
"هذا هو اليوم الأخير لإطلاق القذائف عليَّ"
هذا ما أعلنه الفنان العراقي وفا بلال (Wafaa Bilal)، في تسجيله المرئي لتجربته على موقع youtube:
وفا بلال من مواليد بغداد العراق 1966، استثمر في العراق الجغرافيا التي اضطر لدراستها وشغلته برسمها، قبل أن تختلط خارطة العراق: بَشَرُها بموتها، بالمقاوم والوطني والمحتل . تمكن وفا بلال - خلال الهجمة الأمريكية على العراق بعد غزوها للكويت - من الفرار للكويت ومنها لمعسكرات اللاجئين بالسعودية، ومنها للولايات المتحدة الأمريكية، حيث يقيم الآن ويدرس الفنون في شيكاغو منذ عام
2001.فر بلال وما زالت حياته مستمرة في الجغرافيا المنتهكة بين النهرين، حيث شهد مقتل أخيه على يد جندي أمريكي في النجف عام 2005، اتبعه مقتل أبيه، وحيث عائلته لا تزال تخضع لعشوائية الموت الجاري أينما كان وفيمن كان بلا تمييز ليل نهار، كل ما يسعي بين النهرين هو نطاق تصويب، وهذا ما تتمحور عليه الكثير من مشاريع وفا بلال الفنية، التي عُرِفَ بها خلال الأعوام الماضية، والتي توجَّهت وخاطبت المشاهد، لتضعه في مواجهة مع الانقسام الحاصل تجاه القيم العُليا والمبادىء المتعارف عليها إنسانياً، (بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتتابعاته العسكرية في العالم عامة والشرق الأوسط خاصة) .
أثار عمل وفا بلال الأخير (كرات الطلاء) أو (توتر مدني) (Domestic Tension) صدمة، حين أغلق الفنان العراقي وفا بلال على نفسه غرفة في صالة العرض الفنية (فلات فايل) (flatfile Galleries) في شيكاغو، لمدة ستة أسابيع، ووضع نفسه كهدفٍ لكاميرا تصوير موصولة بالشبكة العنكبوتية، وبمرمى مسدس يمكن توجيهه عن بُعد، يُطلق كرات لون أصفر .
الحجرة عبارة عن خلفية بيضاء محايدة، يحتلها سرير، بمواجهة الكاميرا والمسدس، وهناك شريحة من البليكسي جلاس يمكن للفنان استعمالها كدرع، أقام بلال في تلك المساحة المقتطعة من الواقع اليومي، وترك خلالها لمستخدمي الإنترنت المشاركة في خلق المشهد الفني بإطلاق قذائف لونية عليه، ومحاورته عبر الكاميرا المتصلة بالشبكة . ليل نهار عاش بلال تحت مرمى تلك الحوارات والقذائف التي لا يمكن له تفاديها، إلا لو تقرفص أو رقد على السرير، لا ينجو من الطلقات إلا لو انكمش لكينونة مقيدة أو تَسَطَّح لهيئة جثة، عدا ذلك فهناك عيون من شتي أرجاء العالم، تترصَّده على الشبكة العنكبوتية، بانتظار أي حركة يقوم بها لكي تقوم بإطلاق القذائف اللونية عليه والتي ليست مؤلمة مالم تصب وجهه . مشهد عبثي يُذَكِّر بمسرحيات بيكيت العبثية، إلا أنه يُلخِّص وضع الإنسان في العراق، والذي تترصَّده أحزمة ناسفة وسيارات مُفَخَّخة، وقذائف من أطراف مجهولة هويتها ولا يُعءرَف مداها .
كان من المفروض أن تنتهي إقامة الفنان في تلك الحجرة وتحت الطلقات في يوم الاثنين 4يونيه 2007، إلا أنه وفي ذلك اليوم الأخير أعلن اضطراره لتمديد إقامته يوماً إضافياً، وجاء في إفادته للمشاهدين، والتي تصلك متقطعة بأصوات الطلقات، ومحاولات الفنان للصمود تحت وابلها، قائلاً :
أنا لم أحضِّر إفادةً مكتوبة أُلقيها عليكم، اليوم كان من المفروض أن يكون الأخير لوجودي في مرمي الطلقات، إلا أنني الآن أجد أن الكثير من الناس يريدون المساهمة، والدخول في لعبة إطلاق الكرات، كما تُلاحظون فإن الطلقات تتكاثف، لا توجد ولا ثانية راحة بين الطلقات، لذا فسأقوم بتمديد هذا العرض ليوم إضافي لاستيعاب كل هذا الكم من الطلقات . عملي هذا مُكَرَّس لأولئك الذين شَكَّوا أن بوسعي المضي في تجربتي هذه وإكمال مثل هذا المشروع الذي بدأ يوم 4يونية .
أشكر كل من تابع هذه التجربة، وأشكر المؤيدين كثيراً، لقد كان وقتاً عصيباً، تذبذبت خلاله حالتي النفسية بين صعود وهبوط، وتفاوتت ردود أفعال الجمهور بين متضامنٍ معي ومخالف، كنت في مواجهة حقيقية مع أولئك المتحدين معي، وأولئك المختلفين، لكن هذا ما كان يفترض أن نفعله كبشر، (موقفي هذا) كان ضرورياً لإعلان ولإخبار ولإيلام الآخر الصامت، والذي هو مسؤول عن واقعنا الحياتي، نحن جميعاً في موضع مسؤولية . الآن، من موقعي كهدفٍ للتصويب، ليس لدي أي رفض أو مشاعر سلبية تجاه الناس الذين أطلقوا عليَّ، فهي مقابلة، مواجهة، وليست سلاماً مفروضاً، هي مساحة مفتوحة، بوسعنا جميعاً شحذها وإعادة صياغتها برؤيتنا واستجاباتنا، منذ اللحظة الأولى كان لنا جميعاً بدء هذا العمل وقيادته لنتيجة، هذه هي الحياة، ومشهدي الفني هو قطعة من الحياة . وأنا في طريقي لإنهاء هذا بروح عالية، وبفيض من الطاقة الإيجابية . بلا شك فإن لهذه التجربة وقعاً ذهنياً وجسدياً عميقاً عليَّ، وسيكون عليَّ التعامل مع هذا التأثير، غداً سأتغلب على كل هذا بعد الساعة الخامسة، حين أنهي هذه المواجهة وأخرج من نقطة العرض أو نقطة الهدف أو نقطة التصويب . أتمنى أن أرى بعضكم حين أخرج من صالة العرض، أو سأراكم يوم 16يونية حين ننقض هذا العمل نهائياً .
الجدير بالذكر أن بلال أراد تسمية عمل الفيديو هذا التفاعلي التحريضي (أطلق النار على عراقي) إلا أن صالة العرض اعترضت، خوف أن يثير ردود فعل سياسية، تخرج بالعمل الفني عن أهدافه، ألا وهي إثارة التساؤل، والإعلان عن وضع إنساني .
@ @ @
نلاحق بعض التعليقات التي تركها المشاهدون، كمؤشر للوجهة التي تتخذها البشرية تجاه ما يجري في العالم :
- (اضحك، أنا بحاجة للضحك . لأنني تفوقت حتى على نفسي، وعدوي، عدوي هو حيوان، من أجل قهر الحيوان لا بُدَّ وأن أتعلَّم كيف أُفكِّر كحيوان.. بانتظار أن تسنح الفرصة لكي أتحول لأبدو مثل حيوان ... لا بدَّ وأن أدخل لدخيلة هذا الرجل ...و أزحف فيه لأيام ...)
- (يوهوو ... هل بوسعك أن تأتي لدلك تشققات الترهل على بطني .)
- (لقد أرسلتُ أولاداً أصغر منك لحجرات الإعدام بالغاز . لم أرد أن أفعلها .)
- (شعرتُ بأنني أدين لهم بذلك ...) وأطلق النار .
- (أنتَ جذاب لفتاة بجسد جميل).
- (المزمار بدون ثقب ليس بمزمار، والدونات بدون ثقب كعكة دانش) ربما يقصد أن القتل بلا ذخيرة حية ليس قتلاً .
تدخل الموقع الآن فتجد عبارة (المسدس صامت في ذكرى حيوات تُنتهك) .
@ @ @
الاطلاع على هذا العمل، أو الوقوف موقف المشارك وتحت يدي الزناد، وبأذني أنفاس وفا بلال البطيئة، شَكَّلَ صدمة لي، فنحن بصمتنا نشارك في القتل، بوقفتنا للفرجة نشارك بالقصف . بل وإن كل دخول للشبكة العنكبوتية - حين يتحتم علينا فعل شيء ولا نفعله، أو يكون علينا تسجيل موقف لا نُسجله - ما هو إلا طلقة، على بلال وفا وعلى العراق ولبنان وفلسطين، وعلى القيم الإنسانية التي نتشاطرها على هذا الكوكب . لزمن يظل يرن برأسي صوت وفا بلال المتقطع المتهدج والذي غالباً ما يضيع وسط أصوات الطلقات/ طلقات كانفجار قلب، يقول :
"بالصمت أو بالتعبير نحن نسهم في خلق المشهد الكوني . نُضيف لإعتامه أو تنويره".
من الأعمال المثيرة للجدل والتساؤل أيضاً عمل وفا بلال الفيديو التركيبي، حين حبس الممثل نفسَه في حجرة، تُمَثِّل غُرفَ التعذيب في عهد صدام حسين، حيث تسقط عليه مادة حارقة من شبكة العوارض الحديدية بالسقف، قطرات عشوائية تباغته من حيث لا يتوقع، وعليه أن يشخص للسقف مراقباً موقعَ تَشَكُّل القطرة التالية، والتنبؤ بموقع سقوطها المحتمل، ليتفاداه، وعليه أن يحافظ على تلك الدرجة من الوعي ليل نهار، حتى يسقط في الهذيان، ويصير تفادي القطرات شبه مستحيل، ورويداً رويداً تتشرب ثيابه المادة الحارقة، لتساهم في تعميق حروقه، مما يضطره فينضوها، ليقف اجرداً عاجزاً ملاصقاً للجدار مذعوراً كحشرة .
كل ذلك نراه كلعبة فيديو، كما نرى الحروب كاجتياح لبنان أو الصراع في صفوف المقاومة أو الحرب في العراق وأفغانستان، نرى الأرقام على الشاشة وربما الجثث والدماء، لكنها لا تزيد عن صورة، فنحن لا نرى التشويه الذي يحصل، والحيوات التي تُبتر من حيواتنا، ولا نرى العجز التدريجي الذي ينهش البنية الإنسانية، أرض الواقع هي أرض شاشة بلازما، فاخرة وتُطعم بأثمانها قبائل بإفريقيا، نرمقها وكأنما لا تمت لنا بصلة .
@ @ @