الرئيسية > الأخــيــرة

بالفصيح

بين الجرذان وفم الثعبان


عبدالله محمد الناصر

تقول إحدى الأساطير أن رجلاً كان يسير في طريقه ساهياً فزلت به قدمه في بئر وكاد يهوي فيها، غير انه تعلق بعرق شجرة وأخذ يتدلى في البئر، وحينما نظر إلى قاع البئر رأى ثعباناً جباراً فاغراً فاه يريد أن يبتلعه، ثم انه رفع بصره يريد أن يصعد مستغيثاً بعرق الشجرة فرأى جرذاً ضخماً يأكل في أصل العرق يريد أن يقطعه فيهوي الرجل إلى قاع البئر في فم الثعبان الجبار، وبينما كان مذعوراً يحاول الخلاص والنجاة رأى بجانبه بيت نحل، وشاهد قرصاً يقطر بالعسل، فمد اصبعه فذاقه فوجده عسلاً لذيذاً شهياً لم يذق مثل طعمه في حياته، فانذهل عما هو فيه وراح يأكل من قرص العسل ونسي أن تحته ثعباناً هائلاً وجرذاً خبيثاً يعمل بسرعة على القطع وبتر العرق الذي يتشبث به.

أذكر هذه الأسطورة وأنظر إلى حال الأمة العربية والعرب، فأراهم تماماً كصاحب العسل والبئر..

العالم العربي اليوم محاط بعشرات المشاكل والمحن، والقلاقل، والأزمات، والأحداث التي تشيب منها رؤوس الولدان، وهم سادرون مستغرقون في لهوهم، وعبثهم، ومجونهم.. غافلون تماماً عما يحيط بهم.

إسرائيل تمزقهم شر ممزق، فلا تكتفي بتدمير فلسطينهم بالطائرات والدبابات، وكل وسائل الذبح الشرسة التي تنتجها مصانع السلاح الغربي، بل تعمد ومعها حليفتها العظمى أمريكا إلى تفكيك وحدة شعبها بعد ستين عاماً من الصمود.

لقد توغل السم الصهيوني إلى الجسد الفلسطيني فأصبح الأخ يقتل أخاه، والأب يقتل ابنه.. لقد زرعت إسرائيل وعلى مدى عدة سنوات أشجار شر في الحقل الفلسطيني، فحولت أصحاب الحق الواحد والمصير المشترك إلى فرقاء يقتل بعضهم بعضاً، ويفني بعضهم بعضاً، في دراما كابوسية مزعجة تساعد بعض الأطراف المعنية على رسم مشاهد هذا الصراع.. فبدلاً من رأب الصدع، ولم الشمل، أخذت تلعب دوراً مشبوهاً في صناعة الفخاخ، ودس المكائد، وبث روح الفتنة..

منذ أشهر كان اجتماع مكة حاسماً ومرضياً، ومنقيا ومطهراً للأنفس، معيداً العقل إلى وعيه، والبندقية إلى عدوها الحقيقي.. لكن تلك الأطراف لم يرضها هذا الوفاق، ولم يرضها تضميد الجرح الفلسطيني، وإيقاف النزف الفلسطيني، فظهرت السيدة رايس تلعب لعبتها المكوكية مع تلك الأطراف لإعادة فتح الجراح، وتأجيج النار، وإذكاء الفتنة، وإنزال الإخوة إلى حلبة الصراع.. ولم يكن خافياً على ذي لب أو ذي حس بالسياسة تلك الزيارات المريبة، واللقاءات الفردية التي كانت وراء ما آلت إليه الحالة اليوم في فلسطين الجريحة والمنكوبة... لتقف أمريكا وإسرائيل وطابورهما في اتجاه، وبعض الشعب الفلسطيني في اتجاه آخر، وبإمكان الإنسان الساذج أن يدرك مع من يكون الحق..!!

وفي العراق أصبحت الأرض تدك دكاً ليس بالقنابل والدبابات، والمجنزرات، ورؤوس الصواريخ فحسب، وإنما بالفتنة التي اختلط ليلها بنهارها فأصبحت الأرض تتفجر بالدماء، وبالقنابل، ووصل حد الفتنة أقصى مداه، فصار المحتلون هم الذين يدبرون أمر هدم المساجد والأضرحة، وقبور الشهداء، كي لا يبقى في النفوس أمل أو بقية للمودة والمصالحة، كل ذلك من أجل تقسيم الأرض وتقطيع أجزاء العراق إلى أوصال، ودول، وطوائف، يقتل بعضها بعضاً، ويلعن بعضها بعضاً، حتى يصبح التقسيم الحل والمطلب النهائي للجميع.

وفي لبنان خرجت سوريا وحلت محلها أمريكا، فتعالى هدير المدافع، ودخان البارود، وعاد مسلسل الاغتيالات، والتفجيرات، وعاد منظر الخراب، وخرائب التدمير، والقادم أسوأ.. فأمريكا تحشر لبنان حشراً بأنواع الأسلحة التي ستحوله إلى متاريس، ومفارز، وخنادق للمليشيات، وعصابات الحرب الأولى، ولتصدر الفتنة والسلاح ربما إلى البلد المجاور، ليأخذ الخراب دورته الكاملة، ولكي لا يسمع في المنطقة العربية إلا هدير المدافع، وشلالات الدماء، والأشلاء التي تتطاير في الأحياء، ومفارق الطرق، مختلطة بالهلع والخوف واليأس والدموع.

الخراب اليوم يعم العالم العربي، ويحيط به من جميع أطرافه، وهذا العالم بدلاً من ان يحزم أمره، ويستيقظ من غفلته، ويستشعر الخطر، فتلتحم أيدي أبنائه وسواعدهم وعقولهم من أجل الدفاع عن أنفسهم، وبناء القلاع التي تحميهم، نجدهم وقد كثر فيهم الرغاء، وتعالى صوت المنجمين، ومعاقي الفلسفة، ومعاقي الفكر، فهناك أناس تافهون يُضَخّمون ويفَخّمون ويلَمعُون، وينفخ في بالوناتهم العقلية فتتضخم حناجرهم لمجرد أنهم يشتمون الأمة وأخلاقها، وهناك أناس يصفقون لهم من مدرجات الجهل أو الحماقة أو البغضاء للوطن.. هناك أناس لا يريدون لهذه الأمة قومية واحدة، ولا لغة واحدة، ولا ديناً واحداً.. فالفكر -في غالبه- تقوده أذناب فكر، وأوغاد تبعية، ومؤنثو رجولة، ومؤنثو ولاء.

انظروا إلى وسائل الإعلام المقروءة، والمسموعة والمرئية، كلها تقريباً وسائل تدمير للعقل والثقافة، وسحل لهوية الناشئة. فبعضها رقص ماسخ، وأفلام وسخة، ودعايات رخيصة، تعلم البذاءة وقلة احترام العقل والحياة، ليس فيها ما يرتقي بعقلية الناشئ، ولا ما يبث فيه روح الخلق والإبداع، ولا ما يغريه بالارتقاء بإنسانيته، ووجوده البشري.

انظروا إلى حواراتنا الفكرية والسياسية والثقافية.. فغالبيتها شتائم، ولوم، وسباب، ونقاشات عقيمة، وهدير كاذب، وزبد فوقه زبد، رغم أن الأرض تهتز من تحت أقدامنا، وصواعق الفتن ورعود الحروب تدور فوق رؤوسنا، ونحن لا نزال في ضلالنا عامهين.

إننا نعيش اليوم أسوأ عصور الانحطاط التي شهدها تاريخ العرب منذ نشأتهم الأولى.. وما أشبه العرب اليوم بصاحب البئر، فرغم كل الأفاعي المحيطة بهم ما زالوا معلقين في فراغ الموت. الأفاعي تنتظرهم في القاع، والجرذان تأكل من أغصانهم، وهم لا يزالون يلحسون العسل.. وغداً سوف يلحسون دماءهم.. لأنهم سكارى، أنامتهم غفلة الفتنة، وأنهكتهم فوضى التبعثر والضياع، وأعماهم الرعاع والتافهون والحقدة، وأضلوهم عن سواء السبيل.. فأثقلتهم الأوجاع وأثخنتهم الجراح..!!

ودائماً عندما تتكاثر جراح الأمة فإنه يتكاثر صديدها، ويخرج من جسدها دود يأكلها ويعجل بفنائها..!!

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 30

  • 1
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله الذي لا يحمد على شر سواه، وصلى الله على المصطفى القائل : " بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء "
    ونقل النووي في شرح صحيح مسلم عن القاضي عياض أنه قال في معنى الحديث :
    "أَنَّ الإِسْلام بَدَأَ فِي آحَاد مِنْ النَّاس وَقِلَّة، ثُمَّ اِنْتَشَرَ وَظَهَرَ، ثُمَّ سَيَلْحَقُهُ النَّقْص وَالإِخْلال، حَتَّى لا يَبْقَى إِلا فِي آحَاد وَقِلَّة أَيْضًا كَمَا بَدَأَ " اه.
    ولكننا لا نقول يا أستاذنا عبد الله إلا كما قال نبي الله يعقوب : " فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون "
    ونذكر قول خناس في بكائها لأخيها :
    ولولا كثرة الباكين حولي ** على إخوانهم لقتلت نفسي
    فإلى الله المشتكى، ورحم الله الحال، وإنا لله وإنا إليه راجعون،
    مازن القحطاني المملكة المتحدة

    مازن - زائر

    06:10 صباحاً 2007/06/22


  • 2
    محاوله غير موفقه هذه المره استاذي الكريم , محاولة حشر امريكا واسرائيل في مايحدث بين الاخوه في فلسطين من اقتتال على السلطه لن تنطلي علينا هذه المره , مايحدث هو صراع على السلطه ذو امتياز عربي وبتفوق

    سعيدالقحطاني-الرياض - زائر

    06:37 صباحاً 2007/06/22


  • 3
    لقد أسمعت لو ناديت حيا.ولكن لا حياة لمن تنادي

    فهد - زائر

    07:32 صباحاً 2007/06/22


  • 4
    الواحد مايحس بمصيبة غيره الا اذا ذاقها ,والله يستر من الجاي
    تحياتي

    سامر ناصر - زائر

    08:35 صباحاً 2007/06/22


  • 5
    لقد وضعت اليد على الجرح، كلمات خارجة من القلب موجهة الى كل قلب.
    حمى الله وطننا واوطان المسلمين من كيد الكائدين.
    تلميذك محمد العمار

    محمد العمار - زائر

    10:01 صباحاً 2007/06/22


  • 6
    أستاذي الفاضل عبد الله احب موضوعاتك جدا جدا جدا000

    هيا العتيبي - زائر

    10:39 صباحاً 2007/06/22


  • 7
    أستاذنا عبدالله، يجب على كل شخص أن يعي أهميته ويحاول أن يقوم بشيءٍ من التغيير، فربما همة رجل تغير أمة،
    تحياتي،،،

    عمر الدعجاني - زائر

    11:27 صباحاً 2007/06/22


  • 8
    السلام عليكم:لاشلت يمينك وزادك الله علما ومعرفه وحكمه

    جودي - زائر

    11:31 صباحاً 2007/06/22


  • 9
    وفقك الله يأستاذ عبدلله.
    كم تمنت أسرائيل وأيران هذا الحياة للعالم العربي والإسلامي وأعوانهم من نصارى وما زلنا نخدع ألى الأن بتصريحاتهم وكلامهم.
    اللهم وحد كلامة المسلمين وحفظ بلادنا من كيد الأعداء

    محمد ناصر - زائر

    01:25 مساءً 2007/06/22


  • 10
    شكرا أستاذ عبدالله ! والشكر موصول لجريدة الجميع (جريدة الرياض)
    شكرا أستاذ عبدالله !
    والشكر موصول لجريدة الجميع ( جريدة الرياض )
    التي تتحف القراء بنشر كل ما يفيد البلاد
    وينفع العباد في الدنيا والآخرة
    لا فض فوك أستاذ عبدالله :
    "انظروا إلى وسائل الإعلام المقروءة، والمسموعة والمرئية، كلها تقريباً وسائل تدمير للعقل والثقافة، وسحل لهوية الناشئة. فبعضها رقص ماسخ، وأفلام وسخة، ودعايات رخيصة، تعلم البذاءة وقلة احترام العقل والحياة، ليس فيها ما يرتقي بعقلية الناشئ، ولا ما يبث فيه روح الخلق والإبداع، ولا ما يغريه بالارتقاء بإنسانيته، ووجوده البشري ".
    Njwa2007@gmail.com

    njwaABDULLAH - زائر

    01:52 مساءً 2007/06/22


  • 11
    لاشلت يمينك استاذنا الفاضل هذا هو قو ل الحق و عين الصواب وواقع الحال فالى الله المشتكى ونسأل الله ان يصلح حال الأمة ويرفع عنها الذلة والمهانة.
    وجزاك الله خيرا

    سعود - زائر

    01:53 مساءً 2007/06/22


  • 12
    الاستاذ عبدالله الناصر
    يعجز لساني عن التعبير لك عن اعجابي
    هذا المقال الرائع ينظر جانب واحد من وضعنا
    استاذي العزيز أتنمى أن تخلع النظارة السوداء لو لفترة وجيزة
    وتنظر إلى حقيقة الوضع.
    نحن أفضل من أمس
    على الأقل فهمنا المشكلة
    الآن نعرف أساس المشكلة
    الجيل القادم سوف يعلاج المشكلة
    وسوف تنتهي الأعراض
    سوف نرمي الجرذان في فم الثعبان
    ومن عضن الشجرة سلاح نقتل به الثعبان
    سوف نخرج من البئر الماء ونسقي الزهور
    وننعم بالعسل الحقيقي
    من أرضنا من بستاننا
    شكرا لك أستاذ عبدالله
    شكراً لصاحب التعليق الأول ماجد القحطاني
    منصور الشمرى

    منصور الشمري - زائر

    01:54 مساءً 2007/06/22


  • 13
    قال الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه (لاعزة لنا الابالاسلام ومهما أبتغينا العزة بغيره أذلنا الله)

    أبو عمر - زائر

    02:08 مساءً 2007/06/22


  • 14
    من أروع المقالات التي قرأت. أبدعت ياأستاذ عبدالله. شكراً لك

    فيصل القصير (Ph) - الأسياح fa789fa@hotmail.com - زائر

    02:17 مساءً 2007/06/22


  • 15
    كعادته أبو محمد نجم ساطع في الصحافة وفي كل المجالات
    لك مني أجمل التحايا وأطيب الأمنيات.

    منصور الكثيري - زائر

    02:29 مساءً 2007/06/22


  • 16
    امه قيل عنها قبل 1100سنه انها امه ضحكت من جهلها الامم كان ذاك فى عصر الانتصارات والفتوحات وفرض الجزيه على من هم يسمون اليوم بالافاعى والجرذان
    لله درك من قال ذلك فإن تلك الهمه هى مانحتاجه الآن على اقل تقدير قاطع كل منتج ينتج من كل دوله تدور تحت تلك السياسه القذره كى يعرفو انا لسنا بالمغفلين الذين يحسبنا الغير اننا امه استهلاكيه فإنك بذلك قد تكون فعلت لو الشى القليل اتجاه دينك وبلدك وعروبتك.
    اتمنى نرجع اقوياء كما كنا ايام عبد الملك بن مروان ووزير حربه الحجاج بن يوسف يوم بشر امير المؤمنيين انفتوحات الجيش وصلت لحدود الصين شرقآ وحدود فرنسا غربآ فلله درك من زمن ولله دركم من قاده الذى كل ماذكرتهم تمنيت انى عشت ذلك الوقت بعزه وانتصاراته.
    mazain1@hotmail.com

    مساعد التميمى - زائر

    02:41 مساءً 2007/06/22


  • 17
    اود ان ارد على الاخ / سعيد القحطاني.
    تعليقك هذا هو اكبر دليل على تسلل الافكار الامريكية الى اجيالنا واولادنا فكل ما اريده منك هو ان تطلع على موقع وزارة الدفاع الامريكية وتقرأ احد الابحاث عن "خارطة الطريق" المقترحة من الوزارة المذكورة بالتعاون معالاستخبارات الامريكية والاسرائيلية لمنطقة الشرق الاوسط، تلك الخارطة التي كانت موضوع اطروحة"الدكتورة رايس" والتي توسعت بمساعدة اسرائيل.
    فلا فتنة في عالمنا العربي الا وحملت بصمات امريكا واسرائيل...
    يا اخي العزيز..اقرا كتبا مترجمة للعربية من لغات العالم الغربي كي تتأكد من نظرية المؤامرة التي تستهدف امتنا العربية كي تفهم وتقتنع ان قلم الاستاذ عبدالله لم يخطئ بل اصاب 100%.

    BASSAM RAFAIEH - زائر

    02:57 مساءً 2007/06/22


  • 18
    مازالت نظرية المؤامرة هي المسيطرة على العقلية العربية , لنرمي عليها فشلنا !
    القضية باختصار بحث عن السلطة , وبحث عن مال !!
    وين الجهاد ياحماس !!!

    عبد العزيز بن عبدالله - زائر

    03:07 مساءً 2007/06/22


  • 19
    الاخ عبدالعزيز عبدالله.. ابدا ليست مؤامرة و حماس لم تنجح بالانتخابات و بالديموقراطيه التي دعت اليها امديكا, والسيدة رايس هذه المسكينة تاتي و تذهب كل شهر الى المنطقة من اجل العدالة والحرية ومنع هدم المنازل بالطائرات والدبابات الامريكية و فك الحصار عن الشعب المسكين و تدمير الجدران العازله. و حماس هذه ليس لها تاريخ جهادي مطلقا اليس كذا لك..؟؟
    صالح السلمان

    صالح السلمان - زائر

    07:50 مساءً 2007/06/22


  • 20
    صح لسانك لاهنت

    مازن العتيبي - زائر

    07:51 مساءً 2007/06/22


  • عرض جميع التعليقات

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة