريا الجنوبية قدراً من الاهتمام باستقرار هذا النظام. كذلك، فإن الرأي العام في كوريا الجنوبية منقسم بشأن كيفية التعامل مع أشقائه الشماليين.
وقد امتنعت كوريا الجنوبية والصين عن المشاركة في المبادرة الأمنية الخاصة بتفتيش السفن المتجهة من وإلى كوريا الشمالية. كما هددت الصين في خضم المشاحنات التي دارت بشأن قرار الأمم المتحدة باستخدام حق النقض (الفيتو) إذا ما وردت في القرار أية إشارة إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، والذي يتيح اللجوء إلى القوة العسكرية.
وقد رأت إدارة بوش لوقت من الزمن بأنها قادرة على التوصل إلى حل للمشكلة النووية الكورية من خلال تغيير النظام الحاكم هناك. وكان التطلع الأميركي يتلخص في أن تؤدي العزلة والعقوبات إلى إسقاط نظام كيم جونغ إيل. وسعت واشنطن إلى تضييق الخناق الدبلوماسي على الكوريين الشماليين من خلال توصيتها بتحويل النقاش الدائر بشأن الأزمة النووية إلى مجلس الأمن الدولي.
وإضافة إلى ذلك، جمعت واشنطن اللجنة الأمنية اليابانية الأميركية المشتركة من أجل بحث إعادة انتشار قوات الولايات المتحدة في الباسفيك، وقد شمل ذلك قواتها في اليابان، التي تقرر أن تركز على الاستجابة للتهديدات النووية والصواريخ الباليستية لدى كوريا الشمالية، فضلا عن التهديدات التي يفرضها تنامي القوة العسكرية الصينية.
وتدعو الخطة الجديدة لوزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إلى زيادة عدد السفن الحربية المتواجدة في مياه الباسيفيكي، وتشير إلى إبحار 6من 12حاملة طائرات تابعة للبحرية الأميركية، بالإضافة إلى 60% من غواصاتها في الباسفيك، "من أجل التواجد والمواجهة والردع".
وقد بدا لوهلة أن المحادثات الخاصة بالأزمة الكورية قد انتهت في أيلول سبتمبر من العام 2005إلى اتفاق يقضي بتخلي كوريا الشمالية عن برنامجها النووي مقابل حزمة من الضمانات والحوافز الأمنية والاقتصادية، بيد أن ذلك الاتفاق غير المحكم سرعان ما انهار، ورفضت كوريا الشمالية العودة إلى المحادثات قبل أن تفرج الولايات المتحدة عن أموالها المجمدة في بنك دلتا ماكو.
أما استعداد كوريا الشمالية لاحقا لاستئناف المفاوضات فهو يعكس جزئياً القرار الأميركي بالتراجع عن الإصرار على "التفكيك الكامل والدائم على نحو يمكن التحقق منه" لبرنامجها النووي كشرط أساسي للدخول في محادثات بشأن تطبيع العلاقات.فقد تقبلت إدارة بوش حقيقة أن كوريا الشمالية تمثل قوة نووية وأن أي قوة خارجية لا تستطيع أن تغير من هذا الواقع شيئا.
وضمن أمور أخرى، أوضحت الأزمة النووية الكورية أن الولايات المتحدة لم تعد تشكل اللاعب القادر على التصرف بمفرده في المشهد الدولي، وأن الخيارات المتاحة أمامها كقوة عظمى أضحت محدودة ومعقدة.
ومبدئيا، ثمة سببان رئيسيان لمعارضة القوى الكبرى للانتشار النووي: أولاً، لأن القنبلة الذرية هي السلاح الوحيد ذو القوة التدميرية الهائلة الذي يكلف الحصول عليه جهدا صناعيا غير عسير.وثانياً: إن الحاجز النفسي بين الأسلحة النووية والتقليدية يبقى ضخما، رغم ازدياد القوة التدميرية للأسلحة التقليدية الحديثة.
ومن هنا، تخشى القوى الكبرى من أن امتلاك دول من العالم الثالث للأسلحة النووية من شأنه زيادة احتمال تصاعد العداءات إلى مستوى مرتفع جدا، مما يزيد بدوره من خطر تورطها في أحداث مجهولة العواقب.
وثمة دول في العالم الثالث تصنف على أنها قريبة من العتبة النووية، كالبرازيل والأرجنتين وجنوب أفريقيا، أي أنها قادرة على إنتاج القنبلة النووية لو تحللت من القيود السياسية، أو لنقل لو تحللت من الالتزامات الدولية في هذا الشأن.
أما إسرائيل، فتعتبر القوة الوحيدة في العالم التي تتبع سياسة الغموض النووي، وربما تكون هذه السياسة قد حققت الآن أهدافها المرجوة، فمن جهة اعتبرت إسرائيل من قبل المجتمع الدولي قوة نووية، ومن جهة أخرى لم تتوفر في أي وقت دلائل وإثباتات على أنها تمتلك بالفعل سلاحاً نووياً.ويعود ذلك جزئيا إلى كونها لم تقم أبداً بإجراء تجربة نووية.
بيد أن سياسة "الغموض" تبدو اليوم في موقف ضعف، إذا ما أخذنا في الاعتبار حقيقة أن مردخاي فعنونو نشر رسومات لرؤوس نووية تمتلكها إسرائيل، ويمكن حاليا العثور بسهولة على صور للمنشآت النووية الإسرائيلية على شبكة الإنترنت.
وبالعودة إلى الملف الكوري الشمالي، فقد رأى بعض المسؤولين الأميركيين أنه في حال شنت كوريا الشمالية هجوما واسعا، في ردها على ضربة جوية أميركية محدودة، فسوف يسقط نظام كيم جونغ ايل، ولهذا ليس من المرجح أن يرد الكوريون بشن هجوم واسع.بيد أن كوريا الشمالية قد ترد بقصف مدينة سول بدرجة كفيلة بتدميرها تدميرا كليا.
ورأى هؤلاء في المقابل، أنه ليس من المرجح أن تؤدي ضربة جوية إلى تدمير المنشآت السرية في كوريا الشمالية، والتي تحوي ما يزيد على عشرة آلاف قطعة مدفعية، مدفونة في كهوف عميقة على طول المنطقة منزوعة السلاح بين الكوريتين.
وفي موازاة الخسائر البشرية والمادية التي قد تلحق بكوريا الجنوبية وبالقوات الأميركية نتيجة لردة الفعل الكورية الشمالية، فإن مئات الآلاف من الكوريين الشماليين قد يموتون جراء أي حرب محتملة، خاصة بسبب التلوث الإشعاعي الذي سينتج عن قصف المنشآت النووية التي تحوي مواد مشعة، أو جراء استخدام القوات الأميركية قنابل نووية تكتيكية لتدمير منشآت كورية حصينة في أعماق الأرض. ومبدئيا، تخضع الحرب النووية المحدودة للمبادئ نفسها التي تخضع لها الحرب التقليدية المحدودة، وهي الحرب التي تُستخدم فيها الأسلحة النووية بشكل مقيد من ناحية التأثير (تكتيكية تعبوية)، علاوة على القيود الأخرى من ناحية الهدف والمكان والقوات ... الخ، وهي لم تجرب حتى اليوم، ولكن يتوقع أن تتطور إلى صراع نووي محدود، على إثر انتشار الأسلحة النووية وزيادة الاضطرابات في المسارح التي تستخدم فيها الأسلحة التقليدية.
وبالنسبة لقدرات كوريا الشمالية، فإنه بالإضافة إلى قوتها المدفعية الفائقة، وجيشها الجرار، البالغ مليوناً ومائتي ألف جندي، فإنها تعد قوة صاروخية متقدمة على الصعيد الدولي، وهي تمتلك صواريخ استراتيجية عابرة للقارات، يمكن تحميلها برؤوس نووية.وقد عرضت في الخامس والعشرين من نيسان أبريل الماضي نموذجا جديدا لصاروخ باليستي يبلغ مداه نحو خمسة آلاف كيلومتر، أي أنه قادر على بلوغ أرخبيل غوام الأميركي في المحيط الباسيفيكي.
إن القوة الصاروخية بدت اليوم أداة ردع استراتيجي وسلاح هجوم فعّال قادر على تغيير مسار المعركة. وأدى ظهور الأسلحة الصاروخية إلى حدوث تغيير جذري في التصورات السابقة عن طبيعة الحرب، ذلك أن الحرب الصاروخية الحديثة، استناداً إلى قدرتها التدميرية الفائقة ومجالاتها الواسعة وحركيتها المميزة، لا يمكن أن تقارن مطلقاً مع أية حرب سابقة. فقد ازدادت رقعة الحرب الحديثة اتساعاً واسعاً، كما أن المدى في وسائط إيصال القذائف غير المحدود تقريباً يعطي الحرب المعاصرة اتساعاً غير محدود أيضاً، بحيث يلغي جميع الحدود بين الجبهات (جبهات القتال) والمؤخرات (المناطق الإدارية) ويبدل مفهوم مسرح الأعمال الحربية على نحو جذري.
وما يمكن قوله في نهاية المطاف هو أن القوة النووية والصاروخية لدى كوريا الشمالية قد شكلت أداة ردع على درجة كبيرة من الفاعلية، وهي التي صاغت مسار العلاقة مع المجتمع الدولي، إذ بدا خيار اللجوء للقوة العسكرية ضد الكوريين الشماليين خيارا مكلفا على نحو كارثي. ويرى البعض أن دولاً عديدة في العالم قد أخذت اليوم في التساؤل حول قضايا جذرية جديدة من قبيل: إذا ما كان بوسع كوريا الشمالية أن تتحول إلى قوة نووية، فلم لا يكون هذا بوسعنا نحن أيضاً؟ وإذا لم يكن بالإمكان ضمان السيادة الحقيقية، في ظل ما يشهده العالم من تغيير الأنظمة بالقوة العسكرية، إلا بامتلاك السلاح النووي، فما الذي يمنع من سلوك هذا الطريق؟.وبالطبع هذه تساؤلات خطرة، وهي سترمي دون ريب بإيحاءاتها على بيئة الأمن الدولي، البالغة التحول والسيولة. لقد بدا لأول وهلة أن النظرية الليبرالية للأمن قد انتصرت وشقت طريقها بثبات في عالم ما بعد الحرب الباردة.وهذا صحيح على صعيد الأدبيات والمقولات المتداولة، لكن الصحيح أيضا أن أربع حروب إقليمية كبرى قد شنت منذ ذلك الحين استنادا إلى منطق القوة الكاسحة، أي إعمالا للبعد العسكري للأمن.وهذه الحروب هي حرب الخليج الثانية، وحرب البلقان وحرب أفغانستان والغزو الأميركي للعراق.وربما نكون اليوم على أبواب حرب خليج رابعة، قد تترجم بصدام عسكري أميركي إيراني، على خلفية ملف طهران النووي.ولكن إذا ما انساقت الولايات المتحدة إلى الخيار العسكري في مواجهتها مع إيران، فسوف لن يكون بوسع أية قوة عالمية وقف تحول النظام الدولي برمته نحو فكرة "السيادة النووية"، إذ أن المقارنة حينها بين إيران وكوريا الشمالية ستغدو جلية المغزى والمدلول، وذات إغراء تصعب مقاومته. إن الحري بالقوى النووية الكبرى أن تحرص على تقديم الضمانات الكافية لعدم اللجوء إلى التمييز فيما يتصل بتوفير المعرفة والأبحاث والتكنولوجيا النووية. ويتطلب هذا إيجاد الحلول على المستوى الدولي لمشكلة تخصيب اليورانيوم، حيث يترتب على المشاركة في هذه العملية التزامات من قبيل الاستعداد للتعهد بالشفافية، من خلال السماح بعمليات التحقق والتفتيش المكثف.بيد أن المطلوب قبل ذلك كله التزام الجميع برؤية متوازنة إلى مشكلات العالم، رؤية تضع سلامة الأمن الدولي في مقدمة غاياتها.