ومن البديهي أن من أهم العوائق التي تحول دون إنشاء مدن وأرياف جديدة هي التكاليف المالية العالية لإقامة البنية التحتية وهذا يبدو عقبة كأداة للوهلة الأولى لكن هذا يصبح ممكنا إذا وحدت الجهود المبذولة من قبل العديد من الجهات الحكومية والخاصة والخيرية
؟ لا شك أن أحياء المناطق غير المأهولة أو قليلة السكان من أراضي الوطن الشاسعة الأطراف له أهمية قصوى خصوصاً تلك المناطق التي تتسم بأهمية استراتيجية من الناحية الأمنية أولاً ومن الناحية الاقتصادية والاجتماعية أو غيرهما من العوامل ثانياً، إن تنمية وتوزيع تمركز التجمعات السكانية أصبح مطلباً ملحاً خصوصاً في ضوء تمركز السكان في القت الحاضر في مناطق محددة مع وجود مناطق أخرى شبه خالية مع أهميتها الاستراتيجية، وعليه فإن التنمية الريفية تأتي في مقدمة الأولويات التي يجب الانتباه لها والاتجاه إليها وذلك للحد من الهجرة من الريف إلى المدن الكبيرة، هذا بالإضافة إلى إنشاء أرياف ومدن جديدة في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية والتي سوف تثبت الدراسات أهميتها من النواحي الأمنية والاقتصادية خصوصاً أننا نعلم أهمية الخطط الاستيطانية في بناء الأمم والتي سبقتنا إليها أمم وشعوب في أماكن عديدة من العالم مع معرفتنا المسبقة بالظروف الخاصة التي تصعّب مثل هذا الخيار لدينا وفي مقدمتها قلة الموارد المائية إلا أن ذلك يمكن أن يوجد له من الحلول ما يمكن من تخطي صعوبته خصوصاً في ضوء الفوائد الموجودة من وراء القيام به والتي يأتي في مقدمتها ما يلي:
1- إن توسيع رقعة انتشار السكان يساعد على ضمان التوسع في الإنتاج الزراعي والتي تحكمه عوامل أخرى مثل ندرة الماء وغيرها من العوامل التي يمكن أن تدرس معطياتها قبل الإقدام عليها والتي يمكن أن تحل من خلال استخدام التقنية الحديثة في الري وغيرها من الوسائل الكفيلة بتحسين وحل تلك المشاكل إذا تم تطبيقها بصورة علمية وانتقائية.
2- توسيع رقعة انتشار السكان يرسخ معالم السلطة في مناطق التخوم غير المأهولة أو قليلة السكان وقد اثبت هذا العامل أهميته في مناطق كثيرة من العالم ذلك أن المناطق المأهولة بالسكان يصعب السيطرة عليها من قبل أي عدو خارجي وخير مثال على ذلك الوضع الذي تواجهه القوات الأمريكية في العراق والقوات الإسرائيلية في فلسطين، إن قوة الجيوش اليوم مطلوبة لكن الكثافة السكانية أصبحت أكثر أهمية من ناحية لدعم الجيش النظامي ومن ناحية أخرى للمقاومة لو لم يتمكن الجيش من الصمود كما حدث ويحدث في العراق. وعلى العموم فإن من أكبر الدول اهتماماً بهذا الجانب دولة العدو الإسرائيلي التي بنت المستعمرات في كل حدب وصوب من أرض فلسطين وقد أخذ بعين الاعتبار عند بناء تلك المستعمرات أهميتها الأمنية والاقتصادية والعسكرية والديمغرافية.
3- إن تطوير الريف وإنشاء مدن جديدة فيه حد من الهجرة إلى المدن الكبيرة وتخفيف الضغط عليها وعلى خدماتها المختلفة وما يتطلبه ذلك من مجهود تنظيمي وخدمي وأمني واقتصادي.
4- إن تنمية الريف وانشاء مدن جديدة سوف يفتح قنوات وفرص جديدة أمام المطورين العقاريين وشركات العقار أي أنه سوق يحدث نقلة نوعية في سوق العقار.
5- لا شك أن إنشاء مدن وأرياف جديدة في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية سوف يخلق فرص عمل جديدة سواء كان ذلك في القطاع العام أو القطاع الخاص أو من خلال تطوير المهن والأعمال الفردية والحرف التقليدية واليدوية التي اندثرت أو تكاد بعد أن التغت أهميتها الاقتصادية بسبب منافسة المستورد الرخيص الذي حل محلها وإن كان لا يرقى إلى مستوى جودتها وأصبحنا نشاهد تلك الحرف من خلال مهرجان الجنادرية للثقافة والفنون كنوع من التراث المنقرض وليس العامر، ناهيك عن إقبال الناس على شرائها واقتنائها.
6- إن تنمية الأرياف وخلق أرياف ومدن جديدة يعتبر وسيلة من وسائل مكافحة الفقر وذلك من عدة أبواب منها أنه يمكن من خلق فرص عمل للقادرين من الفقراء في تلك الأماكن وذلك من خلال إعادة توطين بعض الفقراء وتحويلهم إلى مزارعين أو عمال لدى المزارعين وتعليمهم بعض الحرف التي تدر عليهم مكاسب مادية تغنيهم بإذن الله عن الحاجة. أي تحولهم إلى منتجين بدلاً من كونهم عالة.
وعلى العموم فإن مفاهيم ونظريات التنمية في المناطق الريفية متعددة فمنها ما يشدد على تحقيق التنمية الاقتصادية ومنها ما يركز على التنمية الاجتماعية فما بالك بالنشاطات البشرية الأخرى والتي يأتي في مقدمتها تحويل المناطق، غير المأهولة أو قليلة السكان إلى مناطق ذات كثافة سكانية جيدة ومعتبرة يحسب لها ألف حساب ذلك أن الجيوش اليوم لا تشكل إلا خط الدفاع الأول كما سبق وأشرت، أما خط المقاومة الأهم فهي الكثافة السكانية والتي تجعل العدو يفكر عشرات المرات قبل أن يقدم على حماقة وخير مثال على ذلك عدم تمكن القوات الإسرائيلية من دخول بيروت عام 1982م عندما غزت لبنان كما أنه كان السبب في سرعة انسحابهم منها، إن هذه الفوائد وغيرها مما يرجى نفعه من التنمية الريفية وخلق مناطق جديدة ذات كثافة سكانية عالية مرتبط ارتباطاً وثيقاً بنجاح جعل ذلك النوع من التنمية تنمية متكاملة ولكي يتم ذلك لا بد من وجود سياسة وطنية واضحة تعتني بهذه المهمة وتتفرغ لها وتجعلها جزءاً لا يتجزأ من التنمية الاجتماعية والاقتصادية الشاملة وهذا بالطبع يحتم وجود هيئة أو جهاز وطني متخصص يرسم السياسات وتخطيط المشروعات وتنسيق المجهودات للقطاعات الحكومية والخاصة من أجل الوصول إلى تنمية ريفية متكاملة. وغني عن القول إن ذلك يحتاج إلى استخدام وسائل الاتصال المختلفة بما في ذلك نظام المعلومات الجغرافية وأجهزة الحاسب والانترنت والاستعانة بالمختصين وأصحاب الخبرة ناهيك عن الاستفادة من تحارب الدول الأخرى في هذا الخصوص مثل استراليا وكندا.
ومن البديهي أن من أهم العوائق التي تحول دون إنشاء مدن وأرياف جديدة هي التكاليف المالية العالية لإقامة البنية التحتية وهذا يبدو عقبة كأداة للوهلة الأولى لكن هذا يصبح ممكنا إذا وحدت الجهود المبذولة من قبل العديد من الجهات الحكومية والخاصة والخيرية.
فالدولة رعاها الله تبذل بكل سخاء من خلال أجهزة الوزارات المختلفة وكذلك صناديق الإقراض مثل الصندوق الزراعي، وصندوق التنمية الصناعي والعقاري، فمثلاً وزارة الزراعة تستطيع أن تقوم بمنح قطع أراض زراعية ووزارة البلديات يمكن أن تقوم بمنح قطع الأراضي السكنية كما أن الصندوق الزراعي يمكن أن يمنح تسهيلات لسكان المناطق الجديدة والناشئة بصورة أكبر من تلك التي تقدم لسكان المناطق القائمة، كما أن الصندوق العقاري يمكن أن يقدم قروضاً وتسهيلات بصورة أسرع وأيسر من تلك التي يقدمها لبقية السكان، ناهيك عن دور الوزارات المعنية بالتعليم والصحة والأمن والبلديات وغيرها ثم يأتي بعد ذلك دور القطاع الخاص وما يمكن أن يقدمه إما على شكل تبرع مادي أو عيني أو على شكل مشاريع تخدم سكان تلك المناطق وتشجعهم على الاستقرار وعلى الانتاج والعمل ثم يأتي بعد ذلك دور الجمعيات الخيرية وما تستطيع أن تقدمه من خدمات غير عادية خصوصاً في مجال تشجيع من تعولهم على العمل وتحويلهم إلى أيدي كاسبة ويمكن أن تتضافر تلك الجهود مع جهود وزارة الشؤون الاجتماعية التي يجب أن تضع خططاً وبرامج طموحة خصوصاً بعد فصلها عن وزارة العمل وبعد إعادة هيكلتها الجديدة التي تضمنت استحداث وكالة للوزارة مخصصة للاسكان الخيري وتنظيمه والعناية به.
وفي هذا الصدد تجب الإشادة بالمجهودات الجبارة التي يقدمها أهل الخير ورواده من قادة هذا البلد وأمرائه وموسريه ويأتي في مقدمتهم الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله الذي أنشأ مؤسسة خاصة تعنى بالاسكان التنموي وهي مؤسسة الملك عبدالله بن عبدالعزيز لوالديه للاسكان التنموي والتي طالت مشاريعها عدداً كبيراً من المدن والقرى والهجر وهي في سبيل تغطية جميع المناطق ضمن استراتيجية تنموية تأخذ بالأولويات، وكذلك مشاريع ولي العهد الأمين صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز حفظه الله الذي أنشأ مدينة سلطان بن عبدالعزيز للخدمات الإنسانية ومؤسسة سلطان بن عبدالعزيز الخيرية التي تبنت كذلك عدداً من مشاريع الاسكان الخيري في مناطق عديدة وهي في سبيل توسيع نشاطها في هذا الصدد.
كما أن هناك عدداً من المؤسسات الخيرية التي تدعم هذا التوجه ومنها مشاريع الأمير سلمان بن عبدالعزيز للاسكان الخيري والذي افتتح له أكثر من مشروع وهذه المشاريع تزداد توسعاً وانتشاراً في منطقة الرياض كما لا ننسى مشاريع الاسكان الخيرية لمؤسسة الملك فيصل الخيرية ومشروع الأمير محمد بن فهد والأمير الوليد بن طلال وجمعية الأمير محمد بن ناصر وغيرها مما يتم تبنيه من قبل أمراء المناطق بتوجيه من قيادتنا الرشيدة.
نعم إن مجمل مشاريع الاسكان الخيري سوف تؤدي إلى نقلة نوعية في سد حاجة شريحة كبيرة من المواطنين الذين سوف يشكل امتلاك سكن لهم نقلة مهمة في سيرة حياتهم كما أن ذلك يمكن أن يدخل ضمن استراتيجية مكافحة الفقر وتعزيز التضامن الاجتماعي. كما أن أصحاب رؤوس الأموال ورجال الأعمال والبنوك والشركات الكبرى مدعوون لتخصيص جزء من أرباحهم للأعمال الخيرية والتنمية الريفية ولا شك أن مثل ذلك التوجه سوف يعزز من ترسيخ هذه التجربة الرائدة والجديدة على بلادنا والتي ابتدعها ويقودها الرواد من قادة هذا البلد الكريم وفي مقدمتهم الملك عبدالله بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين حفظهم الله.
نعم إن تلك الجهود مجتمعة ومتفرقة سوف تتطور وتخلق مناطق ريفية وتوسع قرى وتخلق مدناً جديدة ذات فعاليات إنتاجية وخيرية في مناطق مهمة من بلادنا تحتاج إلى هذا النوع من العمل الخيري المعزز بعمل مؤسساتي وجهاز تنسيقي وذلك لخلق تنمية مستدامة ومناطق حضرية وريفية في مناطق ذات أهمية استراتيجية من الناحية الأمنية والعسكرية، كما أنها سوف تؤدي إلى تحويل الفقراء من طبقة تعيش على هامش المجتمع وتتلقى الإحسان منه إلى طبقة منتجة وقادرة على العمل والمشاركة مرفوعة الرأس. ناهيك عن أن خلق تلك التجمعات السكانية الجديدة سوف تؤدي إلى خلطهم ومزجهم في مجتمع جديد متعدد العناصر والخلفيات مما يؤدي إلى خلق مجتمع ريفي جديد متجانس من خلال التجاور والتماذج والاحتكاك والتزاوج.
نعم إن إنشاء أرياف جديدة وتوسيع القائم منها لتصبح مدناً لن تكون للفقراء فقط بل إنها سوف تكون لكل قادر على العطاء وطالب للعمل ذلك أن مثل ذلك التوجه سوف يخلق فرص عمل غير محدودة لأعداد كبيرة ممن يشكلون اليوم بطالة حقيقية أو بطالة مقنعة وغير منتجة، وهذا كفيل بتحويلهم إلى منتجين فخورين بأنفسهم ووطنهم والوطن يفخر بهم كذلك.
إن التنمية الريفية المتكاملة والمستدامة سواء تلك التي تهتم بالريف القائم أو تلك التي سوف تأخذ على عاتقها خلق أرياف ومدن جديدة في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية أصبح أمراً ملحاً في ضوء ما تشهده منطقة الشرق الأوسط من تحولات وتغيرات في الولاءات الاقليمية والدولية مصحوب بحدوث استقطاب وسباق تسلح ومدعوم باطماع خارجية تسعى إلى تحقيق مآربها من خلال الاصطياد بالماء العكر، وفي سبيل ذلك تحرض الصغير على الكبير وتنفخ بالطائفية والشعوبية. وتستخدم في سبيل تحقيق ذلك الأقزام قصيري النظر الذين يصدقون الوعود الكرتونية لقلة تجربتهم وضحالة تفكيرهم ولعل ما يحدث في العراق ولبنان وغيرها خير شاهد على ذلك.
نعم لقد أدركت حكومتنا الرشيدة أهمية حماية التخوم فأقامت المدن العسكرية الحديثة ولقد كان ذلك مناسباً وما زال إلا أنه في الوقت الحاضر يحتاج إلى تعزيزه بكثافة سكانية عالية. وعلى الرغم من أن ذلك يحتاج إلى جهود وأموال إلا أن أول الطريق خطوة ومن سار على الدرب وصل. مرة أخرى أقول إن التخطيط للمستقبل والاستعداد له وافتراض أسوأ الاحتمالات هو من سمات الأمم الحية التي تحسب لكل شيء حسابه وتقدر لكل أمر قدره قبل أن يقع خصوصاً أننا جزء من تلك المنطقة المشتعلة من ناحية وتملك أكبر مصدر للطاقة الأحفورية التي تسير حضارة العالم من جهة أخرى ناهيك عن أننا قبلة العالم الإسلامي وأصحاب الريادة فيه وهذا يحتاج منا إلى جهود مضاعفة لأن أعداء الإسلام اليوم كثر خصوصاً مع تبني صيغة صراع الحضارات كمنهج واعتبار الإسلام عدو الحضارة الغربية الأول بدعم وتخطيط ومتابعة من القوى الصهيونية التي أصبحت تملك زمام المبادرة وتتحكم بمصير الشعوب الغربية إعلامياً ومادياً وسياسياً ومن خلال الديمقراطية التي احكموا بواسطتها الطوق على تلك الشعوب وذلك أن الذي يفوز اليوم بالانتخابات هناك إما يهودي صهيوني أو تصنيف يهودي صهيوني أو ذو توجهات يهودية صهيونية ومن يتابع الأخبار ويدقق النظر فيمن يفوز بالانتخابات هناك ويسمع أجندتهم يدرك ذلك.. والله المستعان.
hluheidan@alriyadh.com