بحث



الخميس 6جمادى الآخرة 1428هـ - 21يونيو 2007م - العدد 14241

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


رؤى فوق الشفق..!
قراءة في شعر محمد اسماعيل جوهرجي (2/1)

محمد اسماعيل جوهرجي
محمد اسماعيل جوهرجي

د. طارق سعد شلبي
    أنا لا أكتب شعري في الورق. إنما ارسمه فوق الشفق!

بهذا البيت الكاشف عن استعلاء الذات الشاعرة، واعتزازها البالغ بقيمة الكلمة في رحاب عالم الشعر الآسر صدر الشاعر محمد اسماعيل جوهرجي واحدة من قصائده.

وقد بلغ هذا الاعتزاز عبر تصدير البيت ب "أنا" المحيلة الى الشاعر وحده في نطاق التكلم الحميم الذي يستدعي - على نحو غير مباشر - مخاطباً او مخاطبين.

وقد تبرز جوهر هذا الاستعلاء تلك الثنائية التقابلية بين بعدين في عالم المكان أعرض شاعرنا عن أولهما وآثر الآخر، لم لا؟! وقد ارتبط هذان البعدان بطرفي ثنائية تعكس رؤية الابداع.

إن الشاعر يأنف ان يكون شعره كتابة ونظماً ورصاً، بل يريده رسماً وابتكاراً وابداعاً، ولهذا يعي المتلقي تلك الثنائية التي أقامها الشاعر في البيت بين ان يكون شعره "في الورق وان يكون شعره عالياً عالياً فوق الشفق"..!

وقارئ شعر الاستاذ محمد اسماعيل جوهرجي الذي ضمه الجزآن الكبيران من اعماله الكاملة لا يستغرب هذا الاعتزاز والاستعلاء الفني، فشعره - على اختلاف موضوعاته واغراضه وقوالبه يعكس إنسياباً كاشفاً عن امتلاك أدوات اللغة، وتمكن بالغ من ادوات الفن الشعري ومقوماته الفنية وقراءة الشعر بقدر من التأمل كاشفة عن صدوره عن انشغال نبيل بقضايا المجتمع والأمة.

وعذوبة شعر محمد اسماعيل جوهرجي الكاشفة عن طول النفس، وعمق الرؤية ونفاذها مما يلتقي مع حياته العلمية والاجتماعية وقد ملأ ايامها تعلماً وتعليماً وتأليفاً، فأصبح له حضوره الفاعل في الحياة الثقافية عبر المجلات العربية والسعودية وكذا عبر جمهوره في مجال الاذاعة ببرنامجه الجيل الجديد واحاديثه التربوية الاسبوعية فضلاً عن مؤلفاته القيمة في اللغة، منها: "الموجز في النحو"، و"قال الفتى"، و"مصادر النوتة الشعرية" و"التقطيع العروضي"..

وهذا هو شاعرنا يرينا نفسه: قراءة لغة، وحفظ لفظ، والتفاف الف كلمة تكويناً لألف الف صورة جميلة عذبة كدفق المطر:

جمعت كل ثروتي

من لغة قرأتها

ولفظة حفظتها

ومن خيال مستتر

وترصد قراءتنا لشعر الشاعر ابعاد رؤيته لقضايا واقعة المعيش الذي يحيا في رحابه على اختلاف تجلياته، واقعة هو بوصفه شاعراً ذا بصيرة نافذة متعمقة، وبوصفه فرداً في مجتمع قادراً على الرصد الدقيق لتحولاته، وبوصفه مفكراً حريصاً على تجاوز نطاق ذاته ومجتمعه الى آفاق أمته معبراً عن شواغلها الملحة، آلامها في الحاضر وآمالها في المستقبل الذي يتابعه شاعرنا امتداداً وعمقاً صوب الزمان وصولاً الى احفاد الاحفاد!

ولا تستقيم تلك القراءة بحال ما لم تتكئ على معالم البناء اللغوي الذي يشكل ابعاد رؤية الشاعر في رحاب النص، ويحقق تأثيرها المرتجى على المتلقي حال تواصله الحميم مع جمالياته.

ولا تقتحم القراءة العالم الشعري للاستاذ محمد اسماعيل جوهرجي اقتحاماً يحكم افتراضاً مسبقاً، بل تنبع من صميمه، ففي هذا الشعر ما يشي بصدوره عن تأمل نافذ للحياة بلغ عمقه حداً جعله يقف على جوهر الحياة وكنهها:

فهل كانت الدنيا بدار تربض

سوى انها شبه السحاب تمدداً؟

أليست رحى الايام تذرو نفوسنا

وتلقى بها عبر التراب لتلحدا؟

فما بالنا نهنى بدنيا غرورة

إن الشاعر في بعض شعره يتجاور أسر اللحظة المعيشة التي تصله بنطاق محدود من الزمان او الكان ويلقي نظرة صوب سيرة الانسان عبر الحياة كلها لتتضح جدلية الحياة والموت، وقد عكستها جدلية اخرى بين الهناء الخادع والموت الحق الذي لا خداع فيه وجاء تتابع التساؤلات حثاً للمتلقين للوقوف على أبعاد هذه الرؤية وقد تألفت قلوبهم ازاءها بالبعد الحميم المستقى من ألفة ضمير جميع المتكلمين الذي اوجد الشاعر بينهم لا ليحدثهم او ليتحدث عنهم بل يتحدث معهم، فما بالنا نهنى بدينا غرورة؟

ويضع الشاعر يده - في موضع آخر - على طبيعة الجمال في الوجود كله، وعلة غفلتنا الذاهلة عنه:

هل تكون الحياة يوماً قنوطا

او شطوطا عن الرؤى والمساعي؟

كل ما في الوجود نفح جميل

لو نزعنا غريزة الاطماع

وفي شعر الشاعر ما يكشف عن صدوره عن انفعال ضاغط وانشغال نبيل بالمجتمع: شؤونه وشجونه!

كل تثبت في جنبي ينهشني

يغالب النفس يصليها ويختر....

استنهض والحس في صبح امله

عل الذي حل بالآهلين ينحسم

ماذا اصور والايام فاجعة

هل استكين برغد العيش اتخم

يبرز البيت الاول والثاني انفعالاً ضاغطاً لاح في تتابع المعطوفات ذلك التتابع الذي احال البيتين الى وحدات صغرى يكشف تواليها وسرعة تلاحقها عن مبلغ الانفعال وحدته، فقد اضفى هذا التتابع بعداً صوتياً لافتاً للآذان ضاعفه الجناس بين الهم والغم، والكبح والكسح، والمناوشة الصوت دلالية بين الخوف والنزف، والحبط والسقط!!

إن الشاعر وهو يجذب آذان سامعيه الى قصيدته - عبر هذين البيتين المفتتحة بهما قصيدته - انما يثير طاقات التأمل في اذهانهم ايضاً ليقفوا على كنه هذه القفزات المنفعلة الجامعة - بسرعة - بين دلالات شتى.

ويتضح هذا الانفعال كألم ما يكون عبر هذا النهش الملازم المستديم - على نحو ما يطلعنا الفعل المضارع، كل تثبت في جنبي ينهشني، وتأخذ مظاهر هذه الدلالة تترى عبر المضارعة في التعبير عن مغالبة النفس وصلاها واخترامها، وتمتد تلك المعاناة المؤلمة لتدرك شعره ايضاً، "يضري بها الشعر".

ويعرض الشاعر معالم موقفه المتردد بين خيارات شتى عبر جمعه المحكم بين صيغة المضارع من ناحية وحفز التساؤل من ناحية اخرى: ماذا اصور والايام فاجعة؟

"هل استكين برغد العيش"، "أم انفث الشعر انفاسا محرقة".

تبدو مشغلة الشاعر النبيلة بالمجتمع همومه وشجونه وشؤونه اصلاً لا تستقيم حياته كلها بدونه:

استنهض الحس في صبح أأمله

عل الذي حل بالاهلين ينحسم

ولعل فيما قدمناه ما يبرهن على ان التماس الاهتمام بقضايا العصر مدخل القراءة شعر الشاعر انما لا يتكئ على تصور مسبق يتحكم في النص بل ينبع من صميم دلالته.

ومع هذه العلاقة الحميمة الجامعة بين الذات الشاعرة والمجتمع يستوعب شعر الشاعر بدقة ساخرة طبيعة العلاقات الاجتماعية وقد شابها ما شابها من خداع ومكر ونفاق:

لو لم تكن في منصب حساس

ما التف حولك نخبة الجلاس

هي هذه الدنيا تدين لمفتر

ولمعتل صهواتها مياس

امست علاقتنا رهينة مركز

مقرونة بالجاه والحراس

وقارئ الابيات السابقة يدرك كيف ان كانت صلة الشاعر العميقة بواقعه ونظرته النافذة الى متغيرات مجتمعه سبباً في انطلاق دلالاته كلها من خطاب يفترض وجود مشكلة معيشة لدى المتلقى..

وشاعرنا لا يعرض القضية إلا من زاوية المتلقى وقد وقع تحت وطأتها!

وتلك الصلة المشار اليها ربما نعزو اليها اقتراب الشاعر من لغة الحياة اليومية واستخدام الناس تعبير المنصب الحساس والمركز اشارة الى الوظيفة المرموقة...

وتبدو مزية رؤية الشاعر في إطار هذا النقد الاجتماعي في تساميها عن الانحصار في نطاق تلك الظاهرة الاجتماعية المعيشة المعيبة الى آفاق تشخيص امراض الأمة كلها!.

واللافت فيما اوردناه من ابيات ما نسمعه فيها من "صفير مهموس" نابع من ايثار هذا الروى السيني وقد انضاف الى صوت الصاد، مما اوجد سمتاً صوتياً مزعجاً ازعاج تلك الظاهرة التي استوجبت نفور الشاعر وتحذيره.

وقد ضمن الشاعر أحد دواوينه "صيحة الم وامل" شخص فيها كثيراً من الظواهر الاجتماعية المذمومة وعرض فيها رؤيته بارجاعها الى جذورها في وعي ابناء الامة فهو يسلط الضوء على المفارقة بين التخلف الحضاري للامة وادعاء ابنائها السيادة والعزة.

نحن الاسياد لنا الصدر

همم قعساء ولا فخر

سفه في قول ممجوج

اصفاه دعاة التهريج

ويمضي في حديثه حتى يبرز للمتلقي مفارقة اخرى لا تقل إيلاماً بين حضارة الاجداد وتخلف "الاولاد".

يا ضيعة حق الاجداد

في غفلة لهو الاولاد

وتكتمل جوانب الرؤية التي ينشد الشاعر تقديمها للمتلقي عبر التماسه سبل النجاة من ظلام اللحظة الراهنة المعيشة:

الليل المظلم يأسرنا

يشتد ظلاماً يحجرنا

دين الاسلام لنا الق

في كل شعاب ينطلق

وهذا الاهتمام الموصول بالمجتمع ومتغيراته لم يجعل الشاعر بعيداً عن مستجدات فنونه خاصة ما كان سلبياً منها، فلا يجد بأساً ان يرصد "زمن الفيديو كليب" في احدى قصائده:

يا زمانا صار فيه

الف معنى لاغترابه

خدش الاحلام فينا

وسقانا مر صابه

وانبرى يسخر منا

ويغالي في استلابه

وتلك البداية الحاسمة التي ملأ بها الشاعر قلوب متلقيه هماً واهتماماً بالواقع المعيش كانت خير تمهيد لما سيعرضه الشاعر من معالم سوء هذا الواقع، وقد اتخذ منه موقف المواجهة على نحو ما يشي النداء المصدر به مفتتح القصيدة.


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية